بقلم كريستين لاغارد

كانت أول محطة في جولتي هذا الأسبوع لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا هي المغرب الذي استقبلني بما عرف عنه حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة على مر التاريخ. ويتميز هذا البلد الواقع عند مفترق الطرق بين إفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط بكثير من الصفات التي تبشر بأنه سيكون مركزاً ديناميكياً في المنطقة.

وقد ظل المغرب نموذجاً للاستقرار الاقتصادى رغم التحديات التي تحيط به – الأزمة الاقتصادية في أوروبا، والتحول السياسي في البلدان العربية، وغيرها. ومع ذلك، ظل الاقتصاد المغربي محتفظاً بصلابته، وجاري حالياً تنفيذ بعض الإصلاحات الكبرى.

إلا أنني استمعت مراراً أثناء زيارتي إلى حوارات حول مشكلة البطالة، وخاصة بين الشباب.

فهناك في الوقت الحالي أكثر من 15 مليون عاطل عن العمل في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهي ظاهرة تمس المجتمعات في كل بلدان العالم، وخاصة الشباب دون سن الخامسة والعشرين. وفي المغرب كما في معظم البلدان، يصل معدل البطالة بين الشباب إلى 19% وهو ضعف المعدل بين متوسط السكان (9.2%).

وسوف نناقش هذه القضية الصعبة المتعلقة بالبطالة في مؤتمرنا الإقليمي الذي يبدأ اليوم في عمّان. وسوف يضم مؤتمر "بناء المستقبل: الوظائف والنمو والمساواة في العالم العربي" كبار صناع السياسات، وممثلي المجتمع الدولي، والشركاء من القطاع الخاص، والأكاديميين لمناقشة المرحلة التالية من التحول الاقتصادي في البلدان العربية التى تمر بمرحلة تحول سياسى.

دعم الوسط

وسوف نستمع أثناء مؤتمر عمّان إلى آراء بعضنا البعض، ونعقد المقارنات بين تحليلاتنا، ونجري تقييماً لأفضل الممارسات؛ فلا أحد لديه حتى الآن الوصفة السحرية لمعالجة كل هذه التحديات الاقتصادية الملحة.

غير أنني أكاد أجزم أنه لا يمكن تحقيق النمو المستمر في أي بلد إلا إذا كان لديه أساس قوي للاقتصاد الكلي يمكن على أساسه بناء الثقة، وبالتالي جذب الاستثمارات وتوفير فرص العمل.

وإلى جانب الاستقرار الاقتصادي، أعتقد أيضاً أنه لا غنى عن التعاون الوثيق بين القطاعين العام والخاص لتشجيع النمو وتوفير فرص العمل، وأرى أن الاقتصاد القائم على مشاركة جميع الفئات هو أفضل وسيلة لدعم النمو القابل للاستمرار.

وفي كلمة ألقيتها في الرباط يوم الخميس الماضي، طرحت فكرة دعم "الوسط" في الاقتصاد، وفي المجتمع، وفي حجم الحكومة – وهو ما يعني إقامة المزيد من المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتقوية الطبقة المتوسطة، وتشكيل حكومات لا هي أصغر من اللازم ولا أكبر من اللازم.

لكن ذلك ليس بالأمر اليسير. وكما ورد في مناقشاتي مع زملائي المغاربة، يمكن أن يقوم القطاع الخاص بدور كبير في هذا الشأن. لكنه لن يتمكن من ذلك إلا بتحسين بيئة الأعمال من خلال تطبيق قواعد تنظيمية أكثر كفاءة وتعزيز المنافسة، ومن خلال تبسيط الشروط المطلوبة لدخول سوق الأعمال، ومن خلال ضمان توافر التمويل الكافي للشركات الصغيرة والمتوسطة.

والاقتصاد الأكثر احتواء لمختلف شرائح المجتمع ينطوي أيضاً على (1) تهيئة الظروف الملائمة لدخول المرأة والشباب إلى سوق العمل؛ و(2) توفير نظام تعليم يحقق الاتساق بين مهارات الطلبة واحتياجات مؤسسات الأعمال الحديثة؛ و(3) تعزيز كفاءة أسواق العمل.

وسوف يترتب على رفع مستوى مشاركة المرأة في القوة العاملة تحقيق مكاسب حقيقية في إجمالي الناتج المحلي للمنطقة. وقد ناقشت هذه النقطة أثناء زيارتي إلى المغرب. وأدهشني ما علمته من لقائي بمجموعة متحمسة من القيادات النسائية في المغرب من أن نسبة الإناث بين خريجي الجامعات مؤخراً تصل إلى 66% إلا أن نسبة المشاركة الفعلية للمرأة في سوق العمل لا تتعدى 26%.

لكن هذا الأمر يجب أن يتغير، لأن مثل هذه النسبة المنخفضة، الشائعة في كثير من بلدان المنطقة، هي مؤشر على إهدار هائل للموارد. وتوضح بعض التقديرات أنه لو كانت الفجوة بين مشاركة الذكور والإناث في القوة العاملة في المنطقة هي ضعف المستوى المتوسط لهذه الفجوة (بدلاً من ثلاثة أضعافها حالياً) في البلدان التي يمكن المقارنة بها، لزاد الناتج في المنطقة على مدار عقد واحد بمبلغ قدره تريليون دولار.

وأخيراً، ينطوي الاقتصاد الأكثر احتواء للجميع على مزيد من الشفافية والحوكمة الرشيدة. فالشعوب تريد أن تعرف كيف تنفق الحكومات أموال دافعي الضرائب وما إذا كانت الأوضاع المالية في البنوك والشركات سليمة. وتمثل الحوكمة القوية عاملاً أساسياً في هذا السياق، لأن الفساد ينتقص من فعالية الاقتصاد مثلما يمكنه في آخر المطاف أن يقضي على التماسك الاجتماعي داخل المجتمع.

آراء الشباب

في الفترة التي سبقت انعقاد مؤتمر عمّان أجرينا في صندوق النقد الدولي حملة على صفحات الفيس بوك للاستماع مباشرة إلى آراء الشباب العربي حول أفضل السبل لتوفير فرص العمل في بلادهم. ووصلتنا اقتراحات من مجموعة متنوعة من الشباب العربي من النساء والرجال. وقد اتفق كثير منها مع ما طرحته من أفكار – أي الحاجة لزيادة الاستثمار في المنطقة، والرغبة في زيادة المساعدة لرواد الأعمال، والضرورة الملحة للقضاء على الفساد. وكان لقائي بالأمس بمجموعة من طلبة "الجامعة الدولية بالدار البيضاء" يتمتعون بقدر كبير من الثقة وبلاغة الحديث قد بثت بداخلي شعوراً بالثقة بأن الجيل الجديد من الشباب العربي مؤهل للتعامل مع التحديات القادمة.

وإنني لاتطلع إلى مناقشة هذه الأفكار في عمّان على مدار اليومين القادمين.