بقلم سانجيف غوبتا، مارتين غرغيل

أبرزت الأزمة المالية العالمية قضية استمرارية الموارد العامة، لكن تأثيرها اقتصر على زيادة تفاقم وضع كان سيجذب الاهتمام بالتأكيد إن آجلاً أو عاجلاً - وهو الزيادة المطردة في إنفاق حكومات العالم على مدار العقود القليلة الماضية. وهنا في الصندوق، ننظر منذ فترة في العوامل التي تقف وراء هذه الزيادة في الإنفاق العام، ولا سيما الإنفاق الاجتماعي، وناقشنا في آخر عدد من تقرير الراصد المالي بعض الخيارات لإصلاح الإنفاق.

تفسير زيادة حجم الحكومة

مقدار الإنفاق الحكومي يعكس في الأساس تفضيلات كل بلد لحجم حكومته المرغوب وحجم الخدمات التي يريد أن تقدمها. ولكن نسبة الإنفاق الحكومي من الناتج الاقتصادي الكلي تسير في اتجاه صعودي واضح منذ عدة سنوات. وقد يكون جانب من هذا الارتفاع بسبب عوامل اقتصادية أساسية (الرسم البياني 1). 

 وقد خرج الاقتصادي الألماني أدولف فاغنر في القرن التاسع عشر بنظرية مفادها أن الطلب على السلع والخدمات العامة يزداد مع زيادة ثراء البلدان ("قانون فاغنر"). وقدم ويليام بومول تفسيراً آخر، وهو أن تكلفة تقديم السلع والخدمات العامة تغلب عليها الزيادة بسرعة أكبر من الإنتاجية؛ وكان المثال الذي ساقه في هذا الخصوص هو الموسيقيين في الأوركسترا الذين ترتفع رواتبهم حتى وإن قيل إن أداءهم لم يتحسن عن عقود سابقة ("مرض التكلفة حسب نظرية بومول"). وتحليلنا الذي ورد في تقرير الراصد المالي يقدم الأدلة الداعمة لكلا النظريتين.

وتعني هذه الاستنتاجات، في غياب التدابير المخفِّفة، أن الضغط على الحكومات لمواصلة الإنفاق سوف يستمر، وإن تباطأت وتيرته مع ثبات نمو الدخل والإنتاجية. والواقع أن تقديراتنا تشير إلى أن عدم إجراء إصلاحات في هذا الخصوص يمكن أن يرفع الإنفاق الحكومي في اقتصادات الأسواق الصاعدة بمقدار يتراوح بين 3 و 6 نقاط مئوية من إجمالي الناتج المحلي حتى نهاية عام 2050.

ومن المرجح أن يأتي الضغط الرافع للإنفاق العام من مصدرين على الأقل: شيخوخة السكان، التي ستزيد من تكلفة تقديم الرعاية الصحية ومعاشات التقاعد؛ وعودة السياسة النقدية الطبيعية، التي ستؤدي إلى زيادة مدفوعات الدين حين يبدأ ارتفاع أسعار الفائدة في نهاية المطاف.

خيارات إصلاح الإنفاق

تتمثل مهمة الحكومات الأساسية في ضمان بقاء مواردها المالية على مسار قابل للاستمرار الآن وفي المستقبل، مع العمل على تعزيز النمو والعدالة، والقيام بذلك مع مواجهة الضغوط الرافعة للإنفاق بصورة ما. وحتى تكتمل هذه المهمة، ينبغي أن تحقق الحكومات توازناً دقيقاً بين السياسة الضريبية وإصلاح الإنفاق.

وفي الاقتصادات المتقدمة، حيث احتياجات ضبط الأوضاع هي الأكبر والمجال المتاح لتعبئة موارد إضافية من خلال الضرائب محدود، قد تكون تخفيضات الإنفاق ضرورية كجزء من استراتيجية إصلاح أوسع نطاقا. ومن ناحية أخرى، هناك نسبة كبيرة من السكان تفتقر إلى الخدمات العامة الكاملة مثل التعليم والرعاية الصحية في كثير من اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات منخفضة الدخل. وفي حالة هذه البلدان، هناك إمكانية للتوسع في تقديم السلع والخدمات العامة عن طريق رفع الضرائب. لكن المرجح أن يتطلب الأمر بعض إعادة الترتيب لأولويات الإنفاق.

ولا شك أن ظروف البلدان وتفضيلاتها تشكل عاملاً مهماً، والشيطان يكمن - دائماً - في التفاصيل، لكن بعض العوامل المشتركة تتضح من تجارب البلدان مع إصلاح النفقات:

  • ينبغي أن تتجنب البلدان تخفيضات الإنفاق الشاملة: فقد تكون هذه التخفيضات مواتية، لكنها ليست ذات كفاءة ولا تدعم الرفاهية، ولها آثار ضارة على قدرة الاقتصاد على النمو على المدى الطويل.
  • إعادة الموارد العامة إلى مسار قابل للاستمرار سوف يتطلب احتواء الإنفاق الاجتماعي وفاتورة الأجور العامة، وهي تشكل مجتمعةً أغلبية الإنفاق الحكومي: ويقتضي كبح الزيادة في الإنفاق الاجتماعي معالجة نظم معاشات التقاعد العامة ومساعدات الرعاية الاجتماعية. وفي حالة إصلاح معاشات التقاعد، يبدو أن الخيار الأكثر جذباً هو رفع سن التقاعد تدريجياً، مع حماية الفئات المعرضة للتأثر وتوسيع نطاق الحصول على المزايا عند الحاجة. وفي كل من البلدان المتقدمة والنامية، يمكن لتحسين توجيه منافع الرعاية الاجتماعية أن يؤدي إلى توليد وفورات في المالية العامة دون التأثير على مقتضيات العدالة. وسوف يتطلب تخفيض فاتورة الأجور على نحو دائم إحلال تدابير هيكلية أعمق محل إجراءات تجميد الأجور والتعيينات التي بدأ تنفيذها في عدة بلدان منذ عام 2009.
  • تستطيع الحكومات تحقيق وفورات التكلفة من خلال تحسين الكفاءة: يبدو المجال كبيراً لتحسين الكفاءة في تقديم خدمات التعليم والرعاية الصحية وفي الاستثمار العام – علماً بأن البند الأخير يتعلق بالبلدان منخفضة الدخل.
  • سيتعين القيام تدريجياً بوقف الاتجاه العام المتناقص لأرصدة رأس المال العامة في الاقتصادات المتقدمة واقتصادات الأسواق الصاعدة: ويتطلب إبطاء هذا التناقص (الرسم البياني 2) مزيداً من الاستثمارات العامة المنتجة أو زيادة مشاركة القطاع الخاص.
  • يمكن أن يؤدي وجود قواعد مؤسسية مالية داعمة إلى تعزيز فعالية إصلاحات الإنفاق: تشير الأدلة التجريبية إلى أن أطر اللامركزية الفعالة وقواعد الإنفاق، على سبيل المثال، يمكن أن تساعد في تحسين مراقبة الإنفاق.
  • وأخيراً وليس آخراً، تزداد احتمالات نجاح إصلاحات الإنفاق واستمراريتها إذا كانت مؤيَّدة بتوافق سياسي واسع النطاق: وتشكل استراتيجية التواصل واسعة النطاق أهمية خاصة لأن عدم اليقين السياسي والضغوط الاجتماعية يمكن أن تؤدي بسهولة إلى انحراف مسار الإصلاحات.