بقلم أوليفييه بلانشار

(بلغات أخرى English)

شهدت فترة صدور عدد أكتوبر 2013 من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي بوادر ديناميكية جديدة بدأت تتضح معالمها الآن بصورة متزايدة. وبتعبير بسيط نقول إن تعافي الاقتصاد العالمى يزداد قوة.

ويتنبأ آخر عدد من تقريرنا عن آفاق الاقتصاد العالمي بأن يبلغ النمو 3.6% هذا العام و 3.9% في العام القادم، صعوداً من 3% في العام الماضي.

 

وفي الاقتصادات المتقدمة، نتنبأ بأن يصل النمو إلى 2.2% في عام 2014، صعوداً من 1.3% في عام 2013.

ويُلاحَظ أن التعافي الذي بدأ يتحسن في أكتوبر الماضي، لم يزد قوة فحسب، وإنما امتد ليشمل نطاقاً أوسع أيضاً. وثمة تراجع بطيء في حدة العوائق التي كانت تؤثر سلباً على النمو. فهناك تباطؤ في عملية الضبط المالي، والمستثمرون أصبحوا أقل قلقاً من احتمال وصول الديون إلى مستوى لا يمكن تحمله. أما البنوك فتشهد تحسنا تدريجياً، وبالرغم من أننا لا نزال بعيدين عن تحقيق التعافي الكامل فإن عودة السياسة النقدية الطبيعية – بأدواتها التقليدية وغير التقليدية – أصبحت الآن بنداً على جدول الأعمال.

غير أن الكوابح تتراجع بسرعات مختلفة، ولا يزال التعافي متبايناً.

فهو أقوى في الولايات المتحدة، حيث يُتوقع أن يصل النمو إلى 2.8% في عام 2014.

وهو قوي أيضاً في المملكة المتحدة وألمانيا، حيث توجد بعض الاختلالات الباقية، لكن النمو المتوقع يبلغ 2.9% و 1.7% على الترتيب.

وفي اليابان، حيث يُتوقع للنمو أن يبلغ 1.4% في عام 2014، ساهم التنشيط المالي بدور كبير، وتعتمد قوة التعافي على انتقال المهمة إلى القطاع الخاص.

ونعود إلى منطقة اليورو، حيث توجد أخبار سارة لأول مرة منذ عامين. فمن المتوقع أن تحقق بلدان الهامش الجنوبي نمواً موجباً، مع الاعتراف بأنه لا يزال منخفضاً. غير أن الطلب الداخلي ضعيف حتى الآن في هذه البلدان، رغم قوة صادراتها بوجه عام، ويجب أن يزداد قوة حتى يتحقق التعافي المستمر.

وتُواصل الاقتصادات الصاعدة والنامية نموها الذي يعتبر قوياً رغم انخفاضه عن فترة ما قبل الأزمة. ونتنبأ بأن يصل النمو إلى 4.9% هذا العام، بارتفاع طفيف من 4.7% في العام الماضي. وعلى وجه التحديد، نتنبأ بتحقيق نمو قدره 7.5% في الصين، و 5.4% في الهند. وتجدر الإشارة إلى أداء إفريقيا جنوب الصحراء على وجه الخصوص، حيث نتنبأ بنمو قدره 5.4%.

غير أن هذه الاقتصادات الصاعدة والنامية ينبغي أن تعمل في بيئة عالمية متغيرة. فزيادة النمو في الاقتصادات المتقدمة تعني زيادة الطلب على صادراتها. ولكن العودة إلى السياسة النقدية الطبيعية في الولايات المتحدة تتسبب في ضيق الأوضاع المالية وصعوبة البيئة المالية. ونجد أن المستثمرين الأجانب أقل تساهلاً، وجوانب الضعف الاقتصادية الكلية أكثر تكلفة. والاحتمال كبير بأن تظهر أحجار عثرة على الصعيد المالي كالتي ظهرت في أوائل الصيف الماضي وأوائل هذا العام.

وقد تقلصت المخاطر الحادة، لكن المخاطر لم تختف بالكامل بعد.

ففي اليابان، ينبغي استخدام السهام الثلاثة كلها حتى يتسنى الحفاظ على النمو وتتحقق استمرارية أوضاع المالية العامة. وفي حالة بلدان الجنوب في منطقة اليورو، لا يمكن الاستهانة بضرورة التصحيح والتعافي، وخاصة إذا ظل التضخم منخفضاً على مستوى المنطقة أو آل إلى وضع أسوأ بأن يتحول إلى انكماش، مما يزيد من صعوبة استعادة التنافسية في الجنوب. وكما ورد بالنقاش في تقرير الاستقرار المالي العالمي، لا يزال الإصلاح المالي غير مكتمل، والنظام المالي معرضاً للخطر. فقد ارتفعت المخاطر الجغرافية-السياسية، وإن لم تسفر حتى الآن عن تداعيات عالمية على مستوى الاقتصاد الكلي.

وبالنظر إلى المستقبل، يجب أن يتحول التركيز بشكل متزايد إلى جانب العرض، وهنا أود الإشارة إلى ثلاث نقاط:

أولاً، يسجل النمو الممكن معدلاً بالغ الانخفاض في كثير من الاقتصادات المتقدمة، وهو أمر سيء في حد ذاته، لكنه يزيد من صعوبة تصحيح أوضاع المالية العامة أيضاً. وفي هذا السياق، تزداد أهمية التدابير الرافعة للنمو الممكن – من إعادة النظر في شكل بعض مؤسسات سوق العمل، إلى زيادة المنافسة والإنتاجية في عدد من قطاعات السلع غير التجارية، إلى إعادة النظر في حجم الحكومة، إلى إعادة البحث في دور الاستثمار العام.

ثانياً، بالرغم من عدم وضوح الأدلة حتى الآن، يبدو أن النمو الممكن قد تراجع في كثير من اقتصادات الأسواق الصاعدة أيضاً. وفي بعض البلدان، مثل الصين، قد يكون جانب من انخفاض النمو نتيجة مرغوبة للنمو المتوازن. ومن ناحية أخرى، لا شك أن المجال متاح في بلدان أخرى لإجراء بعض الإصلاحات الهيكلية من أجل تحسين النتائج.

وأخيراً، مع انحسار آثار الأزمة المالية ببطء، قد يسيطر على المشهد اتجاه عام آخر، وهو زيادة التفاوت بين الدخول. فبالرغم من أن التفاوت كان يعتبر قضية محورية باستمرار، إلا أنه لم يكن يعتبر مصدراً لانعكاسات كبيرة على التطورات الاقتصادية الكلية حتى وقت قريب، وهو اعتقاد بدأت تحيط به الشكوك المتزايدة في الآونة الأخيرة. ومن المرجح أن تصبح آثار عدم المساواة عل كل من الاقتصاد الكلي وتصميم السياسة الاقتصادية الكلية بنودا متزايدة الأهمية على جدول أعمالنا للفترة القادمة.