بقلم أسيل المنصور، عاقب أسلم، جون بلودورن، روبا داتاغوبتا

مع تباطؤ النمو مؤخراً في الأسواق الصاعدة، انتابت الأسواق ودوائر صنع السياسات حالة من الاضطراب الشديد. فالبعض يشعر بالقلق من أن تكون وتيرة النمو المبهرة التي حققتها هذه البلدان في الألفينات (الشكل البياني 1) كانت نابعة في الأساس من البيئة الخارجية المواتية – الائتمان منخفض التكلفة وأسعار السلع الأولية المرتفعة. وعلى ذلك، يمكن أن يزداد تعثر الأسواق الصاعدة مع بدء الاقتصادات المتقدمة في استجماع قواها والعودة بأسعار الفائدة إلى مستوياتها العادية، ومع بدء تراجع أسعار السلع الأولية عن مستوياتها المرتفعة الحالية.

ويرى آخرون أن العوامل الداخلية أو المحلية ساهمت بدور في هذا النمو، مع تحسن معايير الحوكمة والإصلاحات الهيكلية الحقيقية والسياسات القوية، مما أدى إلى تحول جوهري في مصادر نمو الأسواق الصاعدة فى اتجاه مسار أكثر انخفاضاً ولكنه أكثر استمرارية.

 

وتكمن الحقيقة في نقطة بين هذين النقيضين. فالواضح أن الأسواق الصاعدة تساهم بنسبة كبيرة في نمو الاقتصاد العالمي، وكل ما يؤثر عليها يؤثر بدرجة متزايدة أيضاً على آفاق الاقتصاد العالمي.

والمؤثرات على أداء الأسواق الصاعدة في السنوات القادمة تعتمد على مدى ميل العوامل الخارجية والداخلية إلى تعزيز النمو أو عرقلته.

ويركز الفصل الرابع في عدد إبريل 2014 من تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي" على كيفية دفع العوامل الخارجية للنمو في اقتصادات الأسواق الصاعدة خلال الخمسة عشر عاماً الماضية. ويشير التحليل إلى تباطؤ النمو في الأسواق الصاعدة على مدار العامين الماضيين، رغم استمرار قوته، مدفوعا بالظروف الداخلية والظروف الخارجية على حد سواء.

كيف تؤثر العوامل الخارجية على النمو في الأسواق الصاعدة

نخلص من التحليل إلى أن النمو القوي في الاقتصادات المتقدمة يفيد الاقتصادات الصاعدة بوجه عام، رغم أنه يترافق مع ارتفاع في أسعار فائدة الاقتصادات المتقدمة. وعلى سبيل التحديد، عادة ما يؤدي ارتفاع النمو في الولايات المتحدة بمقدار نقطة مئوية واحدة إلى ارتفاعه في الأسواق الصاعدة بمقدار 0.3 نقطة مئوية في ربع العام نفسه، ويظل الأثر التراكمي موجباً لأكثر من عام أو عامين.

ولفهم السبب وراء ذلك، ينبغي النظر إلى مختلف العوامل المؤثرة. أولاً، يؤدي ارتفاع النمو في الاقتصادات المتقدمة إلى زيادة الصادرات من الأسواق الصاعدة. ثانياً، يعود تدفق رؤوس الأموال العالمية من الأسواق الصاعدة إلى الاقتصادات المتقدمة للاستفادة من ارتفاع النمو وأسعار الفائدة. ويغلب الأثر الأول في حالة الأسواق الصاعدة ذات المعاملات التجارية الأكبر مع الاقتصادات المتقدمة (مثل ماليزيا والمكسيك)، بينما يمكن أن يؤدي الأثر الثاني إلى تعويض الأثر الأول جزئيا أو كليا في حالة الأسواق الصاعدة الأكثر انفتاحاً لتدفقات رأس المال (مثل شيلي وتايلند). وترجِّح نتائج تحليلنا أن يكون أثر العامل الأول طاغياً على أثر العامل الثاني بالنسبة للأسواق الصاعدة ككل.

وليس من المستغرب أن يتضرر معظم الأسواق الصاعدة إذا ضاقت أوضاع التمويل في هذه الاسواق بأكثر مما يمكن إرجاعه لتعافي الاقتصادات المتقدمة، وهو ما شوهد أثناء نوبات الاضطراب التي أصابت الأسواق في بداية عام 2014. وحين يتدفق رأس المال إلى الخارج، تنخفض أسعار الصرف في الأسواق الصاعدة، مما يرجح أن يعزز القدرة التنافسية للصادرات منها. وفي نفس الوقت، عادة ما تقوم هذه البلدان برفع أسعار فائدتها المحلية سعياً منها لإيقاف تدفقات رأس المال الخارجة، وهو إجراء يلحق الضرر بالنمو. وتشير نتائج تحليلنا إلى أن الضرر الذي يقع على الأسواق الصاعدة بسبب ارتفاع أسعار الفائدة المحلية يلغي التأثير الإيجابي الذي يحققه تخفيض سعر الصرف.

ومن ثم نرى أن أداء هذه الاقتصادات لا يعتمد على تعرضها للعوامل الخارجية فقط، بل يتوقف أيضاً على ما إذا كانت تستخدم سياساتها الداخلية لمواجهة التغيرات وكيفية استخدامها لها.
كيف إذن أثرت العوامل الداخلية على النمو في الأسواق الصاعدة؟

البيئة الخارجية في مقابل العوامل الداخلية

كما ورد في استعراض تضمنته تدوينة سابقة، يمكن النظر إلى انحراف النمو في الأسواق الصاعدة حول مستواه المتوسط على مدار الخمسة عشر عاما الماضية باعتباره مدفوعا إما بعوامل خارجية أو داخلية.
فأي النوعين هو الغالب – العوامل الخارجية أم الداخلية؟ يخلص تحليلنا إلى أن العوامل الخارجية تفسر نسبة النصف أو أكثر من انحراف النمو في المتوسط، وإن كانت هناك فروق مهمة حسب الفترة الزمنية والبلد المتأثر. فعلى سبيل المثال، كان الهبوط الحاد أثناء ذروة الأزمة المالية العالمية راجعاً بشكل شبه كامل إلى العوامل الخارجية بالنسبة لمعظم البلدان.
وكانت العوامل الداخلية هي الغالبة في تفسير الانتعاش القوي الذي شهدته الأسواق الصاعدة في الفترة 2006-2007، كما يمكن اعتبارها السبب الرئيسي وراء تراجع النمو منذ عام 2012. وتتوافق هذه النتائج بشكل واضح مع الدراسات الصادرة مؤخرا والتي شددت على تزايد القيود على النمو من جراء العوامل الهيكلية المحلية وعدم اليقين بشأن السياسات في كثير من الأسواق الصاعدة الكبيرة (راجع تدوينة Anand and Tulin (2014) وDabla-Norris and Kocchar (2013)). وبالنسبة لبعض الاقتصادات الأقل انفتاحا نسبيا، مثل الصين والهند، تمثل العوامل الداخلية – أكثر من البيئة الخارجية – السبب الرئيسي الذي يفسر تقلبات النمو بعيدا عن المتوسط في الفترة 1998-2013.

وماذا عن دور الصين كعامل خارجي بالنسبة للأسواق الصاعدة؟ نتوقع من ثاني أكبر اقتصاد في العالم أن يكون دوره مهماً في تحديد النمو الذي تحققه الأسواق الصاعدة الأخرى، وهو ما يحدث بالفعل. فمن الملاحظ أن كثيراً من الأسواق الصاعدة استطاع الاستفادة من التوسع القوي الذي حققته الصين أثناء الأزمة. لكن التباطؤ الذي أصاب "اقتصاد التنين" في الآونة الأخيرة عمل أيضا على تقليص النمو الصيني (انظر الشكل البياني 3).

تغيير السرعات: الانتقال إلى مستوى أقل من النمو في الأسواق الصاعدة

تكشف التنبؤات الموضوعة لنمو الأسواق الصاعدة اعتبارا من عام 2007، والمشروطة بمسار الأوضاع الخارجية، أن بعض الأسواق الصاعدة الكبيرة حققت نمواً بمعدلات أدنى من المتوقع منذ عام 2012 (انظر الشكل البياني 4). ويشير هذا إلى وجود عوامل أخرى، معظمها داخلي، تتسبب في كبح النمو في كثير من الأسواق الصاعدة، بما في ذلك القيود الناشئة عن عوامل هيكلية محلية. وإذا استمرت آثار العوامل الداخلية الخافضة للنمو كما كانت عليه طوال العام الماضي أو قريب من العام، سيظل النمو في الأسواق الصاعدة أقل لفترة من الوقت، مما يؤثر على النمو في بقية العالم أيضاً.

الشكل البياني 4: العوامل الداخلية المسببة لتباطؤ النمو

الحفاظ على ترتيب البيت من الداخل

لا شك أن البيئة الخارجية سيظل تأثيرها قوياً على نمو الأسواق الصاعدة. وعلى ذلك، يجب على صناع السياسات توخي اليقظة المستمرة ومراقبة كل ما يطرأ من تطورات خارجية. وهناك مبررات وجيهة لكثير من المخاوف المتعلقة بتداعيات الصدمات الخارجية. فالأسواق الصاعدة يمكن أن يلحق بها الضرر إذا ما حدثت زيادة حادة في أسعار القروض الخارجية، دون تحسن مقابل في نمو الاقتصادات المتقدمة. ولا مفر من أن يكون تحول الصين إلى وتيرة نمو أبطأ، وإن كانت أكثر توازنا، مفضياً إلى تغير الآفاق المنتظرة للأسواق الصاعدة الأخرى. وإذا لم تتعاف الاقتصادات المتقدمة مثلما يتوقع لها حالياً، فسوف يطال الأثر الأسواق الصاعدة أيضاً.

ومع ذلك، نجد أن العوامل الداخلية تكبح النمو الحالي عند مستويات أقل من المتوقع بالنظر إلى توازن الأوضاع الخارجية الراهنة. ومن ثم، يبدو أن تباطؤ الاقتصاد في الأسواق الصاعدة مؤخراً يتوقف على التطورات الداخلية بقدر ما يعتمد على التطورات الخارجية. وتتمثل الأولوية الحالية أمام صناع السياسات في فهم دور العوامل الداخلية وتقدير ما إذا كان المجال متاحاً للسياسات كي تعمل على تعزيز صلابة هذه الاقتصادات بغض النظر عن الخلفية الخارجية.