بقلم خالد صقر

تهدف عملية التنمية المستدامة إلى تحقيق معدلات نمو اقتصادى مرتفعة يمكن معها خلق وظائف عمل مجزية وتحسين مستويات المعيشة لا سيما للطبقات الفقيرة. وللوصول إلى ذلك، يجب الاستثمار في الثروة البشرية من خلال اصلاح نظم التعليم والرعاية الصحية وشبكات الأمان الاجتماعى، والسعي لتهيئة مناخ الأعمال، وتعزيز فرص الحصول على الخدمات المالية، واصلاح المؤسسات العامة، ومكافحة الفساد.  

وتلك الأنواع من الإصلاحات هي التي يحتاجها اليمن اليوم، حيث يعاني نصف السكان من الفقر، ويصيب سوء التغذية طفل من بين كل طفلين تقريباً، وتسجل البطالة معدلاً بالغ الارتفاع، وخاصة بين الشباب.

غير أن حكومة اليمن لا يتوافر لديها الموارد المالية الكافية لتلبية هذه الاحتياجات، حيث يستحوذ دعم الطاقة وفاتورة أجور القطاع العام على الجزء الأكبر من الايرادات الحكومية المحدودة فى الأصل بطبيعتها.

وتركز هذه التدوينة على السبب وراء كون إصلاح الدعم شرطاً ضرورياً لمعالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية الأصعب في اليمن، وهي قضايا الفقر والبطالة.

إصلاح الدعم يمكن أن يصب في صالح الفقراء

يثير اصلاح نظام الدعم المخاوف حيث أن التأثير السلبي لارتفاع الأسعار يمكن أن يكون شديداً على الفقراء، وخاصة الذين يعتمدون منهم على وسائل النقل العام باهظ التكلفة ومضخات المياه التي تعمل بالوقود – وهو حال الكثيرين في اليمن.

لكن تجارب العديد من البلدان أوضحت عدم فعالية نظام الدعم المعمم للأسعار كوسيلة من وسائل المساعدات الاجتماعية للشرائح السكانية محدودة الدخل، لأنه يفيد الأغنياء أكثر مما يفيد الفقراء. وليس من الصعب فهم هذه المسألة؛ فالأسرة التى تمتلك أكثر من سيارة، ومولداً كبيراً للكهرباء، ومنزلاً مكيف الهواء، فإنها حتماً ستستفيد من دعم الطاقة أكثر بكثير من أسرة فقيرة لا تملك سيارة وتستهلك القليل من الكهرباء!

وتبلغ تكلفة الدعم المعمم حالياً ما يقارب 10 ملايين دولار أمريكي يومياً، أي حوالي 8% من إجمالي الناتج المحلي. ولا يترك هذا إلا أقل القليل للنفقات الموجهة نحو تخفيف حدة الفقر والبطالة. بالإضافة لذلك، فان الانخفاض المتناهى لأسعار الديزل يشجع على ضخ المياه بشكل مفرط وبالتالي يساهم في الاستنزاف السريع لموارد المياه الشحيحة جدا في اليمن.

ويمكن أن يؤدي إصلاح الدعم إلى تغيير هذا الوضع، إذ يمكن للحكومة، عن طريق تخفيض إنفاقها على الدعم، أن تقدم مزيداً من المساعدات النقدية للفقراء، والاستثمار في الطرق والمدارس والمستشفيات ومحطات الكهرباء، وتحسين فرص الحصول  على مياه الشرب وخدمات الصرف الصحي في المناطق الريفية وشبه الحضرية حيث يعيش معظم الفقراء. ويمكن أن يكون لذلك أثر إيجابي أيضاً على الاستقرار الاجتماعي والسياسي، مما يؤثر بالإيجاب في نهاية المطاف على الأوضاع الأمنية ومن ثم يعود بالنفع على اليمن كله.  

وقد تمت في العام الماضي خطوة مهمة نحو إصلاح نظام دعم الطاقة. فقد كان لتر الديزل يباع للمستهلكين بسعر 100 ريال يمني (حوالي 0.46 سنتاً) ولقطاع الكهرباء بسعر 40 ريالاً يمنياً (حوالي 0.19 سنتاً)، بينما كانت تكلفة استيراده تقارب 200 ريال يمني. ثم قامت الحكومة بتوحيد السعر عند مستوى 100 ريال يمني، مع تعويض شركات الكهرباء لتجنب حدوث زيادة في أسعارها. ولم يؤد هذا إلى تخفيض الإنفاق العام على دعم الديزل لكنه ساهم في الحد من فرص التهريب والفساد.  

وفي الفترة المقبلة، تشير تقديراتنا إلى أن رفع الأسعار ولو بنسبة بسيطة لتخفيض الدعم المعمم، ولتكن 10-15%، من شأنه تحقيق وفورات يمكن أن تحدث فارقاً كبيراً. فعلى سبيل المثال، يمكن أن تستخدم الحكومة هذه الوفورات لتحقيق زيادة قدرها 50% في متوسط الإعانات الشهرية التي تصرفها للأسر الفقيرة من صندوق الرعاية الاجتماعية. وسيكون لذلك تأثير إيجابي كبير على الفقراء لأن إعانات هذا الصندوق تصل إلى حوالي ثلث العدد الكلي للأسر المعيشية في اليمن لكن المبالغ المدفوعة ضئيلة للغاية (حوالي 17 دولاراً شهرياً). وينبغي أن تستمر مساهمة هذا الجهد الإصلاحي في تقديم المزيد من التحويلات النقدية والخدمات للفقراء.

إصلاح الدعم يمكن أن يقود إلى توفير فرص العمل

لا يترك النظام المعمم لدعم الطاقة إلا قدراً ضئيلاً من الموارد للإنفاق الرأسمالي الحكومي – وهو مصدر مهم لتوفير فرص العمل ووسيلة حيوية لتطوير البنية التحتية من أجل تحسين الحياة اليومية للمواطنين وتيسير نمو منشآت الأعمال الصغيرة.

ويضر دعم الطاقة المعمم بفرص العمل من جانب آخر. فهو من الأسباب الرئيسية لعجز الميزانية الكبير – الذي يقدر حالياً بما يتراوح بين 7-8% من إجمالي الناتج المحلي. ولا يؤدي هذا المستوى غير القابل للاستمرار إلى توفير فرص عمل جديدة في القطاع الخاص. لماذا؟  

لأن الحكومة تضطر إلى الاقتراض من البنوك ومن مصادر خاصة لتمويل هذا العجز. وتجدر الإشارة إلى أن 70% من ائتمان القطاع المصرفي في اليمن يوجَّه لتمويل عجز الميزانية. ولا يترك هذا إلا القليل من الائتمان لتمويل منشآت الأعمال الخاصة كما ينتج عنه ارتفاع فى سعر الفائدة، مما يجعل الحصول على التمويل الكافي لاستمرار التشغيل والاستثمار أكثر تكلفة على المؤسسات الخاصة الصغيرة والمتوسطة، الأمر الذي يساهم بدوره في ضعف معدلات النمو وخلق فرص العمل.

ويمكن أن يساعد إصلاح الدعم في عملية توفير فرص العمل بطريقتين:  

بشكل مباشر: لأن الحكومة تستطيع استخدام الوفورات المحققة من إصلاح الدعم لتوفير المزيد من فرص العمل عن طريق بناء الطرق وغيرها من بنود البنية التحتية – فعندما تُبنى الطرق، يتم استخدام قوة عاملة على الفور، كما يتم توفير فرص عمل مستقبلية من خلال تيسير نقل السلع والتوسع في إقامة منشآت أعمال صغيرة حول هذه الطرق.

بشكل غير مباشر: حيث يساهم إصلاح الدعم فى أن تسجل الحكومة عجزاً أقل، ومن ثم تقل احتياجات التمويل من البنوك والمصادر الخاصة الأخرى. ومن شأن هذا أن يوفر مزيداً من الموارد لمستثمري القطاع الخاص ويسمح لهذا القطاع بزيادة الاستثمارات وفرص العمل.

بناء المستقبل

المشكلات التي تواجه الاقتصاد اليمني ليست فريدة من نوعها على مستوى المنطقة. ولتعزيز الحوار حول المساعي الرامية إلى تحقيق نمو اقتصادي دائم يعمل على توفير فرص العمل ويحقق المساواة ويعود بالنفع على جميع شرائح المجتمع، ينظم صندوق النقد الدولي، بالتعاون مع الحكومة الأردنية والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، مؤتمراً في العاصمة الأردنية عَمَّان تحت عنوان "بناء المستقبل: الوظائف والنمو والمساواة في العالم العربي" في الفترة 11-12 مايو القادم.  

ويحضر هذا المؤتمر وزراء ومحافظون للبنوك المركزية من مختلف بلدان المنطقة، إلى جانب السيدة كريستين لاجارد، مدير عام صندوق النقد الدولي، ويتيح المؤتمر الفرصة لإثراء الحوار بين صناع السياسات الاقتصادية، والمسؤولين التنفيذيين القياديين في القطاعين العام والخاص، وشركاء التنمية، وممثلي المجتمع المدني، والدوائر الأكاديمية، حول أهم العناصر التي تتألف منها الرؤية الاقتصادية لستة من بلدان التحول العربي – وهي مصر والأردن وليبيا والمغرب وتونس واليمن - وهو ما يشمل استخلاص الدروس من حالات التحول الاقتصادي الجذري المماثلة في أنحاء أخرى من العالم.

ونحن في صندوق النقد الدولي نتطلع إلى هذا الحوار والمساهمة فيه والتعلم منه.