بقلم جان فرنسوا دوفان

تميز الاقتصاد المغربى على مدار العِقد الماضي بأداءه القوي. غير أن أجواء عدم اليقين السائدة على المستوى الإقليمي، والأزمة في أوروبا، وارتفاع الأسعار العالمية للسلع الأولية، فضلاً على ضعف المحصول الزراعي في عام 2012، أدت جميعاً إلى الإضرار بالاقتصاد المغربي.

 ومع قوة الإجراءات المتخذة على مستوى السياسات وتحقق بعض التطورات الإيجابية، تحسن الأداء الاقتصادي الكلي في المغرب في عام 2013 رغم استمرار التباطؤ الاقتصادي في أوروبا. فقد ارتفع معدل النمو، بدعم من المحصول الزراعي الاستثنائي، وانخفض عجز الموازنة والحساب الخارجي وزادت احتياطيات النقد الأجنبي.

ومع ذلك، فإن المغرب في المرحلة القادمة ستكون بحاجة إلى توفير المزيد من فرص العمل وتحقيق مزيد من النمو الذى يعود بالنفع على مختلف شرائح السكان وليس فئات بعينها. 

الاستقرار الاقتصادي الكلي مطلب ضروري...

تحتاج المغرب على المدى القصير إلى الاستمرار في إعادة التوازن في الحساب الخارجي وحسابات المالية العامة من أجل الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي – وهو الركيزة اللازمة لزيادة النمو وفرص العمل. فما المقصود بذلك؟

على جانب الحساب الخارجي، لا تزال أوروبا هي أهم سوق للصادرات المغربية، وهي كذلك المصدر الرئيسي للنشاط السياحي، وتحويلات العاملين بالخارج. ومع تدهور الأوضاع الاقتصادية في أوروبا على مدار السنوات القليلة الماضية، تضررت كل هذه القنوات – حيث تباطأت وتيرة التصدير، وانخفضت تحويلات العاملين بالخارج، وتراجعت إيرادات السياحة. وقد ترتب على ذلك اتساع العجز في الحساب الجاري– أي الفرق بين الايرادات والمدفوعات المتكررة بالنقد الأجنبي – في السنوات الأخيرة، الأمر الذي أدى بدوره إلى تراجع احتياطيات النقد الأجنبي. ولم تبدأ هذه الأوضاع في التحسن إلا في عام 2013.

ومن ثم، ما الذي يمكن أن يفعله صناع السياسات لترسيخ المكاسب التي تحققت مؤخراً والمساهمة في حماية الاقتصاد المغربي من التداعيات الاقتصادية السلبية من بقية أنحاء العالم؟ إن التدابير الهيكلية اتي تهدف إلى زيادة القدرة التنافسية تمثل عاملاً مهما في هذا الشأن، ومن بينها التدابير الرامية إلى تعزيز مناخ الأعمال عن طريق الحد من الروتين وزيادة الشفافية والاستثمار في البنية التحتية الأساسية ورأس المال البشري، لا سيما من خلال التعليم والتدريب المهني. فالخطط متوسطة الأجل الجاري تنفيذها بالفعل لزيادة إنتاجية القطاعات التقليدية وتشجيع ظهور قطاعات جديدة بدأت تؤتي ثمارها، الأمر الذي يدل عليه بدء تصدير السيارات من المغرب. ومن شأن استراتيجية تنويع أسواق الصادرات، بما في ذلك الصادرات إلى إفريقيا جنوب الصحراء، أن تساعد على الاستفادة من الأسواق الصاعدة. ونحن نرى أن اعتماد نظام أكثر مرونة لسعر الصرف سوف يساعد أيضاً على دعم هذه الجهود، عن طريق زيادة مرونة الاقتصاد للتواؤم مع أنماط الطلب الدولي المتغيرة، ومواجهة الصدمات الخارجية الغير مواتية، والحفاظ على القدرة التنافسية.

وعلى جانب المالية العامة، يتعين تخفيض العجز الكلي، حتى يمكن الاستمرار في تحمل مستويات الدين. وفي الوقت نفسه، ينبغي تحرير الموارد للإنفاق على التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية – وكلها ضروري لتحقيق نمو أعلى وأكثر عدالة. وهناك دور مهم لسياسات الإيرادات والنفقات على السواء.

وتمضي عملية الإصلاح الضريبي التي انطلقت بعد المؤتمر الوطني حول الإصلاح الضريبي في العام الماضي على الطريق الصحيح من خلال العمل على جعل النظام الضريبي أكثر دعماً للقدرة التنافسية واكثر عدالة. وحتى يتسنى زيادة الحيز المتاح للإنفاق الداعم للنمو سيكون من الضروري أيضاً التدرج في تخفيض تكلفة فاتورة أجور القطاع العام، والتي تتسم بارتفاعها مقارنة بغيرها من البلدان في المنطقة. وهناك حاجة ماسة لإصلاح نظام التقاعد للحفاظ على مقومات فعاليته المالية مع زيادة عدد المستفيدين.

ولا يزال نظام الدعم المعمم يتسبب في استنزاف الموازنة ويمثل وسيلة غير فعالة لدعم شرائح السكان الضعيفة اقتصادياً. وهناك كثير من الأدلة الموثقة على أن مثل هذا الدعم يعود بالفائدة على الأغنياء أكثر من الفقراء. وهذا ليس بالأمر الذي يتعذر فهمه، فالأسرة التي تمتلك سيارتين من النوع الذي يستهلك كميات ضخمة من البنزين ومنزلاً كبيراً مكيف الهواء سوف تستفيد من دعم الطاقة أكثر بكثير من الأسرة الفقيرة التي لا تمتلك سيارة وليس لديها سوى مروحة سقف! وقد تم اتخاذ خطوات مهمة للغاية مؤخراً نحو إصلاح نظام الدعم. وقد ساعدت إجمالاً في إحداث خفض كبير في دعم الطاقة غير الموجه للمستحقين خلال عام 2013، مع زيادة المساعدات الاجتماعية لشرائح السكان الأشد احتياجاً. وينبغي مواصلة هذه الجهود. 

... من أجل زيادة فرص العمل وتشجيع الإدماج

من شأن التدابير الموضحة أعلاه والرامية إلى تعزيز قدرة الاقتصاد التنافسية أن تساهم في مواصلة تحقيق نمو أعلى وأكثر عدالة. ومن الضروري أيضاً زيادة فرص الحصول على الائتمان أمام المشروعات الصغيرة والمتوسطة – وهي محركات النمو والتوظيف - حتى يتسنى تعزيز النمو المحتمل.

وقد انخفضت معدل الفقر بدرجة كبيرة على مدار العِقد الماضي. لكن معدل البطالة لم يسجل انخفاضاً ملحوظا في السنوات الأخيرة ولا يزال هناك الكثير مما ينبغي عمله لمواصلة تحسين المؤشرات الاجتماعية، بما في ذلك إمكانية الحصول على الرعاية الصحية ومحصلة التعليم. ولا يزال معدل البطالة مرتفعاً بصفة خاصة بين الشباب حيث بلغ 18%. وفي هذا السياق، من الضروري تقييم ما إذا كان هيكل سوق العمل محفزاً لتوفير فرص العمل على قدر الإمكان. وينبغي أن يواصل صناع السياسات جهودهم لإقامة نظام للحماية الاجتماعية موجه بدقة إلى المستحقين بحيث يستهدف فعلياً من هم أشد احتياجاً إليه. وهنا تتضح مرة أخرى أهمية إصلاح نظام دعم الطاقة.

 دعم الصندوق وحواره مع البلدان الأخرى

ينصب تركيز صندوق النقد الدولي، بالتنسيق مع غيره من الشركاء، على مساعدة كل بلدانه الأعضاء على تحقيق نتائج اقتصادية واجتماعية أفضل. وكإجراء وقائي، وبهدف دعم البرنامج الاقتصادي الذي وضعته السلطات المغربية، حصلت المغرب في عام 2012 على خط ائتماني من الصندوق بمقتضى اتفاق يغطي 24 شهراً - يعرف باسم "خط الوقاية والسيولة"- بقيمة تعادل 6.21 مليار دولار أمريكي. ولم تسحب السلطات المغربية حتى الآن من هذا الخط الائتماني ولا تعتزم السحب منه إلا إذا تعرضت البلاد لنقص حاد في احتياطيات النقد الأجنبي نتيجة تدهور حاد في الأوضاع الخارجية. ويدعم الصندوق أيضاً جهود السلطات عن طريق تقديم خبراته التي اكتسبها من خلال أنشطته في بلدانه الأعضاء البالغ عددها 188 بلداً والمعنية بالجوانب الفنية لعملية صنع السياسات الاقتصادية.

ولتشجيع الحوار حول تحقيق نمو اقتصادي دائم يزيد من فرص العمل، ويكون متكافئاً وشاملاً للجميع، ينظم صندوق النقد الدولي، بالتعاون مع الحكومة الأردنية والصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، مؤتمراً بعنوان "بناء المستقبل: الوظائف والنمو والمساواة في العالم العربي"، في العاصمة الأردنية عمّان، خلال الفترة من 11-12 مايو القادم.

ومن خلال هذا المؤتمر، الذي تحضره السيدة كريستين لاغارد مدير عام الصندوق، سوف تتاح الفرصة لصناع السياسات رفيعي المستوى، وكبار المديرين التنفيذيين في القطاعين الخاص والعام، وشركاء التنمية، وممثلي المجتمع المدني، والدوائر الأكاديمية للمشاركة في حوار إقليمي حول العناصر الأساسية للرؤية الاقتصادية لبلدان التحول العربي الستة – مصر والأردن وليبيا والمغرب وتونس واليمن- بما في ذلك استخلاص الدروس من الحالات المماثلة من التحول الاقتصادي الأساسي في أنحاء أخرى من العالم.