بقلم بريثا ميترا وسناء فريد

تمكنت المرأة من تحقيق إنجازات بارزة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على مدار العقدين الماضيين. فقد انخفضت وفيات الأمهات في المنطقة بنسبة تكاد تصل إلى 60%، وأصبحت البنات يواصلن الدراسة لسنوات أطول من قريناتهن في معظم المناطق الأخرى، كما أصبحت معدلات التحاقهن بالتعليم مساوية لمعدلات البنين، بينما ثبت تفوقهن على البنين في الرياضيات من الصف الدراسي الرابع إلى الثامن. كذلك تشير دراسة أصدرها البنك الدولي مؤخرا إلى ارتفاع عدد النساء اللاتي يتلقين تعليما أعلى من الرجال في المنطقة.

وبالرغم من هذه الإنجازات البارزة، نجد أن عدد النساء العاملات لا يزال أدنى من الرجال مقارنة بكل مناطق العالم الأخرى.

قدرات مهدرة
ويؤدي استبعاد هذه النسبة الكبيرة من القوى العاملة إلى الإضرار بالطاقة الإنتاجية للاقتصاد. ونرى أثر ذلك في معدل نمو الإنتاجية في المنطقة، وهو ثاني أدنى المعدلات في العالم – وذلك لأسباب تتضمن استبعاد نسبة كبيرة من القدرات التي تتمتع بها المنطقة.

فما السبب في أن احتمالات عمل المرأة أقل من الرجل في منطقة استثمرت الكثير في النهوض بأحوال المرأة صحيا وتعليميا؟ هناك العديد من الأسباب وراء انخفاض مشاركة الإناث في القوى العاملة (مقارنة بالرجال)، وهي تتراوح بين الأعراف الاجتماعية والثقافية والمعوقات التنظيمية.

وفي بعض الحالات، تتخذ المرأة قرارا واعيا بأن تساهم في تحقيق الرفاهية الاقتصادية من خلال تربية الأطفال والقيام بأعمال المنزل، وهي أمور لا تدخل في حساب إجمالي الناتج المحلي. (هذه الظاهرة – وكثير من القضايا الأخرى المذكورة هنا – تَصْدق بالطبع على كثير من البلدان). غير أن المرأة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا غالبا ما تواجه تشوهات وممارسات تمييزية في سوق العمل. وبعض أمثلة ذلك فروق الأجور الكبيرة بين الجنسين (رغم تطابق العمل ومستوى التعليم والخبرة)، ونظم ضريبة الدخل التي تعاقب الأسر ذات الدخل المزدوج، والقيود على سفر المرأة بمفردها، والافتقار إلى فرص عمل متساوية، والرعاية الصحية باهظة التكلفة، ومحدودية فرص التمويل المتاحة للنساء رائدات المشروعات.

إمكانات كبيرة للنمو
تخلص أبحاثنا إلى أن ارتفاع معدل مشاركة المرأة في القوى العاملة في العشر سنوات الماضية كان يمكن أن يحقق مكاسب كبيرة للنمو في المنطقة. فقد كان من الممكن للمنطقة أن تحقق مكاسب في الناتج لا تقل عن تريليون دولار في العشر سنوات الأخيرة لو أن معدلات مشاركة الإناث كانت أعلى بنسبة 20 نقطة مئوية – مما يقلص الفجوة بين الجنسين، وإن ظلت أكبر من الفجوة في الاقتصادات النامية والصاعدة الأخرى. وبعبارة أخرى، كان يمكن مضاعفة نمو إجمالي الناتج المحلي.

فما الذي يتطلبه الأمر لجني هذه الثمرة التي يحققها النمو؟ وجدنا أن رفع مشاركة الإناث في سوق العمل في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بنسبة تصل إلى 20 نقطة مئوية على المدى الطويل يمكن أن يتحقق إذا وصلت المنطقة إلى مستوى أكثر اتساقا مع المتوسطات المسجلة في الاقتصادات الصاعدة والنامية الأخرى في المجالات الأساسية التالية:

  • سهولة التنقل والمساواة في فرص العمل: يمكن تحسين آفاق عمل المرأة من خلال تشريع ينص على المساواة في فرص العمل ويزيل قيود السفر والمشاركة في قطاعات الاقتصاد العلمية وفي حقوق الملكية والميراث، وهي إصلاحات في طريقها إلى التحقق بسرعات متفاوتة عبر بلدان المنطقة. ففي المملكة العربية السعودية، على سبيل المثال، أصبح مسموحا للمرأة أن تعمل في بعض مجالات البيع بالتجزئة. وفي المغرب، يعالج الدستور الجديد (الذي تمت المصادقة عليه في عام 2011) لأول مرة قضايا المساواة بين الجنسين. ومن ناحية أخرى، بدأت تونس في عام 1956 إرساء المساواة القانونية بين الجنسين (بما في ذلك السفر والطلاق والملكية والحصول على التمويل).
  • المساواة في الأجر مقابل نفس العمل: تمثل المكافأة العادلة عنصرا أساسيا في إتاحة فرص متساوية للنساء، وهي تتطلب تغييرات تشريعية وتنظيمية، وجهودا دؤوبة لإنفاذها، واستراتيجيات موجهة للتواصل تستهدف الحد من التحيزات والأفكار النمطية. وتؤدي ضرائب الدخل الفردي (على خلاف الضرائب على دخل الأسرة) إلى إزالة الحوافز الضريبية السلبية أمام الأسر ذات الدخل المزدوج.
  • تحسين فرص التعليم للبنات والنهوض بجودته: يؤدي بناء المزيد من المدارس إلى رفع مستويات حضور البنات في المناطق النائية حيث يمثل الانتقال إلى المدارس البعيدة تحديا يعيق حضورهن. وفي بلدان كثيرة، منها باكستان، ثبتت فعالية التحويلات النقدية التي تقدم إلى الأسر الفقيرة بشرط حضور بناتهن للدراسة. ومن العوامل المهمة أيضا الإنفاق العام على التعليم بما يساعد المرأة على بناء مهاراتها التي تمكنها من الارتقاء في سلم الوظائف.
  • إجازة رعاية الطفل وتوفير خدمات الرعاية بأسعار في المتناول: النظم جيدة التصميم لإجازات رعاية الطفل، ودعم أسعار خدمات رعاية الطفل (بشرط العمل أو البحث عن عمل)، وبرامج تنمية الطفولة المبكرة، كلها يسمح للأمهات بالحفاظ على صلاتهن بسوق العمل. ويفضَّل إتاحة التمويل العام لخدمات دعم الوالدين ورعاية الأطفال، إذا توافرت الموارد المناسبة، لأن هذه الخدمات تخفض التكلفة المتصورة لتشغيل النساء في الشركات الخاصة. ومما يساعد في هذا الصدد أيضا إتاحة الاستفادة من ترتيبات العمل المرنة (العمل من المنزل والعمل على أساس عدم التفرغ).

وبالإضافة إلى دعم النمو، غالبا ما يؤدي توفير فرص مهنية أفضل للنساء إلى تحسين المستويات الصحية والتعليمية لأطفالهن، والحد من الفقر، وزيادة الابتكار، وخلق فرص عمل جديدة مع ظهور إناث جدد يمارسن ريادة الأعمال.

وبقدر التبكير في إتاحة المزيد من الفرص للمرأة كي تساهم في سوق العمل، تكون استفادة المنطقة أسرع من هذا المورد البشري الهائل غير المستغل.