بقلم مِن زو

(بلغات أخرى English)

للقطاع الخاص أهمية حيوية في خلق الوظائف وتحقيق معدلات مرتفعة للنمو الاقتصادى. فالقطاع العام يتحمل عبئاً مفرطاً بالفعل في معظم البلدان، لكن الأمر غير الواضح هو السبيل الممكن لدعم القطاع الخاص حتى يتمكن من القيام بهذا الدور المهم.

ولإلقاء بعض الضوء على كيفية تيسير السبيل أمام القطاع الخاص في الشرق الأوسط حتى يتمكن من خلق الوظائف والنمو، عقدنا مؤتمراً الشهر الماضى في الرياض، عاصمة المملكة العربية السعودية، بالاشتراك مع مجلس الغرف السعودية ومؤسسة التمويل الدولية التابعة لمجموعة البنك الدولي.

واستمرت زيادة أعداد التسجيل لحضور هذا المؤتمر الهام مع اقتراب موعده. وعند الافتتاح كانت أعداد المشاركين قد ارتفعت ارتفاعاً حاداً وصل بها إلى أكثر من 800 شخص! ولا أجد أفضل من هذا للدلالة على أهمية هذا الموضوع بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

وقد كانت المناقشات مكثفة وثرية، حتى أن الوقت لم يتسع للأسئلة والأجوبة بعد كل جلسة، وامتد النقاش إلى فترات الاستراحة والحوارات الجانبية.

وأود تسليط الضوء على أهم القضايا التي خرجت بها من المؤتمر وكانت محور تركيز كبير أثناءه.

 مناخ الأعمال الضعيف

يُلاحَظ ضعف استثمارات القطاع الخاص في المنطقة، حيث يبلغ متوسطها حوالي 15% من إجمالي الناتج المحلي على مدار العقود الثلاثة الماضية في مقابل حوالي 20% في جنوب آسيا و 30% في شرق آسيا. لماذا هذا الضعف؟

الواقع أن القواعد التنظيمية المعقدة والمرهِقة في المنطقة تبدو معوقة للاستثمار، ومن ثم لخلق فرص العمل وتحقيق النمو. وبالرغم من الخطوات التى تتخذها الحكومات فى بلدان المنطقة للتغلب على تلك المعوقات، فإن الروتين لا يزال يمثل عقبة كبيرة.

وسأطرح بعض الأمثلة في هذا الخصوص. فطبقاً للبنك الدولي، يتطلب الأمر 74 يوماً لبدء مشروع تجاري جديد في العراق، و 75 يوماً لتسجيل عقار في المغرب، و 159 يوماً لإدخال خدمة الكهرباء في الجزائر، و 218 يوما للحصول على ترخيص بناء في مصر. أما في كوريا الجنوبية، فيبلغ عدد الأيام التي يستغرقها إنجاز نفس الإجراءات 7 و 11 و 28 و 29 يوماً، على الترتيب.

وهناك عامل آخر هو أن الائتمان المصرفي للقطاع الخاص منخفض للغاية – حيث تحصل مجموعة مفضلة من المقترضين، معظمهم من الشركات الكبرى، على الجانب الأكبر من القروض. وطبقا لمسوح المنشآت التي أجراها البنك الدولي، فإن نسبة الشركات التي تمول استثماراتها من خلال البنوك تبلغ 10% فقط في المنطقة، كما أن 36% من الشركات العاملة في المنطقة تعتبر الحصول على التمويل من أكبر العقبات التي تواجهها.

وقد بحثنا أيضاً بيانات عِقد كامل توضح التقلب الاقتصادي الكبير في كثير من أنحاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ومن المعروف أنه لكى ينمو القطاع الخاص، يجب أن تتوافر بيئة اقتصادية مستقرة ونظام مالي قوي. فالبيئة المطَمْئِنة لمنشآت الأعمال تتوافر عندما يكون التضخم منخفضاً والتقلب في معدلات النمو الاقتصادي محدوداً من عام إلى آخر، مما يشجعها أيضاً على الاستثمار وتوفير فرص العمل.

ويؤدي ضعف مناخ الأعمال إلى اقتصاد غير رسمي كبير يتسم بالأجور المنخفضة والإنتاجية الضعيفة في الشركات ذات التمويل المحدود، وآفاق النمو المحدودة. والنتيجة المؤكدة لهذه الظروف هي وصول عوائد النمو الاقتصادي لفئات قليلة من السكان.

مناخ الأعمال الداعم

ينبغي أن تقوم الحكومات بإصلاح السياسات حتى يصبح من الميسور بدء المشروعات الجديدة وإدارتها. وسيكون هذا الإصلاح خطوة كبيرة نحو إنعاش روح ريادة الأعمال، وهو ما يشمل المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

وتتضمن السياسات المطلوبة لتحسين مناخ الأعمال ما يلي: (1) معاملة الشركات على أساس من بساطة الإجراءات والشفافية والمساواة؛ (2) زيادة الشفافية والمساءلة في المؤسسات العامة؛ (3) إتاحة فرص متساوية للحصول على الخدمات الحكومية وبناء المهارات الملائمة وتوفير الحوافز الكافية للعمالة؛ (4) تحسين فرص الحصول على التمويل للمساهمة في تشجيع ريادة الأعمال والاستثمار الخاص؛ (5) تحسين البنية التحتية.

وعلى نفس الدرجة من الأهمية بالنسبة لمناخ الأعمال أن يتوافر الوضوح والاستقرار بشأن القوانين وتطبيقها. وبالإضافة إلى ذلك، ينبغي أن يكون رجال الأعمال جزءاً من الحل وليس جزءاً من المشكلة. ويعني هذا التغلب على المصالح الخاصة التي تقف في الغالب أمام تسخير ابتكارات القطاع الخاص وفتح باب الفرص للجميع.

ولا شك أن تحسين السياسات الاقتصادية الكلية أمر ضروري لتهيئة مناخ داعم تزدهر فيه المشروعات الخاصة وتعمل بثقة. ويتيح التضخم المنخفض والنمو الاقتصادي المستدام بيئة مواتية للأعمال، كما تشجع الاستثمار وخلق فرص العمل. ويمكن أن تكفل ذلك السياسة النقدية السليمة والسياسة المالية الرشيدة.

ويحتاج الشرق الأوسط إلى قطاع خاص أكثر ديناميكية لتحقيق تطلعات شعوبه. وغالباً ما تكون الإصلاحات اللازمة لتحقيق ذلك معقدة وصعبة من الزاوية السياسية وتستغرق وقتاً حتى تؤتي ثمارها. ومع ذلك، فإن البدء فى عملية الاصلاح أمر حيوي لاستعادة الثقة، وإعطاء دفعة لنشاط القطاع الخاص، وإيجاد فرص العمل التي تعتبر احتياجاً ملحاً.