بقلم أوليفييه بلانشار

(بلغات أخرى English)

القضية التي ربما تكون شاغلاً للجميع الآن هي موقف المالية العامة في الولايات المتحدة وما يمكن أن يسببه من انعكاسات.

وبينما ينصب التركيز على إغلاق الحكومة ومسألة سقف الدين، ينبغي ألا نغفل تأثير التخفيض التلقائي للإنفاق هذا العام، والذي يقود إلى تقشف مالي يجمع بين الشدة المفرطة والجزافية المفرطة. ويمثل إغلاق الحكومة نتيجة أخرى، وإن كانت عواقبها الاقتصادية محدودة، إذا لم تستمر لفترة طويلة. 

غير أن الفشل في رفع الحد الأقصى للديون يمكن أن يؤدي إلى تغيير قواعد اللعبة. فمن شأن الاستمرار في هذه الحالة لمدة طويلة أن يؤدي إلى ضبط مالي مفرط، الأمر الذى يمكن أن يؤثر سلباً على التعافي الاقتصادي في الولايات المتحدة. لكن آثار أي فشل في سداد الديون ستصبح ملموسة على الفور، مما يتسبب في اضطرابات قد تكون كبيرة في الأسواق المالية، سواء في الولايات المتحدة أو خارجها. ونحن نرى ذلك باعتباره من المخاطر  ذات الاحتمالية المنخفضة، لكن حدوثه يمكن أن يتسبب في انعكاسات جسيمة.

التحول والتوترات

غير أن المخاطر المحيطة بالمالية العامة في الولايات المتحدة، رغم كونها مقلقة، ينبغي ألا تجعلنا نغفل الصورة الأكبر. فوراء الأخبار اليومية، نجد الاقتصاد العالمي وقد دخل مرحلة تحول أخرى. فالاقتصادات المتقدمة تكتسب قوة متزايدة بوتيرة بطيئة، حسب المتوقع تقريباً. وفي نفس الوقت، تباطأ النشاط في اقتصادات السوق الصاعدة، أكثر مما ورد في تنبؤاتنا الصادرة في يوليو الماضي.

وسأقدم لكم بعض الأرقام في هذا الخصوص. فنحن نتنبأ بأن تحقق الاقتصادات المتقدمة نمواً قدره 1.2% هذا العام، و 2% في العام القادم، كما أشارت تنبؤات يوليو الماضي. ونتنبأ لاقتصادات السوق الصاعدة والاقتصادات النامية أن تحقق نمواً قدره 4.5% هذا العام و 5.1% في العام القادم، بانخفاض قدره 0.5% و 0.4%، على الترتيب، عن تنبؤاتنا في يوليو الماضي.

وهناك توترات تنشأ عن هذين التطورين، حيث تواجه اقتصادات السوق الصاعدة تحدي النمو البطيء والظروف المالية العالمية المتغيرة.

الاقتصادات المتقدمة تزداد قوة ببطء

دعوني أبدأ بالولايات المتحدة. فالطلب الخاص لا يزال قوياً، ومن المتوقع أن تزداد قوة التعافي الاقتصادي، مع افتراض تجنب الحوادث المالية (وهو الافتراض الذي ترتكز عليه تنبؤاتنا). وقد حان الوقت لوضع خطط تتيح الخروج من مرحلة التيسير الكمي وأسعار الفائدة الصفرية – وإن لم يكن قد حان بعد لتنفيذ هذه الخطط. وبينما لا توجد مشكلة فنية كبيرة في القيام بذلك، نجد أن مشكلات التواصل العام التي تواجه الاحتياطي الفيدرالي جديدة وحساسة. وبالنظر إلى الفترة القادمة، من المنطقي أن نتوقع بعض التقلب في أسعار الفائدة طويلة الأجل.

وتواصل اليابان تعافيها الاقتصادي، لكن إمكانية استمرار هذا التعافي تتوقف على قدرة سياسات "آبينومكس" لإنعاش الاقتصاد على مواجهة تحديين رئيسيين. الأول يعكس في النقاش الدائر حول زيادة ضريبة الاستهلاك، وهو الوتيرة الصحيحة للضبط المالي؛ إذ يجب ألا يكون شديد البطء بما يهدد المصداقية ولا شديد السرعة بحيث يتسبب في قتل النمو. أما التحدي الثاني فهو تطبيق مجموعة موثوقة من الإصلاحات الهيكلية لتحويل ما يعتبر تعافياً دورياً إلى نمو مستمر.

أما بلدان أوروبا الرئيسية فتظهر فيها أخيراً بوادر التعافي. ولا يرجع هذا لتغيرات كبيرة في السياسات، وإنما يُعزى جانب منه إلى تغير المزاج العام، وهو ما يمكن أن يكون محققاً لذاته بصفة جزئية. ولا تزال المعاناة مستمرة في بلدان الهامش الجنوبية؛ إذ أن مستوى التقدم الأكيد بشأن التنافسية والصادرات ليس كافياً حتى الآن لتعويض الطلب الداخلي المحدود. وفي كل من البلدان الرئيسية وبلدان الهامش، يظل عدم اليقين بشأن الميزانيات العمومية قضية شائكة يُتوقع حلها من خلال التعهد بما يسمى "مراجعة جودة الأصول". ومن منظور أطول أجلاً، وكما هو الحال بالنسبة لليابان، هناك حاجة ملحة للإصلاحات الهيكلية من أجل تعزيز معدل النمو الممكن الضعيف حالياً.

نمو الأسواق الصاعدة يميل إلى الضعف

غير أن الخبر الأهم يأتي من اقتصادات السوق الصاعدة، حيث تراجع النمو، غالباً أكثر مما توقعنا في يوليو الماضي.

والسؤال الواضح هو ما إذا كان ذلك يعكس تباطؤاً دورياً أو انخفاضاً في النمو الممكن. والإجابة أنه يعكس الاثنين، حسب معلوماتنا اليوم. فقد أدت الظروف العالمية المواتية على غير المعتاد، سواء أسعار السلع الأولية القوية أو الأوضاع المالية العالمية، إلى ارتفاع النمو الممكن في الألفينات، مع إضافة مكون دوري في عدد من البلدان. ومع تقدم أسعار السلع الأولية نحو الاستقرار، وازدياد ضيق الأوضاع المالية، زاد انخفاض النمو، واقترن الانخفاض في بعض الحالات بتصحيح دوري حاد.

وإزاء هذه التغيرات، تواجه الحكومات في اقتصادات السوق الصاعدة تحديين: التكيف مع انخفاض النمو الممكن، والتعامل حسب الحاجة مع التصحيح الدوري.

وبالنسبة للتحدي الأول، لا يمكن تجنب بعض الانخفاض في النمو نسبة إلى ما كان عليه في الألفينات، لكن الإصلاحات الهيكلية يمكن أن تساعد في هذا الخصوص وقد أصبحت أكثر إلحاحاً بالفعل. وقائمة الإصلاحات مألوفة للجميع، من إعادة التوازن بالتركيز على الاستهلاك في الصين إلى إزالة الحواجز أمام الاستثمار في الهند والبرازيل. وبالنسبة للتحدي الثاني، تنطبق النصيحة المعتادة أيضاً: فالبلدان ذات العجز المالي يجب أن تضبط أوضاع ماليتها العامة. وعلى البلدان ذات التضخم المزمن الذي يتجاوز المستوى المستهدف أن تلجأ إلى التشديد المالي، والأهم في الغالب أن تضع إطاراً أكثر موثوقية للسياسة النقدية.

ويزداد مغزى هذه النصيحة في ضوء ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية طويلة الأجل. فمن المرجح أن تؤدي العودة إلى أسعار الفائدة الطبيعية في الاقتصادات المتقدمة إلى تحول جزئي في اتجاه التدفقات الرأسمالية السابقة. ومع قيام المستثمرين بإعادة توطين أموالهم، تنكشف البلدان التي تعاني ضعفا في مراكز ماليتها العامة أو ارتفاعاً في معدلات تضخمها.

ويجب أن يكون التحرك الصحيح من جانب بلدان السوق الصاعدة تحركاً مزدوجاً. أولا، يجب أن تعمل على ترتيب بيتها الاقتصادي الكلي من الداخل، حيثما دعت الحاجة، من أجل توضيح سياسة الاقتصاد الكلي، والحفاظ على استمرارية أوضاع المالية العامة. ثانياً، يجب أن تسمح بانخفاض سعر الصرف استجابة للتدفقات الخارجة. وقد أصبح الانكشاف لمخاطر النقد الأجنبي أكثر محدودية اليوم، بعد الآثار المعاكسة التي يحدثها في السابق نتيجة انخفاض سعر الصرف، ولا بد أن تكون اقتصادات السوق الصاعدة قادرة على التكيف مع تغير البيئة السائدة دون مصاعب كبيرة.

لم أركز هنا على البلدان منخفضة الدخل. والخبر السار في هذا الصدد هو أنها لا تزال تتسم بقدر كبير من الصلابة على وجه العموم. ومع ذلك، فسوف تواجه بيئة تحمل تحديات أكبر في الفترة المقبلة.

وباختصار، لا يزال التعافي من الأزمة مستمراً، وإن كان شديد البطء. وبينما ينصب التركيز حالياً على اقتصادات السوق الصاعدة بدرجة أكبر، فإن الأزمة قد خلفت تركة لا تزال بقاياها الأخرى موجودة حتى الآن، والاقتصادات المتقدمة لم تتجاوز مرحلة الخطر بعد. فلا يزال الدين العام، والدين الخاص في بعض الحالات، مرتفعاً للغاية، واستمرارية أوضاع المالية العامة ليست أمراً مؤكداً. ولا يزال بنيان النظام المالي في تطور مستمر، ولم يتضح بعد شكله النهائي ومدى صلابته في المستقبل. وبالإضافة إلى ذلك، لا تزال معدلات البطالة شديدة الارتفاع. وستظل هذه الأمور تمثل تحديات كبرى طوال عدة سنوات قادمة.