بقلم أمين ماتي 

أثناء العصر الذهبي، والذي امتد طوال خمسة مائة عام، كانت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تمتلك قوة اقتصادية هائلة، حيث كانت التجارة والاتصالات والنقل تعبر كافة الأنحاء في أوروبا وإفريقيا وآسيا.

ورغم هذا التراث من الانفتاح، نجد أن بلدان المنطقة تأخرت عن اللحاق بالاقتصادات الصاعدة والنامية فيما يتعلق بالنمو الاقتصادي والتجارة على مدار العقدين الماضيين.

ويبلغ عدد السكان في المنطقة أكثر من 400 مليون نسمة ويصل إجمالي ناتجها المحلي إلى ما يقرب من 3 تريليون دولار. ويمثل هذا حوالي 6% من تعداد سكان العالم، و 4% من إجمالي الناتج المحلي العالمي على التوالى. ومع ذلك، فإن تدفقات التجارة الدولية تعتبر أدنى بكثير منها في مناطق أخرى أو بالأخذ فى الاعتبار حجم المنطقة. ونذكر على سبيل التوضيح أن الصادرات غير النفطية للمنطقة ككل تكاد تعادل صادرات بلجيكا، وهي بلد لا يتجاوز تعداد سكانه 11 مليون نسمة.

وعادة ما يرتبط أداء الصادرات القوي بارتفاع معدلات النمو الاقتصادي حيث يستفيد منتجوا السلع من كلٍ من الطلب المحلي والخارجى معاً. 

وبسبب الافتقار إلى التنافسية والانفتاح للتجارة الدولية، الذي كان يمكن أن يولِّد فرص عمل أكثر من مجرد الإنتاج للسوق المحلية، اتسم النمو الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بالضعف وظل التوظيف محدوداً للأعداد المتنامية من الشباب الداخلين لسوق العمل لأول مرة.

ما الذي يعوق التجارة؟

تعتمد أحجام صادرات البلدان بشكل جزئي على قربها من الأسواق، أو وجود اتفاقيات للتجارة الحرة أو روابط ثقافية مع الشركاء التجاريين.

غير أن هذه العوامل لا تفسر ضعف الصادرات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كنسبة من إجمالي الناتج المحلي. فالمنطقة قريبة من أسواق حيوية في أوروبا وآسيا، ولديها عدة اتفاقيات تجارية مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، كما أن معظم بلدان المنطقة تشترك في نفس اللغة والثقافة.

لكن الذي يفسر ضعف الأداء التجاري في المنطقة هو تقييد التجارة والافتقار إلى التنافسية مقارنة بكثير من المناطق الأخرى. ويقاس التقييد بمستوى التعريفات المطبقة بينما تتأثر التنافسية بجودة التعليم وسهولة ريادة الأعمال.

ولا يزال مستوى تقييد التجارة مرتفعاً في المنطقة رغم إصلاح التعريفات بشكل كبير. وقد قام معظم بلدان المنطقة المستوردة للنفط بترشيد التعريفات وتخفيضها على مدار العقدين الماضيين، وغالباً ما جاء ذلك عن طريق اتفاقيات التجارة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. لكن التعريفات في البلدان المستوردة للنفط لا تزال مرتفعة – بمتوسط بلغ حوالي 10% في عام 2011.

كذلك تبدو جودة التعليم أقل في المنطقة منها في المناطق التي تتسم بأداء قوى للصادرات. ولذلك لا يمتلك خريجو المنطقة المهارات التي تتطلبها الشركات للمنافسة في السوق العالمي اليوم. وتنطوي البطالة المرتفعة، لا سيما بين الخريجين والشباب، على حالة من عدم الاتساق بين أنواع المهارات المعروضة والمطلوبة فى سوق العمل. ويمكن تفسير عدم الاتساق المذكور تفسيراً جزئياً من خلال الدور التقليدي الذي تقوم به الحكومة باعتبارها جهة العمل المفضلة في المنطقة، نظراً لما توفره من أمان وظيفي وأجور ملائمة (لا سيما فى بلدان المنطقة المصدرة للنفط) دون أن تتطلب المؤهلات التي يسعى إليها القطاع الخاص.

وبالإضافة إلى ذلك، نجد أن بيئة الأعمال في بلدان المنطقة ليست مشجعة بالقدر الكافي على ريادة الأعمال أو دعم القطاع الخاص الديناميكي الذي يمكن أن يرصد فرصاً جديدة للعمل التجاري ويستفيد منها. فمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لم تواكب التطورات في البلدان الأخرى من حيث البيئة التنظيمية والقانونية والبنية التحتية الأساسية – مثل الطرق والمرافق العامة. وتنفق حكومات المنطقة موارد أكبر على الاستهلاك، بما في ذلك أجور العاملين في الخدمة المدنية ودعم السلع، وموارد أقل على الاستثمار كنسبة من إجمالي الناتج المحلي، مقارنة بنظرائها في آسيا الصاعدة.

اندماج أعمق

يمكن أن يؤدي تعميق الاندماج التجاري مع الأسواق الدولية – عن طريق تخفيض التعريفات الجمركية وقيود التجارة – إلى إعطاء دفعة اقتصادية كبيرة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وخلق الوظائف الكافية لقواها العاملة وتحقيق الرخاء لسكانها الذين تتزايد أعدادهم بسرعة. وتفيد الدراسات التجريبية بأن زيادة انفتاح المنطقة بما يعادل الانفتاح في آسيا الصاعدة يمكن أن يرفع النمو السنوي لنصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي بحوالي نقطة مئوية كاملة.

ويمكن أن تكون زيادة الاندماج التجاري بمثابة حافز للإصلاح، حيث تتيح الانضباط والحوافز المساعدة على إرساء استراتيجية صحيحة للإصلاح. فالبلد المنفتح للمنافسة الدولية – عن طريق إصلاح التعريفات، على سبيل المثال – لا بد أن يرى منطقاً أفضل في تطبيق البنود الأخرى على قائمة الإصلاح لأن هذه الإصلاحات ستساعده على المنافسة.

كذلك نجد أن تجارة بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا المستوردة للنفط محدودة مع جيرانها المباشرين. ونظراً لقرب الموقع الجغرافي لهذه البلدان (فالمسافة تمثل محدِّداً مهماً من محدِّدات التجارة)، يمكنها أن تصدر ما يزيد على حجم الصادرات الحالي بنسبة 50% تقريباً. ­

وهناك قناتان رئيسيتان يمكن أن يؤدي من خلالهما التقدم في توثيق التعاون السياسي وزيادة دور المؤسسات الإقليمية إلى التأثير على النشاط الاقتصادي في المنطقة. أولاً، يمكن أن تقوم بلدان المنطقة بجهد أكبر في تيسير التجارة البينية على المستوى الإقليمي بما يتيح للبلدان التخصص فيما تتمتع فيه بميزة نسبية وتحقيق عائد إيجابي على صعيد النمو. ثانياً، من خلال تخفيض الحواجز أمام التجارة الداخلية، يمكن أن تصبح المنطقة سوقاً أكثر اندماجاً ومن ثم أكثر جذباً للاستثمار الأجنبي المباشر الذي يسعى في الغالب إلى استهداف قاعدة عملاء كبيرة.

تعزيز التنافسية

من شأن تعزيز التنافسية التجارية أن تتيح للمنطقة الاستفادة بشكل أفضل من مزايا العولمة وديناميكية مناطق النمو المرتفع الحالية.

ومن الضروري تحسين نتائج التعليم وضمان اكتساب الخريجين المهارات المطلوبة في القطاع الخاص من أجل تيسير منافسة الشركات في السوق العالمية.

كذلك تحتاج هذه الشركات إلى بيئة داعمة للعمل التجاري، مما يدعو إلى زيادة تبسيط القواعد التنظيمية وتوجيه مزيد من الاستثمارات إلى البنية التحتية – وهو ما يمكن تحقيقه عن طريق الشراكة بين القطاعين العام والخاص أو تشجيع استثمارات القطاع الخاص، على سبيل المثال – من أجل زيادة تنافسية المنطقة.

وتواجه منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التحدي الكبير المتمثل في ضرورة خلق 18 مليون وظيفة لقواها العاملة المتنامية بحلول عام 2020. ويعتبر النمو المرتفع والمستمر شرطاً مسبقاً لخلق فرص عمل بهذا الحجم وكذلك لرفع الدخول. ويتطلب تحقيق هذا الهدف أن تشرع حكومات المنطقة في إجراء الإصلاحات السابق ذكرها. فقد حان وقت العمل.