بقلم رالف شامي

تقف منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الآن أمام منعطف تاريخي. فبعيداً عن تحديات التحول السياسي، هناك أهداف اقتصادية واضحة إلى حد كبير: رفع معدل النمو الاقتصادي، وتوفير المزيد من فرص العمل، وضمان أن تقتسم كافة فئات المجتمع عوائد النمو.

لكن وتيرة النمو الاقتصادي ومستوى جودته ظلا متأخرين عن ركب الاقتصادات النامية الأخرى طوال عدة عقود، كما فشلا في معالجة مظاهر عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية. ولإتاحة وظائف منتِجة بأجور مجزية تحقق طموحات المواطنين عبر منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، سيتعين تحقيق زيادة كبيرة ودائمة في معدلات النمو.

وتشير بحوث الصندوق إلى أن تخفيض معدل البطالة إلى 4% بحلول عام 2018 في البلدان العربية المستوردة للنفط التي تمر بمرحلة تحول أيضاً – وهي مصر والأردن والمغرب وتونس – سيتطلب توفير 10 ملايين وظيفة جديدة وتحقيق نمو في إجمالي الناتج المحلي بمعدل 7% سنوياً – بزيادة قدرها 2.5 نقطة مئوية عن متوسط معدلات النمو المسجلة طوال العقد الماضي.

ولسد هذه الفجوة في النمو، ينبغي أن تقوم حكومات المنطقة بإجراء مجموعة شاملة من الإصلاحات الهيكلية التي تمكن القطاع الخاص من الازدهار.

وبينما يجب أن تنبع برامج الإصلاح من داخل بلدان المنطقة وأن تتباين بالضرورة من حيث تركيزها وإطارها الزمني، فإننا نرى خمس أولويات أساسية من أجل تعزيز دور القطاع الحاص فى عملية النمو الاقتصادى: زيادة التكامل التجاري، وإصلاحات الحوكمة ومناخ الأعمال، وإصلاحات سوق العمل، وإصلاحات التعليم، وزيادة فرص الحصول على التمويل.

وسوف أركز في هذه التدوينة على التمويل.

ما السبب في أهمية التمويل؟

التمويل مهم لأنه، ببساطة، شرط ضروري للحفاظ على النمو. وكلنا يعلم من التجربة الشخصية أن هناك ترابطاً قوياً بين الفرص الاقتصادية وإتاحة الخدمات المالية، حيث توفر إتاحة هذه الخدمات للمواطنين فرصاً لتراكم المدخرات والقيام بالاستثمارات والحصول على الائتمان.

وهكذا فإن زيادة فرص الحصول على التمويل يمكن أن تسد جانباً كبيراً من فجوة النمو – إذ تمكن المستثمرين من الحصول على الموارد اللازمة لأعمالهم كما تمكن المستهلكين من الحصول على قروض لتمويل إنفاقهم. وبإعطاء دفعة للاستثمار والاستهلاك – وهما العنصران الأساسيان في القوة الشرائية لأي اقتصاد – يمكن المساهمة في رفع معدلات النمو الاقتصادي. وهنا تكمن أهمية توفير الخدمات المالية على نطاق أوسع في المنطقة من أجل إنعاش النمو وتوفير وظائف للأعداد المتزايدة من السكان.

وتشير الدراسات التطبيقية إلى أن رفع معدلات توفير الخدمات المالية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى المستوى العالمي يمكن أن يعزز نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي بمقدار يتراوح بين 0.3 نقطة مئوية وما يقرب من نقطة مئوية واحدة سنوياً.

ما هي مشكلات التمويل في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؟

اكتسب القطاع المالي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أهمية متزايدة على مدار العقود القليلة الماضية. بل إن المنطقة تُعد في وضع أفضل نسبياً مقارنة بمناطق العالم الأخرى، إذا ما نظرنا إلى المقاييس المتعارف عليها للعمق المصرفي (مثل نسبة ائتمان القطاع الخاص إلى إجمالي الناتج المحلي) وأسواق الأسهم (مثل حجم التداول في السوق أو نسبة القيمة المتداولة إلى إجمالي الناتج المحلي).

غير أن إتاحة الخدمات المالية في المنطقة تتسم بالمحدودية والتفاوت الكبير بين الفئات المقترضة. وعلى وجه التحديد، تواجه قطاعات كبيرة من السكان وكذلك المشروعات الصغيرة والمتوسطة – والتى تُعد المحركات الأساسية لنمو القطاع الخاص – صعوبات كبيرة فى الحصول على الائتمان المصرفى.

والواقع أن نسبة الشركات التي تقترض من البنوك لتمويل استثماراتها في البلدان العربية التى تمر بمرحلة تحول لا تتعدى 10% فقط. كما أن 36% من الشركات العاملة في المنطقة تعتبر الحصول على التمويل من أكبر العقبات التي تواجهها، وهي نسبة أكبر بكثير من النسب المسجلة فى جميع مناطق العالم الأخرى - باستثناء منطقة إفريقيا جنوب الصحراء.

ولعل هذا يفسر السبب في ضعف تأثير الائتمان المصرفي في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على النمو مقارنة بالمناطق الأخرى من العالم .

تعزيز العلاقة بين التمويل والنمو 

فضلاً على إرساء بيئة اقتصادية مستقرة، سيتطلب تعزيز مساهمة النظام المالي في النمو تطبيق سياسات مواتية للسوق، بما في ذلك تحسين الأطر القانونية التي تحمي حقوق الدائنين وصغار المساهمين؛ وتعزيز نظم الضمان والمعلومات الائتمانية؛ وإزالة القيود المفرطة على الائتمان وأسعار الفائدة.

وسيكون على صناع السياسات دعم المنافسة في القطاع المصرفي. ويمكن قطع شوط طويل نحو تحقيق هذا الهدف باتخاذ إجراءات لإزالة الحواجز أمام دخول السوق وتشجيع تنمية أسواق الدين المحلية. ويمكن الاستفادة من بعض دروس التجربة الإفريقية حيث قامت معظم البلدان، اعتباراً من عام 2000، بتخفيض الحواجز أمام دخول القطاع المصرفي. ومعظم هذه البلدان شهدت زيادة في عدد البنوك من حوالي خمسة بنوك إلى أقل بقليل من ثلاثين بنكاً.

وعززت بنوك نيجيريا وجنوب إفريقيا وجودها في البلدان الإفريقية، كما شارك عدد من البنوك الهندية والماليزية والمغربية في أعمال التوسع، فأتاحت المنافسة للبنوك التقليدية من المملكة المتحدة والولايات المتحدة وفرنسا. وتمثَّل تأثير زيادة المنافسة بين البنوك في تحسين فرص الحصول على الخدمات المالية؛ فقد كان على البنوك الجديدة أن تبتكر وتعثر على أسواق متخصصة وتبدأ في إقراض الموظفين أصحاب الرواتب، كما بدأت في تقديم قروض عقارية طويلة الأجل، وبدأت أسواق الإسكان تزدهر نتيجة لذلك وأيضاً مع تزايد تحويلات العاملين فى الخارج.

لاشك أن الطريق أمام بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ليس ممهداً. لكن يظل أمام بلدان المنطقة فرصة هائلة لإدراك مستقبل أفضل لشعوبها، وأعتقد أن القطاع المالي يمكن أن يساهم بدور مهم في هذا الشأن.