بقلم جوشوا تشاراب

تواجه ليبيا تحديات جسيمة في سبيل تحقيق الاستقرار الاقتصادي وتلبية تطلعات الشعب في أعقاب الثورة. وتتمثل التحديات على المدى القصير في إدارة عملية التحول السياسي وإعادة الوضع الأمني إلى طبيعته مع الحفاظ على انضباط الموازنة العامة للدولة واستقرار الاقتصاد الكلي.

وفي هذا الصدد، تدرك الحكومة الليبية أهمية تحسين أوجه الاستفادة من ثروتها النفطية الهائلة، وتعمل في الوقت الحالي على وضع استراتيجية لإصلاح نظام الدعم يمكن من خلالها تحقيق درجة أعلى من العدالة والحد من الهدر في الإنفاق.

وسوف أحاول في هذه التدوينة إيضاح السبب في اعتبار دعم الطاقة في ليبيا إهداراً للثروة، فضلاً على ما يمكن تحقيقه من إصلاح نظام الدعم. 

دعم مكلف يعود بالنفع على الأغنياء...

على غرار ما يحدث في العديد من بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا المصدرة للنفط، تقدم الحكومة الليبية الدعم للمواطنين كوسيلة لتوزيع ثروة الموارد الطبيعية في البلاد. ومع ذلك، فإن هذه السياسة حسنة المقاصد التي تستهدف توزيع الثروة لا تحقق أهدافها.

فقد خصصت ليبيا أكثر من 9 مليارات دولار في موازنتها لعام 2012 من أجل الدعم – أي أكثر من 100 دولار شهرياً لكل مواطن ليبي. وتُنفق هذه الأموال غالباً في دعم سعر التجزئة لمنتجات الوقود والمواد الغذائية، التي يتم تهريب جانب كبير منها إلى البلدان المجاورة.

ومثلما هو الحال في أنحاء أخرى من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يتسم دعم الطاقة في ليبيا بدرجة كبيرة من عدم المساواة. فإذا نظرنا إلى المستفيدين الحقيقين من هذا الدعم، يتضح أن معظمهم من الفئات الأكثر ثراء والأكثر استخداماً للطاقة ـ أي أصحاب السيارات والمنازل المكيفة والأجهزة الكهربائية. 

... ويؤدي إلى زيادة عدم الكفاءة

يعد سعر البنزين في ليبيا من أدنى أسعار البنزين في العالم – حيث يبلغ عُشْر سعر البنزين في إيطاليا. أما تعرفة الكهرباء فهي أقل من تكاليف توليدها، حيث تحصل شركة الكهرباء المملوكة للدولة على الوقود بأسعار أدنى من أسعار السوق العالمية – وهو ما يمثل دعماً ضمنياً – وتحصل أيضا على دعم صريح من الموازنة. وبشكل عام، يلاحظ أن مستوى استرداد تكلفة الكهرباء في ليبيا منخفض، حيث يتراوح بين أقل من 10% في القطاع السكني وأقل من 40% من الخدمات العامة.

وتستغل الشركات انخفاض أسعار اللقيم أو الكهرباء  في بناء مصانع لا تتسم بالتنافسية على المستوى الدولي. وتجنى بذلك الأرباح على حساب ما كان يمكن للحكومة تحصيله من أموال من بيع مستلزمات الإنتاج بأسعار السوق.

وعلاوة على ذلك، فإن دعم الطاقة غالباً ما يعود بالنفع على الصناعات كثيفة الاستخدام للطاقة وليس الأنشطة كثيفة الاستخدام للعمالة، ومن ثم فهو لن يساعد ليبيا على توليد الكثير من فرص العمل الجديدة.

الإصلاح يمكن أن يؤدي إلى زيادة العدالة والحد من الهدر

من شأن صياغة استراتيجية ملائمة لإصلاح دعم الوقود والكهرباء في ليبيا السماح بإعادة توزيع النفقات لموازنة أثر الإصلاح مع توفير الحيز المالي اللازم للإنفاق على التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية.

ومن شأن إلغاء الدعم أن يرفع مستوى الكفاءة الاقتصادية. ومن خلال الوصول بأسعار الوقود والكهرباء إلى مستويات ممثلة لتكلفة الفرص البديلة للاستهلاك، سوف تضمن ليبيا عدم إهدار ثروتها القومية على الإسراف في الاستهلاك أو الصناعات التي تفتقر للكفاءة، كما ستضمن استغلال موارد الموازنة لتحقيق منفعة الليبيين، وليس المهربين والوسطاء والمستهلكين في البلدان المجاورة.

وتلبية لطلب الحكومة يقدم صندوق النقد الدولي المساعدة إلى ليبيا عن طريق تقديم المشورة – بالتعاون مع البنك الدولي – حول كيفية التخطيط ووضع التسلسل المناسب لإلغاء الدعم، مستنداً في ذلك إلى الدروس المستفادة من تجارب البلدان الأعضاء الأخرى.