بقلم كارلو كوتاريللي وماريو منصور

ظلت التنافسية الضريبية محل نقاش مستفيض في دوائر صنع السياسات وموضعاً للتحليل في الدوائر الأكاديمية طوال العقدين الماضيين. ورغم وضوحها النسبي من حيث النظرية، فإن معناها يكاد يغيب عن الأفهام في الواقع العملي. فمعظم الحكومات ترى التنافسية الضريبية على أنها تعني تخفيض الضرائب على قطاعات معينة وصولاً إلى مستويات أقل من التي تتيحها البلدان المنافسة حتى تكون حافزاً على الاستثمار والتصدير. ولا شك أن هذا المنهج الضيق تشوبه النقائص. فالإيرادات سوف تنكمش في نهاية المطاف، ناهيك عن أن ما يصلح لبعض البلدان قد لا يصلح لغيرها ـ ذلك أن الضرائب ما هي إلا عامل واحد من العوامل المؤثرة على قرارات الاستثمار.

وهناك منهج بديل، وهو الإقرار بأنه رغم أهمية عقد المقارنات مع البلدان الأخرى، فإن النظام الضريبي التنافسي هو  النظام الذي يعزز كفاءة الاقتصاد ونمو الإنتاجية، وهما العاملان الأساسيان اللذان ترتكز عليها التنافسية. لكن النمو يصعب استمراره دون عدالة. ومن ثم يجب أن تكون النظم الضريبية عادلة. ومن هذا المنظور، فإن النظام الضريبي القادر على المنافسة هو الذي يحقق الاستخدام الأمثل لكل ضريبة ضمن مجموعة الضرائب المطبقة، مع مراعاة القيود الخارجية والأهداف المحلية.

والواقع أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين التنافسية الضريبية والعدالة الضريبية، رغم ما يبدو من انقطاع الصلة بينهما. وقد يحدث تضارب في بعض الأحيان بين أهداف التنافسية والعدالة. فعلى سبيل المثال، قد يعني النظام الضريبي التنافسي عدة أمور منها أن تكون المعاملة الضريبية أقل صرامة مع الأوعية الضريبية المتحركة (كالأرباح مثلاً)، مما يفرض ضغوطاً رافعة للضرائب على الأوعية الأكثر ثباتاً (كالأجور والاستهلاك مثلاً). غير أن تحويل الضرائب من  الأوعية الضريبية الأكثر تحركاً إلى الأكثر ثباتاً يمكن أن يكون له انعكاسات عميقة، ليس فقط على هيكل الإيرادات بل أيضاً على توزيع العبء الضريبي على مختلف شرائح السكان، ومن ثم على مسار النمو الاقتصادي وتفاوتات الدخل. ويتمثل التحدي الذي يواجه الإصلاح الضريبي في التوصل إلى توازن مقبول بين الأهداف المتعارضة مع الحفاظ على استمرارية الموارد العامة، وهو من المقومات الجوهرية في أي اقتصاد قادر على المنافسة.

وفي هذه التدوينة، نحاول معالجة قضايا التنافسية والعدالة الضريبية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عن طريق بحث السبل التي تمكن بلدانها من تحسين دور الضرائب الأساسية.

ضرائب دخل الشركات

ضريبة دخل الشركات هي أهم مصدر على الإطلاق لإيرادات ضرائب الدخل في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بحصة تتجاوز 50% (64% في البلدان التي لا تحقق إيرادات كبيرة من مواردها الطبيعية). ويغلب الارتفاع على المعدلات الضريبية في بلدان شمال إفريقيا مقارنة ببقية بلدان المنطقة، وكذلك بالأسواق الصاعدة في أوروبا الشرقية وآسيا.

ومن خصوصيات ضرائب دخل الشركات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أن بعض قطاعات الاقتصاد تتمتع بإعفاء شبه كامل منها، وذلك باستخدام الإعفاءات الضريبية الدائمة أو النظم الضريبية التفضيلية التي تتقرر على أساس استنسابي، مثل الإعفاءات المؤقتة. وهناك تباين كبير بين التكاليف التي تتحملها الإيرادات بسبب هذه الحوافز، وقد تكون بالغة الأهمية، إذ تصل إلى 3% من إجمالي الناتج المحلي . وبالإضافة إلى ذلك، هناك بعض الأدلة على أن هذه التكاليف قد ازدادت مع الوقت، بينما يتعذر رصد أي نتائج تُذكَر من حيث زيادة الاستثمارات أو الصادرات. وقد يشير ذلك إلى أن الحوافز الضريبية تؤثر على قطاعات أخرى في الاقتصاد، عن طريق التخطيط الضريبي المكثف والتهرب من الضرائب. وقد تراجعت حصة الإيرادات المتحققة من ضريبة دخل الشركات في معظم بلدان المنطقة خلال السنوات القليلة الماضية، وهو أمر يؤيد ما يراه البعض من زيادة تكاليف الحوافز الضريبية على الإيرادات.

ولنبدأ النظر في بعض الضرائب التي تعتبر في العادة أوثق صلة بقضايا العدالة. وهنا نركز على ضرائب الدخل الشخصي، ومساهمات الضمان الاجتماعي، وضرائب القيمة المضافة. وقبل كل ذلك، نود التأكيد على أن ما يجب أن ينظر إليه صناع السياسات هو الأثر المجمع لسياسات الضرائب والإنفاق. فمدى تصاعدية أو تنازلية ضريبة بعينها لا تعلَّق عليه أهمية كبيرة في هذا السياق.

ضرائب الدخل الشخصي

ضرائب الدخل الشخصي تدر إيرادات ضئيلة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بوجه عام، عادة ما تبلغ حوالي 1.5% من إجمالي الناتج المحلي، إلا في تونس والمغرب حيث تبلغ حصيلتها حوالي 3.5%.

وغالباً ما تتميز نظم الضريبة على الدخل الشخصي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بارتفاع معدلاتها الضريبية على الدخل من الأجور، والتفاوت الكبير في هذه المعدلات على دخل الاستثمار (الفوائد والأرباح الموزعة والكسب الرأسمالي) بين البلدان المختلفة. وهنا أيضاً، تتميز المغرب وتونس بأعلى المعدلات الضريبية على دخل العمل، حيث تصل إلى حوالي 35%. وبالإضافة إلى ذلك، يتسم هيكل المعدلات الضريبية بالانخفاض الشديد عند الطرف الأدنى من توزيع الدخل. وإذا ما أضفنا ذلك إلى مساهمات الضمان الاجتماعي، نجد أن أعلى المعدلات الضريبية الحدية على دخل العمل في نطاق الدخل المتوسط يتجاوز 50% بكثير، وهو ما يتسبب في عواقب لا يستهان بها على حوافز سوق العمل.

مساهمات الضمان الاجتماعي

تشكل الإيرادات المتحققة من مساهمات الضمان الاجتماعي نسبة ضئيلة في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إلا في مصر والمغرب وتونس. ففي كثير من البلدان، تتمثل القضية الأهم في عدم كفاية نظم الضمان الاجتماعي؛ إذ يبلغ متوسط التغطية في المنطقة حوالي 33%. وهناك جوانب ضعف عديدة تشوب نظم الضمان الاجتماعي: أولاً، معظمها إما يعاني عجزاً هيكلياً أو أنه سيصل إلى هذه المرحلة في السنوات القليلة القادمة؛ ثانياً: هي نظم معقدة للغاية، حيث تتضمن كثيراً من المساهمات المجنبة مسبقاً والمعدلات المتفاوتة فيما بين القطاعين العام والخاص، وكذلك في داخل القطاع العام؛ ثالثاً، الرابطة ضعيفة بين المساهمات والمنافع؛ رابعاً، معدلات المساهمة مرتفعة، غالباً ما تتجاوز 20% وفي بعض الحالات 30%.

وبالنظر إلى الصورة كاملة، يتضح أن هذه المشكلات تثير عدداً من القضايا المتعلقة بالعدالة. فعلى سبيل المثال، مستوى المعدلات وتفاوتها يعني أن البعض يساهم بأكثر مما يساهم الآخرون، ويتلقون مزايا أقل مما يتلقاه الآخرون. كذلك تعني المعدلات المرتفعة أن عرض وطلب العمالة قد يتأثر ضمن نطاقات أجور معينة. وبالفعل، تزخر الدراسات التجريبية المتخصصة بكثير من الأدلة على تأثير مساهمات الضمان الاجتماعي والبطالة.

ضرائب القيمة المضافة

قيل الكثير وكُتب الكثير عن ضريبة القيمة المضافة. وأكثر الحقائق شيوعاً هي ثبوت فعالية هذه الضريبة كمصدر جيد للإيرادات في معظم البلدان التي اعتمدتها ـ وعددها يتجاوز 140 بلداً على مستوى العالم. لكن الإيرادات ليست المعيار الوحيد للحكم على الضريبة؛ فجودة الإيرادات وتكلفة الأفضليات الضريبية لها تأثيرها الكبير أيضاً. ويصدق هذا بوجه خاص على ضريبة القيمة المضافة لأنها في الأساس ضريبة تتسم بالكفاءة مقارنة بكثير من البدائل الأخرى.

وتمثل الكفاءة والعدالة قضيتين أساسيتين في ضرائب القيمة المضافة التي تطبق في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والتي يغلب عليها الطابع شديد التعقيد بسبب تعدد معدلاتها وإعفاءاتها (مع استثناءات قليلة، مثل حالة لبنان)، كما يغلب عليها تحقيق أهداف العدالة. لكن الأدلة ضئيلة على أن تعدد المعدلات والإعفاءات يدعم أهداف العدالة بشكل فعال. بل إن الدراسات كثيراً ما تشير إلى أن منافع هذه الضرائب تتحقق لأصحاب الدخول المرتفعة في الأساس. وما هذا إلا انعكاس لكون استهلاك الأغنياء أكبر بكثير من استهلاك الفقراء بالقيمة المطلقة. وهكذا، فإن إلغاء المعدلات الأدنى يتيح تعبئة الموارد لتقديم الدعم اللازم للفقراء على نحو أكثر كفاءة.

الموازنة بين التنافسية والعدالة الضريبية

وختاماً، فإن الإصلاحات الداعمة للعدالة والمعززة للإيرادات ينبغي أن تكون مجدية في كثير من بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيان دون التأثير على التنافسية.

  • أولاً، ينبغي أن يتضمن الإصلاح الضريبي فرض معدلات ضريبية مرتفعة على الشركات، مع ضرورة توسيع الوعاء الضريبي في كثير من البلدان. وقد قام العديد من البلدان الصاعدة في أوروبا وغيرها، وكذلك بلدان "منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي"، بتحويل نظمها الضريبية المطبقة على دخل الشركات تحويلاً تدريجياً نحو أوعية ضريبية أوسع ومعدلات ضريبية أكثر انخفاضاً على مدار العقدين الماضيين، وهو ما يحقق مطلب التنافسية ويتعين أن تنظر في تطبيقه بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ذات المعدلات الضريبية المرتفعة على وجه الخصوص
  • ثانياً، ينبغي إعادة النظر في هيكل معدلات ضرائب الدخل الشخصي ومساهمات الضمان الاجتماعي في ضوء تأثيرها الذي يمكن أن يكون كبيراً على حوافز سوق العمل، وخاصة بين الشباب. وينبغي أن يترافق هذا مع مراجعة للنطاق الذي تغطيه المنافع المقدمة.
  • ثالثا، لم تتحقق بعد الاستفادة الكاملة من ضريبة القيمة المضافة كمصدر لتوليد الإيرادات عالية الجودة. ففي كثير من البلدان، ثبت أن إصلاح هذه الضريبة مهمة صعبة. ومن الخيارات الممكنة للتغلب على المعارضة لهذا التوجه أن يتم استخدام الإيرادات الإضافية التي تتحقق من تخفيض نفقات هذه الضريبة في توجيه تحويلات مباشرة إلى الفقراء وغير ذلك من الأغراض المهمة (مثل تحقيق حد أدنى من الدخل التقاعدي). وتتوقف مصداقية هذا المنهج على نجاح الحكومات في تعريف السكان تعريفاً واضحاً بالرابطة بين زيادة إيرادات ضريبة القيمة المضافة وزيادة الإنفاق الاجتماعي.

وقد اكتسبت هذه الإصلاحات الضريبية أهمية خاصة في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي تواجه ضغوطاً اقتصادية واجتماعية في بيئة محلية وخارجية ضعيفة وفترة تحول سياسي ممتدة. ويستطيع الصندوق تقديم الخبرة الفنية اللازمة لمساعدة بلدانه الأعضاء على تجديد نظمها الضريبية.