بقلم مسعود أحمد

كثيراً ما يتردد أن صندوق النقد الدولى يفرض شروطاً غير مناسبة ويتسبب في معاناة لا داعي لها عند تقديمه لمساعدات مالية لبلد ما - لاسيما فى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

والواقع أن منهج الصندوق في الإقراض يقوم على تقديم دعم مالى لسياسات الإصلاح الاقتصادي التي تحددها وتتبناها السلطات المعنية فى البلدان المقترضة. وتقتصر مهمة الصندوق في هذا السياق على التأكد من أن هذه السياسات تحظى بالتأييد السياسي والمجتمعي اللازم، وأن الحكومات تقوم بتنفيذها حسب الخطة الموضوعة.

فالصندوق يقدم للبلدان الأعضاء قروضاً لدعم تنفيذ السياسات التي تستهدف تصحيح التشوهات الاقتصادية والحد من الضغوط الاقتصادية الكلية حتى تتمكن من استرداد قوتها الاقتصادية دون الحاجة إلى الاستمرار فى الاقتراض من الخارج. وينطبق هذا المنهج على كل البلدان التي تتاح لها القروض، سواء كانت متقدمة أم صاعدة أم منخفضة الدخل.

تصميم البرامج محلياً

من أهم الدروس التي يمكن استخلاصها في مجال التنمية أنه لا توجد صيغة واحدة تصلح للجميع. فنحن نعتقد أن كل بلد يجب أن يحدد مساره الخاص في التعامل مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية التى تواجهه. فبرامج الاصلاح التي يتم تصميمها محلياً بمشاركة كافة الأطراف المعنية وتقوم بتنفيذها السلطات الوطنية هي التي يُكتب لها النجاح أكثر من أي برامج أخرى. ذلك أن فرض سياسات إصلاحية من الخارج لا يكُلل بالنجاح في أغلب الحالات.

وتنعكس هذه الحقيقة البسيطة أيضاً في تصميم برامج الاصلاح الاقتصادى التى يوفر لها الصندوق الدعم المالى، والتي تتزايد درجة مرونتها ومدى استيعابها للظروف والأوضاع الاجتماعية في كل بلد عضو.

التعامل مع أصل المشكلة

ولتحقيق أقصى استفادة ممكنة من قروض الصندوق ومما يصاحبها من تحسن مستوى الثقة في اقتصاد البلد المقترض، يجب أن تستهدف الحكومات تصحيح التشوهات التي أدت في الأصل إلى المشكلات الاقتصادية القائمة ـ وأدت إلى الاقتراض فى بادئ الأمر. وما لم يتحقق ذلك، فستضيع فرصة القيام بإصلاحات اقتصادية حقيقية، ومن ثم تنشأ الحاجة إلى الاقتراض من جديد.

ولتقريب الفكرة أقول إن استدعاء رجل الإطفاء لإخماد حريق معناه أنه يتعين تحديد أسباب نشوب هذا الحريق والقضاء عليها. أما إذا تم إغفال هذه الأسباب، فمن المرجح أن يتم استدعاء رجل الإطفاء مراراً وتكراراً في وقت لاحق!

ولا يتيح الصندوق التمويل إذا كانت السياسات الاقتصادية الحكومية تمضي في مسار لا يرجَّح أن يقود إلى علاج المشكلة الأساسية. وتُصْرَف معظم قروض الصندوق على دفعات ترتبط بإجراءات محددة في السياسة الاقتصادية وفقاً لما ينص عليه البرنامج الحكومي. والهدف من ذلك هو التأكد من إحراز تقدم في تنفيذ البرنامج ـ وأن البلد المقترض سيستطيع سداد القرض، ومن ثم يتسنى للصندوق إتاحة هذه الموارد المالية لبلدان أعضاء أخرى قد تكون في حاجة إليها.

الـتأكد من الالتزام ببرنامج الاصلاح

تمثل المراجعات المنتظمة التي يجريها الصندوق على برامج الإصلاح إطاراً يستطيع من خلاله المجلس التنفيذي للصندوق تحديد ما إذا كان البرنامج الاصلاحى الذى تقوم بتنفيذه السلطات المعنية فى البلد المقترض يسير في طريقه المحدد وما إذا كان من الضروري إجراء تعديلات عليه حتى يحقق أهدافه.

وتجمع هذه المراجعات بين تقييم المنجزات (من حيث تحقيق أهداف البرنامج طبقاً للجدول الزمني المحدد) والتقييم المستقبلى (من حيث مدى احتياج البرنامج إلى التعديل في ضوء المستجدات). ولا يقوم الصندوق بصرف الأقساط المالية المتفق عليها في إطار البرنامج المدعم من الصندوق إلا بعد صدور الموافقة ـ أي استكمال المراجعات المقررة ـ من جانب المجلس التنفيذي للصندوق.

وتمثل التزامات السياسة المتفق عليها مع سلطات البلد العضو أساساً تستند إليه الموافقة على البرنامج أو المراجعات التي يخضع لها. ويمكن أن يتخذ ذلك أشكالاً مختلفة.

فالإجراءات المسبقة هي تدابير يوافق البلد العضو على اتخاذها قبل موافقة المجلس التنفيذي على التمويل أو قبل استكماله المراجعة. وتضمن هذه التدابير توافر الركيزة اللازمة لنجاح البرنامج، أو إعادة وضعه على المسار الصحيح إذا انحرف عن السياسات المتفق عليها. ومن أمثلة هذه الإجراءات إلغاء القيود السعرية أو الموافقة رسمياً على إعداد موازنة تتسق مع إطار المالية العامة المحدد في البرنامج.

ومعايير الأداء الكمية هي شروط محددة وقابلة للقياس يتعين استيفاؤها لاستكمال المراجعة. ودائماً ما ترتبط هذه المعايير بمتغيرات الاقتصاد الكلي التي تتحكم فيها السلطات الوطنية، مثل مستوى الاحتياطيات الدولية أو الاقتراض الحكومي.

و تستخدم الأهداف الإرشادية في تقييم التقدم المُحرز باعتبارها عنصراً مكملاً لمعايير الأداء الكمية. كذلك تتحدد هذه الأهداف في بعض الأحيان عندما يتعذر تحديد المعايير الكمية بسبب عدم التيقن من بيانات الاتجاهات الاقتصادية (للأشهر الأخيرة من البرنامج، على سبيل المثال). ومع تراجع مستوى عدم اليقين بشأن هذه البيانات، عادة ما يتم تحويل هذه الأهداف إلى معايير أداء كمية.

أما المعايير الهيكلية فهي تدابير إصلاحية بالغة الأهمية في تحقيق أهداف البرنامج ويُقصد بها أن تكون بمثابة علامات إرشادية في تقييم تنفيذ البرنامج. ومن أمثلة هذه المعايير التدابير الرامية إلى تحسين عمليات القطاع المالي أو بناء شبكات الأمان الاجتماعي أو تعزيز إدارة المالية العامة.

وفي حالة عدم الالتزام بأحد معايير الأداء الكمية، يجوز للمجلس التنفيذي الموافقة على منح البلد العضو إعفاءً رسمياً ليتمكن من استكمال البرنامج وصرف الأقساط المالية المقررة، إذا اطمأن إلى أنه سينفذ بنجاح رغم عدم استيفائه، إما لأن الانحراف في مسار التنفيذ كان طفيفاً أو مؤقتاً، أو لأن السلطات اتخذت إجراءات تصحيحية أو تعتزم اتخاذها. ولا تستوجب المعايير الهيكلية والأهداف الإرشادية الحصول على إعفاء في حالة عدم استيفائها، إنما يتم تقييمها في سياق تقييم أداء البرنامج ككل.

حماية الطبقات الفقيرة

عند تقديم الدعم المالى لبرامج الإصلاح الاقتصادي التي تحددها البلدان الأعضاء، نرى من المهم تخفيف أثرها على شرائح السكان الأكثر احتياجاً.

ولتحقيق هذا الهدف، نشجع الحكومات على تخفيض الإنفاق غير المنتِج الذي لا يرتكز على مبررات اقتصادية وجيهة. وغالباً ما يتطلب ذلك السيطرة على الإنفاق المُهدِر للموارد وغير الموجه إلى المستحقين. ومن السبل المؤدية إلى تحقيقه إلغاء الدعم المعمم وإنشاء شبكات للأمان الاجتماعي توجه الدعم إلى المستحقين بكفاءة أكبر. فغالباً ما يَقْصُر الدعم المعمم عن مساعدة السكان الأكثر احتياجاً ـ بل إننا وجدنا أن دعم الغذاء والوقود الذي يصل إلى الفقراء في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يقتصر على 20% من مجموع الدعم، بينما يحصل غير المحتاجين على نسبة الدعم الباقية التي تبلغ 80%.

ويساعد ضبط الإنفاق المُهدِر للموارد أيضاً على إفساح المجال أمام النفقات ذات الأولوية، مثل الإنفاق على الاستثمار في البنية التحتية، والتعليم، والرعاية الصحية ـ وكلها عوامل حاسمة لتحقيق النمو القابل للاستمرار على المدى الطويل.