جوزيف ستيغليتس

أستاذ في جامعة كولومبيا، نيويورك، ومشارك في استضافة المؤتمر الثاني عن إعادة النظر في سياسة الاقتصاد الكلي: الخطوات الأولى والدروس المبكرة

 (بلغات أخرى English)

عند تحليل آخر الأزمات المالية، يمكننا استخلاص بعض الدروس من محنة العقود القليلة الماضية. فبعد 100 أزمة تقريباً خلال الثلاثين عاماً الماضية ـ منذ أصبحت سياسات التحرير الاقتصادي هي السائدة ـ تراكمت ثروة هائلة من الخبرات وتلال ضخمة من البيانات ذات الصلة. بل إننا نجد بيانات أكثر ثراءً إذا امتد نظرنا إلى مائة وخمسين عاماً ماضية.

واستناداً إلى قرن ونصف من المعلومات الواضحة المفصلة عن الأزمات المتعاقبة، ينبغي ألا يكون السؤال الملح هو "كيف حدث هذا؟" وإنما ""كيف نتجاهل هذا التاريخ الطويل ونتصور أننا حللنا الأزمات بالدورة الاقتصادية؟" وقد كان من قبيل الغرور البالغ أن نعتقد أننا نجحنا في جعل التقلبات الاقتصادية الكبيرة من قبيل الذكريات.

الأسواق ليست مستقرة، ولا قادرة على تصحيح الذات

إن الدرس الكبير الذي فرضته هذه الأزمة ـ وكان ينبغي أن نتعلمه منذ وقت طويل ـ هو أن الكفاءة أو الاستقرار أو تصحيح الذات ليست من الصفات الملازمة للاقتصادات بالضرورة.

وهناك جانبان في هذا الاكتشاف المتأخر. أحدهما أن النماذج النمطية كانت تركز على الصدمات الخارجية، ولكنه من الواضح تماماً أن نسبة كبيرة جداً من الاضطرابات التي تلحق بالاقتصاد تنشأ في الداخل. ولا يقتصر الأمر على الصدمات الداخلية قصيرة الأجل، فهناك تحولات هيكلية طويلة الأجل وصدمات مزمنة أيضاً. والمسألة ببساطة هي أن النماذج التي ركزت على الصدمات الداخلية كانت مضلِّلة ـ إذ أن معظم الصدمات الكبيرة بالفعل يأتي من داخل الاقتصاد.

ثانياً، الاقتصادات لا تصحح ذاتها. ومن الواضح أنه يتعين علينا استيعاب هذا الدرس المهم الذي لم نتعلمه من الأزمة. فحتى في أعقابها، كان الفشل مصير المحاولات الواهنة لإصلاح الاقتصاد في الولايات المتحدة وأوروبا. ولا شك أن هذه المحاولات لم تكن بالعمق الكافي، حتى أننا نواجه الآن مخاطر جسيمة تهدد بأزمة أخرى في المستقبل.

ولذلك أيضاً نجد أن التحركات التي استهدفت التصدي للأزمة لم تتمكن من إعادة اقتصاداتنا إلى مستوى قريب من التوظيف الكامل، إذ يبلغ الآن فاقد إجمالي الناتج المحلي الذي يمثله الفرق بين الناتج الممكن والفعلي تريليونات الدولارات.

وسيقول البعض، بالطبع، إن الأمور كان يمكن أن تصل إلى أسوأ من ذلك، وهذا صحيح. فبالنظر إلى أن من تولوا مهمة حل الأزمة كان من بينهم بعض الذين تسببوا في حدوثها أصلاً، ربما يعد من اللافت للنظر بالفعل أن الكارثة التي وقعت لم تكن أكبر.

أكثر من مجرد خفض لقروض التمويل، وأكثر من أزمة في الميزانية العمومية، إنها الحاجة إلى تحول هيكلي

بالنسبة للموارد البشرية ورصيد رأس المال والموارد الطبيعية، نحن اليوم عند مستوى يكاد يصل إلى مستوى ما قبل الأزمة. وفي نفس الوقت، هناك بلدان كثيرة لم تتمكن بعد من العودة بإجمالي الناتج المحلي إلى مستويات ما قبل الأزمة، ناهيك عن العودة إلى مسارات النمو السابقة على الأزمة. ومن منظور أعمق، يمكن القول بأن الأزمة لم تُحسم بالكامل بعد ـ ولا توجد نظرية اقتصادية موثوقة تفسر السبب وراء ذلك.

ويرتبط جانب من هذه المسألة بالبطء الملاحَظ في خفض نسب قروض التمويل. ولكن بالرغم من الخفض الجاري لنسب قروض التمويل، هناك أسباب وجيهة متعددة تقود إلى الاعتقاد بأن الاقتصاد لن يعود إلى مستوى التوظيف الكامل. فمن غير المرجح أن نعود إلى معدل الادخار الصفري السابق على الأزمة في قطاع الأسر ـ كما أن العودة إلى هذا المعدل لن يكون تطوراً إيجابياً. وحتى مع التعافي الطفيف الذي حققته الصناعة التحويلية، فلن تعود معظم الوظائف التي فُقدت في هذا القطاع.

وباستعراض البيانات السابقة، يرى البعض أن الأحرى بنا الاستسلام لهذه الحالة المؤسفة. فالاقتصادات التي تمر بأزمات مالية حادة عادة ما تتعافى ببطء. لكن ما يحدث في العادة من تحوُل الأمور إلى الأسوأ في أعقاب الأزمة المالية لا يعني أنها لا بد أن تتحول إلى الأسوأ في كل الحالات.

إن المسألة ليست مجرد أزمة تعرضت لها الميزانيات العمومية. فهناك قضية أعمق تتمثل في التحول الهيكلي الذي تمر به الولايات المتحدة وبلدان أوروبا. إذ أن التحول من الاقتصاد الصناعي إلى الاقتصاد القائم على قطاع الخدمات يرتبط بتحول هيكلي، كما أن تغير الميزات النسبية يتطلب تعديلات هائلة في بلدان شمال الأطلنطي.

إصلاحات هي إجراءات منقوصة، حسب أفضل تقدير

الأسواق المالية وحدها لا تحقق نتائج يمكن أن توصف بالكفاءة والاستقرار وتحظى بالقبول المجتمعي. ويعني هذا أن علينا التفكير بعمق أكبر في نوع البنيان الاقتصادي الذي يمكن أن يؤدي إلى النمو والاستقرار الحقيقي والكفاءة في توزيع الدخل.

وهناك نقاش دائر حول ما إذا كنا لا نحتاج أكثر من تعديل طفيف في البنيان الاقتصادي القائم أو نحتاج إلى تغييرات أكثر جذرية. ويهمني أمران في هذا الخصوص. أحدهما ألمحت إليه سابقاً، وهو أن الإصلاحات التي أجريت حتى الآن لم تتوغل في العمق. والثاني هو أن بعض التغييرات التي حدثت في هيكلنا الاقتصادي (سواء قبل الأزمة أو بعدها) والتي كان يُفترض أن تجعل أداء الاقتصاد أفضل ربما لم تفعل ذلك.

فمثلاً، هناك إصلاحات يمكن أن تجعل الاقتصاد أكثر قدرة على تحمل الصدمات الصغيرة، لكنها في الواقع تحد من قدرته على استيعاب الصدمات الكبيرة. وينطبق هذا على كثير من الإصلاحات التي تستهدف اندماج القطاع المالي والتي ربما تكون قد سمحت للاقتصاد باستيعاب بعض الصدمات الصغيرة، لكن الواضح أنها أثرت أيضاً على صلابته في مواجهة الصدمات الكبيرة الاستثنائية.

وينبغي أن يكون واضحاً أن كثيراً من "التحسينات" التي أجريت في الأسواق قبل الأزمة أدت في الواقع إلى زيادة تعرض البلدان للمخاطر. ومهما تكن المنافع المتحققة من تحرير الأسواق الرأسمالية والمالية قبل الأزمة (وهي منافع مشكوك فيها)، فقد كانت التكاليف باهظة من حيث زيادة المخاطر. وينبغي أن نعيد النظر في مواقفنا تجاه هذه الإصلاحات ـ وهنا يستحق الصندوق الإشادة لما قام به من إعادة نظر في السنوات القليلة الماضية. ويمكن أن يكون الحد من التقلب المحلي الناشئ عن ارتباطات دولية أحد الأهداف المتوخاة في إدارة الحساب الرأسمالي على اختلاف صورها.

وبشكل أعم، أوضحت الأزمة أهمية التنظيم المالي لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي. ولكنني أصاب بخيبة أمل عند تقييم ما حدث منذ وقوع الأزمة. فمع الاندماجات التي حدثت في أعقابها، تفاقمت مشكلة البنوك التي توصف بأنها "أكبر من أن تفشل". فهناك بنوك أعمالها متداخلة بدرجة لا تسمح لها بالفشل، وبنوك أعمالها مرتبطة إلى حد لا يسمح لها بالفشل، وهي قضايا لم نفعل سوى القليل لإيجاد حل لها. وقد دارت مناقشات واسعة النطاق بالطبع حول المؤسسات التي تعد "أكبر من أن تفشل"، لكن الارتباط الشديد بينها مسألة أخرى. فهناك احتياج ملح لأن تعمل المؤسسات المالية في بيئة أكثر تنوعاً تحد من حوافز الارتباط المفرط وتحقق مزيداً من الاستقرار. وهذا منظور لم يحظ بأي تركيز كافٍ في الآونة الأخيرة.

كذلك فإننا لم نقم بجهد كافٍ لزيادة متطلبات رأس المال المصرفي. فمعظم المناقشات أغفلت تماماً تقدير التكاليف والمنافع المترتبة على زيادة هذه المتطلبات. ونحن نعرف المنافع ـ الحد من مخاطر عمليات الإنقاذ الحكومية وتكرار الأحداث من النوع الذي شاع في عامي 2007 و 2008. أما بالنسبة للتكلفة، فقد وجهنا اهتماماً لا يُذكَر إلى الرؤى العميقة التي تتضمنها نظرية موديلياني وميلر، وهي النظرية التي تكشف عدم صحة الآراء القائلة بأن زيادة متطلبات رأس المال تتسبب في زيادة تكلفته.

أوجه القصور في الإصلاحات وتصميم النماذج

ولو أننا بدأنا جهود الإصلاح بالتركيز على كيفية رفع كفاءة اقتصادنا وتعزيز استقراره، لكان من الطبيعي أن نتساءل عن أمور أخرى، ونطرح مسائل أخرى للنقاش. فمن الطريف أن هناك تناظُراً بين هذا القصور الذي شاب جهودنا الإصلاحية والقصور الملاحَظ في النماذج التي كثيراً ما نستخدمها نحن المتخصصون في الاقتصاد الكلي.

أهمية الائتمان

ولو كان الأمر كذلك لكنا تساءلنا، عن الأدوار الأساسية للقطاع المالي، مثلاً، وكيف يمكن أن نجعله أكثر كفاءة في الاضطلاع بها. ولا شك أن واحداً من أدواره الأساسية هو توزيع رأس المال وتقديم الائتمان، وخاصة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وهي وظيفة لم يؤدها بكفاءة قبل الأزمة ويقال إنه لا يزال مقصراً في أدائها.

وقد يبدو أن هذا أمر واضح. لكن تقديم الائتمان لم يكن موضع تركيز في الحوار بشأن السياسات ولا في نماذج الاقتصاد الكلي المتعارف عليها. والواقع أن علينا تحويل تركيزنا من النقود إلى الائتمان. والاثنان جانبان مترابطان ترابطاً وثيقاً في العادة في أي ميزانية عمومية، ولكن ذلك لا ينطبق في كل الحالات، وخاصة في سياق الاضطرابات الاقتصادية الكبيرة التي ينبغي التركيز أثناءها على الائتمان. ومما أجده لافتاًً للنظر أن النماذج الاقتصادية الكلية المعتادة لم تتضمن فحصاً كافياً لطبيعة آلية الائتمان. وهناك بالطبع قدر كبير من أدبيات الاقتصاد الجزئي حول النشاط المصرفي والائتمان، لكن نماذج الاقتصاد الكلي المعتادة أغفلت معظم الرؤى العميقة المطروحة في هذه الأدبيات.

غير أن الفشل في إدارة الائتمان ليس الثغرة الوحيدة في منهجنا. فهناك فهم قاصر أيضاً لأنواع التمويل المختلفة. ويمثل الفرق بين الدين وحصة الملكية مجالاً من أهم مجالات تحليل المخاطر في الأسواق المالية، وهو أمر لم نعطه اهتماماً يُذكر في إطار الاقتصاد الكلي التقليدي. وفي محاولة لعلاج هذا القصور أصدرت كتاباً بالاشتراك مع بروس غرينوولد يحمل عنوان "نحو نمط جديد للاقتصاد النقدي" (Towards a New Paradigm of Monetary Economics (Cambridge University Press, 2003))

الاستقرار

كما أشرت آنفاً، كانت اقتصادات السوق مستقرة في النماذج التقليدية (وفي الفكر التقليدي). وبالتالي، فإن ندرة طرح أسئلة جوهرية حول كيفية تصميم نظم اقتصادية أكثر استقراراً ربما لم يكن من الأمور المستغربة. وقد تطرقنا بالفعل إلى عدة جوانب في هذا الخصوص، أي إلى كيفية تصميم نظم اقتصادية أقل تعرضاً للمخاطر أو نظم اقتصادية تتسبب في قدر أقل من التقلب.

ومن الإصلاحات الضرورية، وإن لم تحظ بالتركيز الكافي، إيجاد عدد أكبر من مسببات الاستقرار التلقائية وعدد أقل من مسببات الاضطراب التلقائية ـ ليس فقط في القطاع المالي، وإنما في كل أجزاء الاقتصاد. فعلى سبيل المثال، نجد أن التحول من نظم التقاعد ذات المزايا المحددة إلى نظم التقاعد ذات الاشتراكات المحددة ربما يكون قد أثر على استقرار الاقتصاد.

وفي مواضع أخرى، أوضحت كيف يمكن لترتيبات اقتسام المخاطر (لا سيما التي تفتقر للتصميم الجيد) أن تؤدي بالفعل إلى زيادة المخاطر النظامية، ذلك أن الفكر السائد قبل الأزمة جانبه الصواب في القول بأن تنويع المخاطر يؤدي إلى التخلص منها بشكل أساسي. وقد تطرقت إلى هذا الموضوع بمزيد من التفصيل في هذا المقال، إلى جانب هذه الدراسة وهذه أيضاً.

التوزيع

وللتوزيع أهمية أيضاً في هذا السياق ـ وأعني به التوزيع بين الأفراد، وبين الأسر والشركات، وبين الأسر، وبين الشركات. وكان المعتاد أن تركز دراسة الاقتصاد الكلي على مجملات معينة، مثل متوسط نسبة القروض التمويلية إلى إجمالي الناتج المحلي. لكن هذه النسبة وغيرها من المتوسطات غالباً ما تعجز عن تقديم صورة لمدى تعرض الاقتصاد للخطر.

وفي حالة الأزمة المالية، لم تقدم هذه الأرقام أي إشارات تحذيرية مسبقة. ومع ذلك فإن عجز الكثيرين من أصحاب الدخول الدنيا عن سداد مدفوعات الديون المستحقة عليهم كان يجب اعتباره إشارة لوجود خطأ ما.

وتحتاج نماذجنا عموماً إلى فهم أعمق لعدم التجانس وانعكاساته على الاستقرار الاقتصادي.

أطر السياسات

لا تؤدي النماذج المعيبة إلى سياسات معيبة فحسب، وإنما تتسبب في أطر معيبة للسياسات أيضاً.

هل يجب أن تركز السياسة النقدية على سعر الفائدة قصير الأجل؟

تميل السياسة النقدية إلى القول بضرورة عدم تدخل البنك المركزي إلا في تحديد سعر الفائدة قصير الأجل. ويعتقد القائمون على هذه السياسة أن "تدخلاً واحداً" أفضل من تدخلات متعددة. لكننا نعلم منذ 80 عاماً على الأقل حين صدرت دراسة رامسي أن التركيز على أداة واحدة ليس هو المنهج الأمثل بشكل عام.

ويتعلل المؤيدون لمنهج "التدخل الواحد" بأنه المنهج الأمثل لأنه الأقل تشويهاً للاقتصاد. وبالطبع، فإن سبب وجود السياسة النقدية أصلاً ـ أي السبب وراء اتخاذ الحكومة إجراءات للتدخل في الاقتصاد ـ هو أننا لا نعتقد أن الأسواق يمكن أن تحدد بمحض إرادتها سعر الفائدة الصحيح للأجل القصير. ولو أن الأمر كان كذلك، لكنا تركنا للأسواق الحرة مهمة تحديد هذا السعر. والغريب أن كل مسؤولي البنوك المركزية تقريباً يوافقون على ضرورة أن نتدخل في تحديد ذلك السعر، ولكن بعضهم غير مقتنع بضرورة التدخل الاستراتيجي في أسعار أخرى، رغم علمنا في ضوء النظرية العامة للضرائب والنظرية العامة للتدخل في السوق بأن التدخل في تحديد سعر واحد فقط ليس هو المنهج الأمثل.

وعند تحويل تركيزنا التحليلي إلى الائتمان وإدخال المخاطر ضمن تحليلاتنا بشكل صريح، تتضح لنا الحاجة لاستخدام أدوات متعددة. والواقع أن علينا استخدام كل الأدوات المتاحة لنا بشكل عام. وغالباً ما يضع خبراء الاقتصاد النقدي خطاً فاصلاً بين أدوات السلامة الاحترازية الجزئية، والسلامة الاحترازية الكلية، وأدوات السياسة النقدية التقليدية. وفي الكتاب الذي اشتركت في تأليفه مع بروس غيرينوولد ويحمل عنوان نحو نمط جديد للاقتصاد النقدي، نرى أن هذا التمييز مصطنع، إذ أن الحكومة تحتاج إلى الاستفادة من هذه الأدوات على أساس منسق (وسأعود إلى هذه النقطة بعد قليل).

ونحن لا نستطيع، بالطبع، "تصحيح" كل فشل سوقي. غير أن حالات الفشل الشديد ـ التي تصيب الاقتصاد الكلي ـ ستظل تتطلب منا التدخل. وقد أشرت أنا وبروس غرينوولد إلى أن الأسواق لا تصل أبداً إلى مستوى "كفاءة باريتو" إذا كانت المعلومات ناقصة أو متباينة، أو شابت العيوب أسواق المخاطر. ولأن هذه القيود تتوافر دائماً، نجد أن الأسواق لا تصل أبداً إلى مستوى "كفاءة باريتو". وقد أبرزت الأبحاث الأخيرة أهمية هذه القيود وغيرها للاقتصاد الكلي ـ وإن كانت الرؤى العميقة التي طرحها هذا العمل المهم لم تدخل على النحو الملائم حتى الآن في نماذج الاقتصاد الكلي الشائعة أو في المناقشات الأساسية التي تدور حول السياسات.

السعر في مقابل التدخلات الكمية

تساعد هذه الرؤى النظرية أيضاً في فهم السبب وراء خطأ الافتراض الذي كان شائعاً بين بعض الاقتصاديين بأن التدخلات السعرية أفضل من التدخلات الكمية. فهناك ظروف عديدة تجعل التدخلات الكمية سبباً في تحسين أداء الاقتصاد.

تينبرغن

يذهب إطار من أطر السياسات شاع استخدامه في بعض الدوائر إلى أن السيطرة على النظام الاقتصادي تظل ممكنه ما دام هناك عدد من الأدوات مساوٍ لعدد من الأهداف، وأن أفضل سبيل لإدارة الاقتصاد في مثل هذه الظروف هو أن تكون هناك مؤسسة مسؤولة عن تحقيق هدف واحد باستخدام أداة واحدة. (وحسب هذا الرأي، تمتلك البنوك المركزية أداة واحدة ـ هي سعر الفائدة ـ وهدفاً واحداً ـ هو التضخم. وقد أوضحنا منذ قليل خطأ تقييد السياسة النقدية بأداة واحدة.)

وقد يكون لهذا التقسيم مزايا من منظور الوكالة أو المنظور البيروقراطي، لكنه لا يعتبر منطقياً من منظور إدارة السياسة الاقتصادية الكلية ـ التي تركز على النمو والاستقرار والتوزيع في عالم يسوده عدم اليقين. وينبغي أن يتوافر التنسيق بين كل القضايا وكل الأدوات المتاحة لنا. والتنسيق الوثيق أمر لازم بين السياسة النقدية وسياسة المالية العامة. ذلك أن التوازن الطبيعي الذي يمكن أن ينشأ عن سيطرة أطراف مختلفة على أدوات مختلفة تركز على أهداف مختلفة يكون توازناً بعيداً تماماً عن الوضع الأمثل لتحقيق الأهداف الاجتماعية الشاملة. ويمكن تعزيز الاستقرار الاقتصادي، على سبيل المثال، بتحسين التنسيق ـ واستخدام المزيد من الأدوات.

اغتنام الفرصة لإحداث ثورة في النماذج المعيبة

يتعين أن يكون واضحاً أننا كنا نستطيع القيام بجهد أكبر بكثير لمنع وقوع هذه الأزمة وتخفيف آثارها. وينبغي أن يكون واضحاً أيضاً أننا نستطيع القيام بجهد أكبر بكثير لمنع وقوع الأزمة القادمة. ومع ذلك، فمن خلال هذا المؤتمر وغيره من المؤتمرات المماثلة، بدأنا على الأقل في تحديد إخفاقات السوق الكبيرة بالفعل، وكذلك المؤثرات الخارجية الكبيرة على الاقتصاد الكلي، وأفضل السياسات التي يمكن استخدامها في التدخل لتحقيق النمو المرتفع وتعزيز الاستقرار وتحسين توزيع الدخل.

وللنجاح في هذا المسعى، يجب أن نذكِّر أنفسنا دائماً بأن الأسواق لن تحل مشكلاتها بنفسها، كما أن هذه المشكلات لن تُحَل باستخدام أداة واحدة للتدخل مثل أسعار الفائدة. وقد أثبت الزمن صحة هذه الحقائق مراراً وتكراراً خلال القرن والنصف الماضيين.

ورغم التحديات الكبيرة التي تنطوي عليها المشكلات الاقتصادية الراهنة، فإن الإقرار بها سيتيح لنا الاستفادة من فرصة كبيرة سانحة هذه الفترة المثقلة بآثار الصدمة الاقتصادية، وهي فرصة إحداث ثورة في النماذج الاقتصادية المعيبة، وربما الخروج من دورة أزمات طويلة الأمد.