بقلم: أوليفييه بلانشار

(بلغات أخرى English)

استضاف الصندوق مؤخراً مؤتمره الثاني المعني بإعادة النظر في سياسة الاقتصاد الكلي عقب الأزمة. وبعد يومين من العروض والمناقشات الرائعة، تأكَّد لي أمر واحد: هذا المؤتمر لن يكون هو الأخير حول هذا الموضوع، على أرجح تقدير.

والواقع أن وإعادة النظر والإصلاحات جاريان بالفعل، لكننا لا نعلم ما ستنتهي إليه: أهي إعادة تعريف السياسة النقدية أو تعيين حدود التنظيم المالي أو تحديد دور أدوات السلامة الاحترازية الكلية. إننا نستشعر الاتجاه الصحيح بشكل عام، لكننا نبحر في الغالب معتمدين على النظر فقط.

وسوف آخذ ستة أمثلة مستوحاة من المؤتمر، ويمكن الاطلاع على مزيد من الأفكار في هذا التقرير الصادر مؤخرا.

1- الإبحار بالنظر: التنظيم المالي

لا توجد رؤية متفق عليها حول ما ينبغي أن يكون عليه البينان المالي المستقبلي، وبالتالي، لا توجد رؤية متفق عليها لما ينبغي أن يكون عليه التنظيم المالي. ولعلكم تتذكرون مقولة بول فولكر الشهيرة من أن ماكينة الصرف الآلي هي الابتكار المالي الوحيد الذي يعتبر مفيداً طوال الأربعين عاماً الماضية. لا شك أن هذه مبالغة. لكننا نظل غير متأكدين من الدور الصحيح الذي ينبغي أن يؤديه التوريق، والنطاق الصحيح الذي ينبغي أن تغطيه المشتقات المالية، ودور الأسواق مقارنة بدور البنوك، ودور صيرفة الظل مقارنة بالصيرفة الظاهرة.

ومع ذلك، نتفق جميعاً على أن بعض الأمور تتطلب التغيير، وصناع السياسات يعملون بالفعل على وضع تدابير لإجراء هذا التغيير في سياق المبادرات الدولية أو القومية، مثل زيادة نسب رأس المال. وقد لا يكون في ذلك علاج سحري ناجع، لكنه يستطيع بالتأكيد تقوية النظام المالي. وبالرغم من ذلك فإنني مندهش للغاية من مستوى عدم اليقين وعدم الاتفاق بشأن آثار نسب رأس المال على تكاليف التمويل، ومن ثم الإقراض. ويرى العقلاء من أمثال مارتن هلويغ وأنات أدماتي أننا لسنا بعيدين كثيراً عن عالم تنطبق عليه نظرية "موديلياني وميلر"، وأن البنوك بمقدورها زيادة نسب رأس المال إلى حد كبير. وعلى العكس من ذلك، يرى آخرون، وليس المصرفيون فحسب، أن حدوث زيادة ملحوظة في هذه النسب سيكون من شأنه تدمير الصناعة المصرفية.

ومثال آخر هو التدفقات الرأسمالية، وبالتالي دور ضوابط رأس المال. وقد أدهشني العرض الذي قدمته هيلين ري حيث ذكرت أن دراسات الاقتصاد القياسي لا تقدم أدلة دامغة تُذكر لإثبات المزايا التي تتحقق من تدفقات الحافظة. كذلك أدهشني السؤال البلاغي الذي طرحه ستانلي فيشر عن مدى نفع التدفقات الرأسمالية الداخلة قصيرة الأجل. ولا شك أن كيفية تفكيرنا في نطاق ضوابط رأس المال تعتمد اعتماداً كبيراً على هذه الأسئلة الأساسية.

2- الإبحار بالنظر: دور القطاع المالي

من الأقوال النمطية التي شاعت مؤخراً أن الفكر الاقتصادي الكلي أعطى العوامل المالية دوراً أقل مما ينبغي في حدوث التذبذبات الاقتصادية. وقد أجرينا أعمالاً تحليلية عديدة في الخمس سنوات الأخيرة لإعادة النظام المالي إلى نماذجنا الاقتصادية، لكننا لم نصل إلى هذا الهدف بعد. فمثلاً، هل توجد دورة ائتمانية أو مالية منفصلة عن الدورة الاقتصادية كما أشار كلاوديو بوريو؟ أم هل ينبغي أن نفكر في الصدمات المالية باعتبارها مصدراً آخر للاضطراب، وفي النظام المالي باعتباره مجرد مصدر آخر لتضخيمه؟

هل أصاب ستيفان غيرلاك حين تساءل عما إذا كان ينبغي لنا إعادة النظر بالفعل في كل الجوانب الاقتصادية الكلية لحدث قد يقع مرة كل مائة عام؟ أم أن الصدمات المالية والنظام المالي يحتلان موقعاً محورياً من التذبذبات الاقتصادية الكلية حتى أن نموذج منحنى "الاستثمار-الادخار/السيولة-النقود" الذي تعلمون أنه لا يتضمن نظاماً مالياً واضحاً، لا يعد منفذاً مقبولاً إلى الاقتصاد الكلي؟

وبالتبعية، لا يوجد اتفاق على كيفية إدخال الاستقرار المالي والاستقرار الاقتصادي الكلي ضمن اختصاص البنوك المركزية، أو حتى على ما إذا كانت تلك خطوة مناسبة في الأساس. هل يتطلب ذلك بعض التعديل في التضخم المستهدف، أم يتطلب إعادة النظر على أكثر جذرية؟ الموقف الفكري السار في هذا الصدد هو القول بأن أدوات السلامة الاحترازية الكلية ستتولى تحقيق الاستقرار المالي، وعليه فإن السياسة النقدية يمكن أن تظل مركزة على العمل المعتاد ـ أي استهداف التضخم. وربما كنت مخطئاً حين فهمت مناقشة مايكل وودفورد في هذا المؤتمر على أنها تشير إلى ضرورة أن تقودنا الأزمة للتحول من استهداف التضخم إلى استهداف الدخل الاسمي، دون تركيز كبير على الاستقرار المالي. فأنا أشك أن هذا هو الحل الصحيح. بل أعتقد أننا يجب أن نتوخى الواقعية في تحديد الدور الذي يمكن أن تؤديه أدوات السلامة الاحترازية الكلية، وأن السياسة النقدية لا يمكن أن تتجاهل الاستقرار المالي. ويقودني هذا إلى نقطتي الثالثة.

3- الإبحار بالنظر: أدوات السلامة الاحترازية الكلية

عندما عقد أول مؤتمر عن إعادة النظر في سياسة الاقتصاد الكلي عام 2011، كانت أدوات السلامة الاحترازية الكلية أشبه باختراع مستحدث ـ حسب تعبير آندرو هالدين. وكان من الواضح أن الأداتين التقليديتين، وهما سياسة المالية العامة والسياسة النقدية، لم تكونا مناسبتين لمعالجة الاختلالات والمخاطر المالية. وكان السؤال آنذاك: هل ستكون سياسة السلامة الاحترازية الكلية المرحلة الثالثة من سياسة الاقتصاد الكلي، أم أنها مجرد سند تتكئ عليه الأداتان الموجودتان؟

ليس لدينا إجابة حتى الآن. لكننا نتعلم مع زيادة عدد البلدان التي تستخدم هذه الأدوات. ويمكن أن استخلص درسين من الأدلة المتوافرة، ومن العروض التي تم تقديمها اليوم.

أولاً، هذه الأدوات مؤثرة، ولكن قياس آثارها لا يزال صعباً، ويبدو أن استخدامها يحد من نوبات الرواج غير الصحية لكنه لا يوقفها. وهذا أيضاً ما فهمته من عرض غافرنر كيم.

ثانياً، هذه الأدوات، بحكم طبيعتها، تؤثر على قطاعات محددة ومجموعات محددة، كما أنها تثير قضايا تتعلق بالاقتصاد السياسي. وكان هذا واضحاً في عرض ستانلي فيشر الذي تناول فيه نسب القرض إلى القيمة في إسرائيل.

4- الإبحار بالنظر: الحوكمة وتوزيع المهام بين السياسة الاحترازية الجزئية والاحترازية الكلية والنقدية، أو كما أشار إليهم آفيناش ديكسيت باختصار مريح MIP وMAP وMOP.

فكيف ينبغي التنسيق بين أعمال التنظيم الاحترازي الجزئي والاحترازي الكلي؟ يقال أحياناً إن التضارب بينها هو الاحتمال الأرجح. ولكنني لا أرى، من الناحية النظرية، أي داع لمثل هذا التضارب؛ فكل ما يفعله التنظيم الاحترازي الكلي هو أن يأخذ في الاعتبار الآثار النظامية وحالة الاقتصاد عند التفكير في التنظيم المصرفي وموقف كل مؤسسة مالية.

فأنا أرى، مثلاً، أن التنظيم الاحترازي الكلي يتطلب من البنوك المؤثرة على النظام الاحتفاظ بنسب رأس مال أعلى، أو يتطلب زيادة هذه النسب عندما يبدو إجمالي النمو الائتماني مفرطاً في الارتفاع. والسؤال هو: كيف يتم تقسيم العمل وكيف تحدث التفاعلات بين نوعي التنظيم بحيث يتحقق هذا الهدف.

وإذا لم يتم ذلك بشكل صحيح، فهو قد يعني أنه، عند بدء مرحلة الهبوط، يقوم جهاز الرقابة الاحترازية الجزئية بتجاهل الجوانب النظامية والأحداث الأخرى ويتطلب نسب رأسمال أعلى، بينما يصيب جهاز الرقابة الاحترازية الكلية في اعتقاده بأن العكس هو المطلوب. ويبدو أن منهج المملكة المتحدة مناسب في هذا السياق، في وجود "لجنة الاستقرار المالي" حديثة الإنشاء التي يمكن أن تفرض نسباً لرأس المال تتباين عبر الفترات الزمنية وتختلف باختلاف القطاعات. ويمكن قراءة المزيد عن هذه القضايا ضمن مناقشة آندرو هيلدين .

وهناك قضايا أكثر تشابكاً يثيرها التساؤل حول كيفية الجمع بين التنظيم الاحترازي الكلي والسياسة النقدية. فما من شك أن كلاً منهما يؤثر على الآخر: السياسة النقدية تؤثر على مدى الإقبال على المخاطرة، والأدوات الاحترازية الكلية تؤثر على الطلب الكلي. ومن هنا يتعين أن يقوم صناع السياسات بالتنسيق.

ولأنه من المؤكد أن البنك المركزي يجب أن يظل مسؤولاً عن السياسة النقدية، فإن ذلك يعني وضع الاثنين تحت سقف واحد لدى البنك المركزي. ولكن ذلك يثير بدوره قضية استقلالية البنك المركزي. فإعطاؤه الاستقلالية فيما يتصل بسعر الفائدة الأساسي يختلف عن إعطائه حرية التصرف في مسألة الحد الأقصى لنسب القرض إلى القيمة ونسب الدين إلى الدخل. وعند نقطة ما، لا بد أن تثار قضية نقص الديمقراطية.

وربما لا يكون الحل صعباً، وهو إعطاء البنك المركزي درجات متباينة من الاستقلالية. وقد طرح لنا ستانلي فيشر مقارنة رائعة، وأشار لنا على الحل، حين قال إن كل متزوج يسهل عليه أن يفهم فكرة درجات الاستقلالية المتباينة. وهنا أيضاً يبدو منهج المملكة المتحدة معقولاً، بما يتضمنه من وجود لجنتين متوازيين داخل البنك المركزي، إحداهما تركز على السياسة النقدية والأخرى على السياسة المالية مع مجموعة محدودة من أدوات السلامة الاحترازية الكلية.

5- الإبحار بالنظر: مستوى الديون الممكن تحمله

يعتمد معدل الضبط المالي على عدة أشياء من بينها مستوى الدين الذي نرى أن استمرار تحمله أمر ممكن. وستظل بلدان كثيرة تدير مستويات مديونية تقرب من 100% من إجمالي الناتج المحلي لسنوات عديدة قادمة. وهناك قائمة معتادة من الردود النظرية التي تفسر تكلفة الدين الباهظة، بدءاً من انخفاض معدل تراكم رأس المال وانتهاءً بما يتولد من حاجة لفرض ضرائب تشويهية أعلى. وأرى أن للتكلفة مصادر أخرى، منها اثنان أساسيان.

المصدر الأول هو آثار الدين المفرط. فكلما ارتفعت الديون زاد احتمال العجز عن السداد واتسعت فروق العائد على السندات الحكومية وأصبح الاستمرار في تحمل الديون أصعب على الحكومة. لكن الآثار السلبية لا تتوقف عند هذا الحد. فاتساع فروق العائد على السندات السيادية يؤثر على أسعار فائدة القروض، ومن ثم على الاستثمار والاستهلاك. وتتأثر كل القرارات بزيادة عدم اليقين من إمكانية الاستمرار في تحمل الديون، وبالتالي من التضخم المستقبلي والضرائب المستقبلية. ويدهشني مدى فهمنا المحدود لكل هذه القنوات. فالنماذج المختزلة لانحدار النمو على الدين قاصرة عن تحقيق الفهم الكافي في هذا الخصوص.

أما المصدر الثاني للتكلفة فهو مخاطر التوازنات المتعددة. فإذا وصلت المديونية إلى مستويات مرتفعة، يصبح الاحتمال كبيراً بوجود نوعين من التوازنات: "توازن جيد" يتسم بأسعار فائدة منخفضة ومستويات دين يمكن الاستمرار في تحملها، و"توازن سيء" يتسم بأسعار فائدة مرتفعة، ومن ثم أعباء فوائد ثقيلة، مما يزيد من احتمال العجز عن السداد. وعندما يكون الدين شديد الارتفاع، قد لا يتطلب الأمر تغيراً كبيراً في مزاج المستثمرين لكي ينتقلوا من التوازن الجيد إلى السيء.

وأعتقد أن جزءاً من هذا يتم الآن بالفعل فيما يتصل بفروق العائد على السندات الإيطالية والإسبانية. وفي هذا السياق، طرح مارتن وولف سؤالاً مثيراً: ما السبب في أن فروق العائد على السندات الإسبانية أكبر بكثير منها على سندات المملكة المتحدة؟ يُلاحَظ أن الدين والعجز أقل بقليل في إسبانيا عنها في المملكة المتحدة، لكن الوضع الاقتصادي الكلي لا شك أنه أسوأ في إسبانيا عنه في المملكة المتحدة. فهل يكفي هذا لتفسير فرق العائد على السندات؟ هل يمكن أن يكون مرده إلى اختلاف السياسة النقدية؟ في حالة المملكة المتحدة، هل يتوقع المستثمرون من بنك انجلترا أن يتدخل عند الحاجة للحفاظ على التوازن الجيد، بينما يعتقدون أن البنك المركزي الأوروبي ليس لديه صلاحية القيام بذلك؟ كل هذه أسئلة محورية تحتاج إلى مزيد من الدراسة.

6- الإبحار بالنظر: التوازنات المتعددة وتأثير التواصل

في عالم التوازنات المتعددة، يمكن أن يحدث فرق كبير بمجرد إعلان خبر. نأخذ، مثلاً، "برنامج المعاملات النقدية المباشرة" الذي أعلنه البنك المركزي الأوروبي. يمكن تفسير هذا الخبر على أنه أزاح واحداً من مصادر التوازنات المتعددة في أسواق السندات السيادية، وهو مخاطر إعادة تقويم العملة ـ الخطر الذي يطلب المستثمرون علاوة كبيرة في مقابله، مفترضين أن أحد بلدان الهامش الأوروبية قد يترك اليورو، مما يتسبب في إجبار هذا البلد على الخروج. وقد حقق إعلان هذه المعاملات النجاح المطلوب دون الحاجة إلى استخدام البرنامج بالفعل.

من هذا المنظور، يمثل ما أعلنه بنك اليابان مؤخراً من عزمه على مضاعفة القاعدة النقدية خبراً أكثر مدعاة للاهتمام. أما تأثير هذا الخبر فيعتمد اعتماداً كبيراً على كيفية تغير توقعات التضخم لدى الأسر والشركات اليابانية. فإذا ارتفعت هذه التوقعات، ستتأثر قراراتهم المتعلقة بالأجور والأسعار، وتؤدي إلى ارتفاع التضخم ـ وهو النتيجة المطلوبة في سياق الانكماش الياباني الراهن. أما إذا ظلت التوقعات كما هي، فلا يوجد ما يدعو إلى الاعتقاد بأن التضخم سيزداد كثيراً عنه مستواه الحالي.

وعلى ذلك، فإن الدافع الأساسي وراء هذا التوسع النقدي الحاد هو إحداث صدمة نفسية، وتحويل التصورات وديناميكية الأسعار. فهل ستنجح إلى جانب التدابير الأخرى التي اتخذتها السلطات اليابانية؟ نأمل هذا. لكننا بعيدون كل البعد من تحقق الآثار التلقائية للسياسة النقدية حسب الوارد في المراجع التقليدية.

إنه موضوع يمكن أن أطيل الحديث فيه، لكنني مضطر لعدم التطرق إلى كثير من المساهمات والرؤى العميقة التي زخر بها المؤتمر. وقد اختتم المؤتمر أعماله بعد أن ترك لنا جدول أعمال بحثي واضح. ونحن في الصندوق عاقدون العزم على خوض هذا التحدي.