بقلم: ﺒﺭﺍﺴﺎﺩ ﺃﻨﺎﻨثاكرﻴﺸﻨﺎﻥ

بعد اكتشاف احتياطيات الغاز الصخري مؤخراً في العديد من البلدان، وخاصة في الولايات المتحدة، ظهر بعض الاستبشار إزاء إمكانية انخفاض أسعار الوقود في السوق العالمية للغاز الطبيعي. وبالنسبة للبلدان المصَدِّرة للغاز الطبيعي ـ بما فيها بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ـ تتمثل القضية الأساسية في كيفية تأثير هذه التغيرات المحتملة على حصتها السوقية وشروط عملها في السوق. وبنظرة أكثر تدقيقاً في بعض الحقائق الراهنة، يتبين أن دواعي الاستبشار ربما تكون أقل من المتوقع.

ارتفاع الإنتاج في الولايات المتحدة

ارتفعت نسبة إنتاج الغاز الصخري في الولايات المتحدة من 1% إلى حوالي 34% من إجمالي إنتاج الغاز الطبيعي مع حلول عام 2011، طبقا لبيانات وكالة معلومات الطاقة الأمريكية. وتظهر الأهمية المتزايدة للغاز الصخري أيضاً في توقعات عام 2011 التي أصدرتها الوكالة بشأن موارد الغاز الصخري القابلة للاستخراج تقنياً في الولايات المتحدة، والتي تقدّر بأكثر من 860 تريليون قدم مكعب. ونتيجة لهذا الارتفاع الحاد في إنتاج الغاز، مصحوباً بهبوط الطلب على الغاز الطبيعي بعد الأزمة المالية، انخفض متوسط سعر غاز "هنري هَب" الأمريكي (وهو من أهم الأسعار المرجعية في هذه الصناعة) من أكثر من 10 دولارات أمريكية لكل مليون وحدة حرارية بريطانية في فترة ما قبل الأزمة العالمية إلى دولاريَن لكل مليون وحدة حرارية بريطانية خلال النصف الثاني من عام 2011 ـ وهو أدنى الأسعار المسجلة منذ عشر سنوات كاملة.

تفتت السوق يعني تفاوت الأسعار

لكن زيادة إنتاج الغاز الصخري في الولايات المتحدة كانت محدودة التأثير على سوق الغاز العالمية التي تعمل على نحو شبيه بعدة أسواق إقليمية مختلفة حيث فروق الأسعار كبيرة وآليات التسعير متباينة. ويعكس هذا التفتت الإقليمي اختلافات كبيرة في تكاليف العرض وترتيبات التعاقد وتكاليف النقل وأنماط الطلب، وكلها تؤثر على السعر.

وقد أدى تفتت السوق وتنامي الطلب في بلدان "آسيان" واليابان إلى بقاء أسعار الواردات أعلى بكثير من الأسعار السائدة في الولايات المتحدة، حيث تتراوح الأسعار الحالية في اليابان وكوريا وتايبيه الصينية، على وجه الخصوص، بين 15 و 17 دولاراً أمريكياً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. وكان متوسط أسعار الواردات اليابانية قد حقق تعافياً قوياً بعد عام 2010، حيث تجاوز 17 دولاراً أمريكياً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية خلال عام 2012. وفي الصين، سجلت الأسعار زيادة كبيرة أيضاً وصلت بها إلى 11 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، مما يعكس الفروق الكبيرة بين أسعارها وأسعار مورديها، لا سيما قطر وأستراليا. وبالمثل، بلغ متوسط أسعار الغاز في أوروبا ما بين 8 دولارات و 12 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية في الفترة 2011-2012. وبالنسبة للمستقبل القريب، ستقابِل هذا النمو في الطلب زيادة في واردات الغاز الطبيعي المسال، وربما في الإنتاج المحلي من الغاز الصخري في المستقبل غير القريب.

احتياطيات كبيرة خارج الولايات المتحدة، لكنها غير مستغلة

تشير التقديرات إلى احتمال وجود احتياطيات كبيرة من الغاز الصخري خارج الولايات المتحدة، وإن لم تتم بعد عملية تقييم وافية في هذا الخصوص. وقد بدأ كل من الجزائر والأرجنتين وأستراليا وكندا والصين والهند وبولندا والمملكة العربية السعودية والمملكة المتحدة، وغيرها من البلدان، في التنقيب عن موارد الغاز الصخري، لكن عدم اليقين بشأن العديد من الجوانب قد يتسبب في تأخر الإنتاج. فالصين، على سبيل المثال، لديها إمكانات واعدة من أفضل ما اكتُشِف حتى الآن، لكنها لم تتقن بعد تكنولوجيات الحفر اللازمة لاستغلالها. ولتشجيع الشركات الأجنبية على التنقيب عن الغاز الصخري وإقامة الشراكات مع الشركات الصينية، بدأت الصين بالفعل تعديل قوانينها، ولا يزال هناك عدد من القضايا الأخرى التي يتعين معالجتها في مجال التنظيم والتسعير.

أما أوروبا فهي تتحرك نحو الإنتاج بسرعة أبطأ من الصين، بل إنها لا تتحرك على الإطلاق في بعض الحالات. فقد وقعت أوكرانيا مؤخراً اتفاقا بشأن الغاز الصخري مع شركة "شل" بقيمة قدرها 10 مليارات دولار أمريكي، كما قررت المملكة المتحدة في الشهر الماضي فقط منح تخفيف ضريبي لتشجيع إنتاجه. لكن التقدم حذر في كل من هنغاريا وبولندا ورومانيا، وتم تعليق استخدام تكنولوجيا التصديع الهيدرولي ـ وهي التكنولوجيا الأكثر انتشارا لاستخراج الغاز الصخري ـ في كل من بلغاريا وفرنسا وشمال آيرلندا وسويسرا.

وفي هذه الأثناء، أقيمت في أستراليا محطات إنتاج جديدة ستجعلها أكبر منتج للغاز الطبيعي المسال في العالم، كما ستحقق ميزة إضافية تتمثل في موقع هذه المشروعات القريب من السوق الآسيوية. لكن التكاليف الرأسمالية لهذه المشروعات أعلى بكثير من تكاليف المشروعات المماثلة في البلدان التي تنتج بتكلفة منخفضة، مثل قطر.

وبالتالي، نجد أن الصين وأمريكا الشمالية هما البلدان المنتجان الأرجح أن يؤثرا على السوق العالمية في وقت قريب، حيث بدأت الولايات المتحدة الإنتاج بالفعل وتسعى الصين سعياً حثيثاً للبدء فيه. وإذا بدأت الصين الإنتاج على نطاق واسع، فسوف تتراجع وارداتها من الغاز الطبيعي المسال، ولا شك أن أسعار الاستيراد لن تكون مماثلة في الارتفاع لما تتحمله اليوم. فالطلب في الصين، على غرار الهند، ينمو بمعدلات سريعة يرجح معها استيعاب كل إنتاج محلي جديد للغاز. وبالنسبة للولايات المتحدة، يتعين إقامة بنية تحتية كبيرة حتى تستطيع البدء في تصدير الغاز الطبيعي المسال.

وهكذا، سيستغرق الأمر وقتاً حتى يصل الغاز الصخري إلى السوق، ولن يكون منخفض التكلفة. فطبقاً للمعادلة التي طرحتها شركة "شينييه" ـ إحدى الشركات الأمريكية التي يحتمل أن تقوم بتصدير الغاز ـ ستبلغ تكلفة تسليم صادرات الغاز الطبيعي المسال إلى آسيا 10 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. وعندما تبدأ هذه الإمدادات الجديدة في التدفق إلى السوق بالفعل، سيصبح لدى الشركات المصدرة حافز لتثبيت أسعارها بموجب عقود طويلة الأجل، بينما سيفضل المشترون الانتظار للحصول على أفضل سعر فوري.

أما في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فسيكون مستقبل سوق الغاز انعكاساً لما تتمخض عنه هذه الدوافع المتضاربة، وكذلك لذلك الدور الفريد الذي تؤديه صادرات الغاز في اقتصاد كل بلد. وبغض النظر عن طبيعة هذا الدور، فإن سرعة الحركة ستكون ميزة في التصدي للمخاطر الجديدة والاستفادة من الفرص الناشئة.