بقلم: كارلو كوتاريللي

(بلغات أخرى English)

على أثر الأزمة المالية العالمية في الفترة 2008-2009، ارتفعت نسب الدين العام في الاقتصادات المتقدمة إلى مستويات غير مسبوقة في أوقات السلم. وتؤدي هذه المديونية المرتفعة إلى تعريض البلدان لفقدان ثقة الأسواق، وتصل في نهاية المطاف إلى الإضرار بآفاق النمو طويل الأجل. ولذلك شرعت الاقتصادات المتقدمة في رحلة بدأت في عام 2010 لكي تصل بماليتها العامة إلى أراضٍ آمنة. إنها رحلة طويلة المدى، وليست نزهة سريعة. ولأنها تهدف إلى معالجة اختلالات المالية العامة الكبيرة التي سببتها الأزمة، دون الخروج عن مسار التعافي الاقتصادي الذي لا يزال هشاً، فهي تتطلب وتيرة مطردة وتدريجية في عملية التصحيح ـ على الأقل في البلدان التي لا تخضع لضغوط السوق.

ونرى هذا العام أن مسيرة التصحيح المالي التدريجي ستصل إلى علامتين فارقتين رمزيتين. الأولى هي الوصول بمتوسط العجز المالي كنسبة من إجمالي الناتج المحلي في الاقتصادات المتقدمة إلى نصف المستوى المسجل عند ذروة الأزمة في عام 2009. أما الثانية فهي توقف متوسط نسبة الدين عن الارتفاع، بعد الزيادة المطردة التي شهدها منذ عام 2007، بل إنه سيحقق انخفاضا طفيفاً بالفعل.

رحلة شاقة

بالطبع، لا يزال متوسط العجز مرتفعاً عند مستوى 4.5% من إجمالي الناتج المحلي، وقد لا يبدو إنجازاً يُذْكَر أن يتم تثبيت نسبة الدين العام إلى إجمالي الناتج المحلي عند متوسط 110% تقريباً. غير أن ما تحقق ينبغي ألا يستهان به.

أولاً، لقد جاءت هذه النتيجة على الرغم من تعرض البلدان لفترة ممتدة من النمو البطيء. والنمو البطيء يخفي جانباً من تأثير التصحيح المالي على الموازنة، حيث تتسبب العوامل الدورية في تضخيم نسبة العجز ونسبة الدين إلى إجمالي الناتج المحلي. وثانياً، إن تخفيض مستوى العجز إلى النصف لا يعني الوصول إلى نقطة المنتصف في هذه الرحلة. فالواقع أن معظم الاقتصادات المتقدمة تجاوزت هذه النقطة بالفعل، لأن الوصول إلى توازن الميزانية لا يمثل نقطة النهاية بالنسبة لمعظمها. فالاقتصادات التي بلغت ديونها مستويات تميل إلى الانخفاض بالفعل يمكن أن تستمر دون مشكلات في وجود عجوزات محدودة على المدى المتوسط.

ولم يكن الوصول إلى العلامة الفارقة الحالية أمراً سهلاً، إذ أننا لا نستطيع إنكار أن تصحيح أوضاع المالية العامة أدى إلى تباطؤ التعافي والنمو الاقتصادي، كما ساهم في بقاء معدلات البطالة عند مستويات مرتفعة. وقد أثرت صعوبات التصحيح على بلدان كثيرة بالفعل، وبدأت علامات الإرهاق تظهر في بعضها.

وبغض النظر عن بضع بلدان صغيرة نسبياً، نجد أن اختلالات المالية العامة لا تزال كبيرة في عشرة بلدان، هي الولايات المتحدة الأمريكية واليابان والمملكة المتحدة وسبعة من أعضاء منطقة اليورو (هي فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبلجيكا والبرتغال واليونان وأيرلندا). ولا تزال نسب إجمالي الدين في هذه البلدان تتجاوز 90% من إجمالي الناتج المحلي وتواصل الارتفاع وإن كان بسرعات مختلفة. والخبر السار بالنسبة لهذه المجموعة هي أن أعضاءها عشرة فقط. أما الخبر غير السار فهو أنها تساهم بحوالي 40% من إجمالي الناتج المحلي العالمي، مما يجعل سياسة المالية العامة المتبعة فيها أمراً بالغ الأهمية بالنسبة لبقية العالم.

تحديد المواقع مهم

تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن هذه البلدان ليست كلها على مسافة واحدة من الوصول إلى السلامة المالية. ويعرض تقرير "الراصد المالي" حسابات معدلة للتصحيح المالي المطلوب لخفض نسب الدين العام حتى تصل إلى مستويات يمكن التعامل معها على المدى الطويل. فلا يزال على فرنسا وبلجيكا بذل بعض الجهود في مجال التصحيح، وإن كانا ليسا بعيدين تماماً عن تحقيق الرصيد المستهدف. أما بقية البلدان فتواجه مهاماً أصعب، إذ تعتبر اليابان استثناءً واضحا من حيث حجم التصحيح اللازم ومستوى الرصيد الأولي الذي ينبغي الاحتفاظ به على المدى الأطول. أما إيطاليا فهي في وضع متميز، حيث تقترب من تحقيق رصيد أولي (الإيرادات ناقص النفقات بخلاف الفائدة) يضع نسبة دينها بشكل حاسم على مسار تنازلي متدرج؛ لكن هذا المستوى مرتفع تماما – فهو ثاني أعلى مستوى بعد اليابان.

ويتعين أن يكون متوسط الرصيد الأولي الذي تحتفظ به هذه المجموعة من البلدان في حدود 3.75-5.25 خلال الفترة 2020-2030 (أي أن عليها الاقتراب بالتدريج من هذا المستوى)، حسب افتراضات سعر الفائدة والنمو. ولكن كيف يبدو هذا المستوى مقارنةً بما سبق لهذه البلدان تحقيقه؟ هنا أيضاً يقدم تقرير "الراصد المالي" بعض البيانات المفيدة، حيث يستعرض أكبر أرصدة أولية تحققت من قبل لعشر سنوات في الاقتصادات المتقدمة، ويخلص إلى أن المستوى الوسيط في توزيع هذه الأرصدة الأولية يبلغ نحو 3.25% من إجمالي الناتج المحلي ـ وبالتالي فهو أقل من النطاق المشار إليه أعلاه، ولكن ليس بفارق كبير. وبالإضافة إلى ذلك، كانت الحاجة أقل في السابق للاحتفاظ بأرصدة أولية كبيرة، لأن الدين العام كان أقل بكثير مما هو عليه الآن. 

لا توجد طرق مختصرة

من الواضح إذن أن تخفيض نسب الدين إلى مستويات أكثر ملاءمة عن طريق تحقيق فوائض أولية عالية ثم المحافظة عليها هي مهمة قابلة للتنفيذ. لكنها لن تكون مهمة سهلة بأي حال. فهل هناك طرق مختصرة يمكن أن تسلكها البلدان نحو هذا الهدف؟ كلا، لا توجد للأسف بدائل سهلة. فقد تتطلب ضريبة التضخم وجود معدلات تضخم مرتفعة إلى حد كبير حتى تترك أثراً ملموساً على نسب الدين العام. أما فرض الضرائب على حملة السندات من خلال إعادة هيكلة الديون فليس بديلاً جيداً للتقشف، لأن نسبة كبيرة من هذه السندات في حيازة كيانات محلية، وخاصة في كثير من الاقتصادات المتقدمة. وفي المجمل، لا تزال نصيحة الصندوق هي: لا تيأس، بل واصل التقدم بخطى ثابتة. وبينما تواصل طريقك في هذه الرحلة، لا تنس الاستعانة على مشاق الطريق بالسيولة الكافية. وبعبارة أخرى، ينبغي المحافظة على الأوضاع النقدية التيسيرية، فسوف تكون مفيدة للاقتصاد ولحساب المالية العامة؛ كما أنها لن تضر بمصداقية السياسة النقدية إذا الم تُعتبر بديلاً للتصحيح المالي وإنما مكملاً له.

وهل سترشد البلدان بهذه النصيحة في عام 2013؟ نعم، على وجه العموم. فإذا أخذنا في الاعتبار حجم الاختلالات الحالية وقيود التمويل، نجد أن التصحيح المالي لا يزال جارياً في الاقتصادات المتقدمة بالسرعة الملائمة، مع بعض الاستثناءات: فنجد أن اليابان تتحرك ببطء شديد، حيث ستؤدي مجموعة التدابير التنشيطية إلى الإبقاء على نسبة العجز قريبة من 10% من إجمالي الناتج المحلي، مما ينشئ مخاطر على المالية العامة هناك. ومن ناحية أخرى، نجد التصحيح يميل إلى السرعة الشديدة في الولايات المتحدة ـ حيث يتوقع انخفاض العجز بمعدل هو الأسرع على مدار العقود الثلاثة الماضية. وعلاوة على ذلك، ففي بعض البلدان المتقدمة التي لا يزال الطلب الخاص فيها مخيباً للآمال على نحو مزمن، ينبغي النظر في تخفيف سرعة الضبط المالي إذا توافر لسياسة المالية العامة الحيز الكافي لإجراء هذا التعديل.