بقلم بول كاشين ولياندرو ميدينا

أدى سوء الأحوال الجوية وتصاعد أسعار النفط وتزايد الطلب إلى ارتفاع أسعار الغذاء العالمية ـ وخاصة الحبوب ـ في عام 2012 حتى بلغت مستويات غير مسبوقة منذ أزمة الغذاء العالمية في الفترة 2007-2008 (الشكل البياني 1).

وتعد بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من أكبر مستوردي الحبوب في العالم، مما يجعلها معرضة بوجه خاص لمخاطر ارتفاع أسعار الغذاء العالمية.

وبالرغم من أن صانعى السياسات فى بلدان المنطقة لا يمكنهم التأثير على العوامل التى تؤدى لارتفاع أسعار الغذاء على المستوى العالمى،فإن بإمكانهم تخفيف آثاره على المستوى المحلي. فكيف يكون ذلك؟

اعتماد المنطقة على الواردات الغذائية

انخفض مخزون القمح نسبياً في كثير من بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إذ تراجعت نسبة المخزون إلى الاستخدام في عام 2012 لتصبح أقل حتى مما كانت عليه في 2007-2008. ونظراً لخطورة الموقف، فقد ترتفع أسعار الغذاء والحبوب من جراء الضغوط التي يمكن أن تنشأ حال حدوث أي اضطراب جديد في الإمدادات من كبرى البلدان المصدِّرة للسلع الأولية.

ومن الملاحَظ أن مستويات استيراد الحبوب (كنسبة من إجمالي الناتج المحلي) أعلى بكثير من المتوسطات العالمية في عدد كبير من بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، علما بأن كلاً من العراق وموريتانيا واليمن، بوجه خاص، تعتمد على إمدادات الحبوب العالمية (الشكل البياني 2). ونتيجة لهذا الاعتماد على الواردات، حدثت زيادة كبيرة في وزن الغذاء ضمن الاستهلاك القومي في هذه البلدان، مما يعني أن أي ارتفاع حاد ومفاجئ في أسعار الغذاء سيُحْدِث انكماشاً كبيراً في القوة الشرائية لقطاع الأسر.

قياس المخاطر

لقياس مدى تعرض البلدان لمخاطر تصاعد أسعار الغذاء، أعد خبراء الصندوق "مؤشر التعرض لمخاطر الصدمات الغذائية"، وهو مزيج من الأوزان الترجيحية لنسبة الواردات الغذائية إلى مجموع استهلاك الأسر (كمؤشر للتبعية الغذائية)، ونسبة الواردات الغذائية إلى مجموع الواردات السلعية (كمؤشر لعبء الواردات الغذائية)، والدالة العكسية لنصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي (التي تقيس القدرة على توفير شبكات الأمان الغذائي للمستهلك المحلي).

ويشير ارتفاع قيمة المؤشر إلى زيادة احتمالات التعرض لمخاطر الصدمات الغذائية. ووفقا لهذا المؤشر، نجد أن ثُلثي بلدان المنطقة تقريباً معرضون لمستوى من المخاطر أعلى من المتوسط. وتقع الجزائر ومصر والأردن ضمن أعلى 25% من البلدان الأكثر تعرضاً لهذه المخاطر (الشكل البياني 3)، مما يشير إلى أنها معرضة للمخاطر ليس فقط بالقيم المطلقة، وإنما أيضاً بالمقارنة مع غيرها من بلدان العالم.

مواجهة الأثر على التضخم

بدأ صناع السياسات النقدية في الاقتصادات الصاعدة والنامية يتشككون في مدى صحة التركيز فقط على معايير التضخم الأساسية واستبعاد أسعار الغذاء. ولكى لا يؤدي ارتفاع أسعار الغذاء إلى التأثير على توقعات التضخم، قد يكون من الأفضل لصناع السياسات النقدية استهداف التضخم الكلي ـ مع عدم إغفال التضخم الأساسي كمؤشر مهم للتضخم المحلي.

بالإضافة لذلك، نجد أن تجاهل تطورات أسعار الغذاء قد يضر بالقوة الشرائية للأسر ويتسبب في تفاقم ظاهرة تفاوت الدخول لا سيما في الاقتصادات التي لا تتيح لكثير من الأسر المحلية فرصاً للحصول على الائتمان.

وللحد من درجة التعرض لمخاطر أسعار الغذاء في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يتعين إجراء إصلاحات أخرى. هذه الاصلاحات تشمل زيادة الإنتاج والإنتاجية الزراعية (خاصة في البلدان التي يقل فيها إنتاج الغذاء عن المستويات الممكنة) من خلال الإصلاح الزراعي، وتوسيع الرقعة الزراعية، وزيادة فرص الحصول على الائتمان في القطاع الزراعي. كما تشمل أيضاً إصلاحات تهدف إلى توفير شبكات الأمان الاجتماعي التى تستهدف المستحقين، وزيادة تحويلات الدخل إلى الفقراء، وتخفيض الضرائب والجمارك بصفة مؤقتة على الغذاء (كلما سمحت بذلك أرصدة الموازنة الكافية على أساس قابل للاستمرار).

وينبغي تجنب الدعم المعمم للأسعار والذى يستفيد منه جميع المواطنين دون تميز بين الفئات المستحقة والغير مستحقة، كما يجب مقاومة أي ضغوط لزيادة الأجور في القطاع العام والتى من شأنها أن تسبب زيادة فى الطلب ومن ثم الأسعار المحلية. وعلى الجانب الخارجي، يمكن للبلدان المستوردة للغذاء أن تسمح أيضاً بزيادة مرونة سعر الصرف الحقيقي والاعتماد على التمويل الخارجي لتدعيم وضع ميزان المدفوعات.

البُعْد الاجتماعي

إن التعرض لمخاطر أسعار الغذاء ليس مسألة اقتصادية فحسب ـ فهي مشكلة ذات بُعد اجتماعي للغاية. فمن شأن تصاعد أسعار الغذاء أن يضعف الأمن الغذائي على المستوى الوطني وعلى مستوى الأسر؛ وضعف الأمن الغذائي يتسبب في معاناة إنسانية، وهو ما يمكن أن يؤدي بدوره إلى حالة من السخط السياسي. وتفيد أبحاث الصندوق التي صدرت مؤخراً بأن انعدام الأمن الغذائي كان سبباً جوهريا من أسباب القلاقل الاجتماعية في العالم العربي خلال العقود الأخيرة.

وفي المرحلة الحالية التي تحاول فيها النظم السياسية الانتقالية تثبيت أقدامها، يصبح من الضروري الحد من المخاطر التي تهدد الاستقرار الاجتماعي والتي قد تنشأ نتيجة تقلب أسعار الغذاء.