بقلم كريستين لاغارد

أدعوكم اليوم جميعاً للاحتفال باليوم الدولي للمرأة. دعونا نحتفل بالتقدم الهائل الذي حققته المرأة على مدار العقود الماضية في مختلف جوانب المجتمع، حيث ساهمت في حياتنا الاقتصادية بدور أساسي سبق أن كافحت جداتنا من أجله وحلمن بتحقيقه. واليوم، رغم أن الرجال يستحوذون على المناصب التنفيذية في معظم المهن حتى الآن، فقد أصبحت المرأة تشغل مراكز رفيعة أيضاً في القطاع الخاص والمناصب العامة على مستوى العالم. لم تعد المرأة "الجنس الثاني" الذي كتبت عنه سيمون دو بوفوار.

لكن عدداً ضخماً من النساء يواجهن التحديات المرتبطة بأبسط الحقوق: حقهن في الأمان وفي اختيار الحياة التي يرغبن في عيشها.

ففي مختلف أنحاء العالم، نجد أن عدد النساء اللاتي يعملن بأجر أقل من عدد الرجال، إذ لا يشارك في سوق العمل إلا حوالي 50% من النساء اللاتي بلغن سن العمل. وفي كثير من البلدان، لا تزال القوانين واللوائح والأعراف الاجتماعية تفرض قيوداً على فرص المرأة في السعي للحصول على عمل مدفوع الأجر. وفي جميع أنحاء العالم، تتولى المرأة معظم الأعمال غير المنظورة غير ذات الأجر، سواء في الحقول أو في نطاق الأسرة.

أما النساء اللاتي يحصلن على أجر نظير العمل فهن يتقاضين أجراً أقل من زملائهن الرجال، حتى إذا تساوى العمل في الحالتين، وهو ما يسميه الاقتصاديون "فجوة الأجور بين الجنسين". وتبلغ هذه الفجوة حوالي 16% عبر البلدان المتقدمة والاقتصادات الصاعدة الأعضاء في "منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي". وينقطع عدد كبير من النساء عن العمل لفترات مؤقتة أو يعملن على أساس عدم التفرغ لرعاية أطفالهن أو أفراد أسرهن المسنين، ومن ثم يحصلن على معاشات تقاعدية أدنى ـ وهي مشكلة في حد ذاتها، ولها انعكاساتها على الموارد العامة. وغالباً ما تفرض النظم الضريبية ضريبة أعلى على من يطلق عليهم اسم "أصحاب الدخل الثاني" في الأسرة، مما يقلص حوافز العمل أمام المرأة.

وما كان من الأزمة الاقتصادية إلا أن زادت الصورة تعقيداً. ففي الاقتصادات النامية، هبطت معدلات إكمال التعليم للبنات بسرعة أكبر مقارنة بالبنين. وفي الاقتصادات المتقدمة، تواصل معدلات بطالة الإناث ارتفاعها ـ كما في البرتغال وإسبانيا على سبيل المثال. وإذا ما استمرت هذه الاتجاهات العامة إلى ما بعد الأزمة، قد تكون نذيراً بمشكلات أكبر من حيث مشاركة النساء في سوق العمل.

وتمتلك المرأة مواهب هائلة. ولذا فإن أصحاب الأعمال الذين لا يتيحون فرصاً متساوية للنساء يتجاهلون ببساطة جانباً كبيراً من القوى العاملة عالية المهارة. ويمكن أن يرتفع النمو بمعدلات أكبر بكثير في عدد كبير من البلدان إذا زاد عدد النساء اللاتي يعملن بأجر. ففي اليابان مثلاً، إذا ارتفع معدل مشاركة الإناث في سوق العمل إلى المستويات السائدة في شمال أوروبا، يمكن أن يرتفع نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي ارتفاعاً دائماً بنسبة 8%. كذلك تتمتع المرأة بإمكانات كبيرة في العمل الحر. فالشركات التي تملكها نساء، على سبيل المثال، تشكل نسبة تتراوح بين 30 و 40% من المشروعات النظامية الصغيرة والمتوسطة في الأسواق الصاعدة. وستؤدي زيادة دخل المرأة إلى تحسين مستويات التعليم، حيث تخلص الأبحاث إلى أن النساء ينفقن نسبة أكبر من دخولهن على رعاية أولادهن.

ويتطلب ذلك إجراء تغييرات في عدد كبير من المجالات أود الإشارة إلى بعضها فحسب، وهي التي أرى أنها كفيلة بإحداث فرق ملموس.

فرجال السياسة يمكنهم تغيير التشريعات لإعطاء المرأة فرصاً متساوية في التملُّك والحصول على الائتمان والعمل خارج المنزل. ومن خلال المساواة في الحصول على الخدمات الصحية والتعليمية والتدريب المهني، ستصبح المرأة مهيأة للعمل نظير أجر. كذلك سيؤدي تحسين البنية التحتية ووسائل النقل وخدمات رعاية الطفل إلى زيادة عدد النساء اللاتي يسعين للعمل بأجر. ففي ريف جنوب إفريقيا، على سبيل المثال، أتاح توافر الكهرباء فرصة للنساء كي يعملن ساعات أقل في المنزل وأكثر خارجه، مما زاد من مشاركتهن في سوق العمل بنسبة 9% تقريباً. وفي المكسيك، استفادت الأمهات العاملات من البرنامج الفيدرالي للرعاية النهارية المخصص لأطفالهن.

وفي الاقتصادات المتقدمة، سيدخل سوق العمل عدد أكبر من النساء إذا أعطين حق الحصول على إجازة أمومة وأتيحت لهن خدمات رعاية الطفل بأسعار معقولة. وتعد السويد مثالاً جيداً في هذا الخصوص، حيث الفارق بين معدلات مشاركة الرجال والنساء في سوق العمل تقتصر على 6 نقاط مئوية، مقارنة بفارق قدره 25 نقطة مئوية في اليابان. كذلك يؤدي كسر الحواجز بين عقود العمل على أساس التفرغ والعمل بعض الوقت إلى تشجيع المرأة على الانضمام إلى القوى العاملة. ففي هولندا مثلاً، ارتفع معدل مشاركة الإناث في سوق العمل من حوالي 35% في عام 1980 إلى أكثر من 80% في عام 2008، وهو ما يرجع في معظمه إلى جاذبية خيارات العمل على أساس عدم التفرغ. ذلك أن ترتيبات العمل المرنة تساعد المرأة على الموازنة بين مسؤولياتها المتعددة وتحقيق توازن أفضل بين حياتها العملية والخاصة.

ونحن نستطيع تقديم العون في هذا الخصوص. فصندوق النقد الدولي في حوار مستمر مع بلدانه الأعضاء حول كيفية تحقيق الاستقرار والنمو. ومشاركة النساء في سوق العمل جزء من هذه المعادلة ـ ولا سيما في الوقت الذي تسعى فيه بلدان كثيرة سعياً حثيثاً لمواجهة تأثير شيخوخة السكان وارتفاع الدين العام على ماليتها العامة. والحصول على التمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة قضية أساسية أخرى. ولسنا خبراء في كل العناصر المعقدة ذات التأثير في هذا المجال، لكن بإمكاننا التنبيه إلى القضايا المهمة والاستفادة من خبرة الآخرين. وبالإضافة إلى ذلك، يمكننا استخدام خبرتنا المتخصصة في مجال المالية العامة لاستكشاف السبل التي يمكن من خلالها تقييم مدى مساهمة النظم الضريبية ونمط تخصيص الموارد العامة في تحقيق المساواة بين الجنسين وتحسين الفرص المتاحة للمرأة.

واليوم، ونحن نحتفل باليوم الدولي للمرأة، نرى إنجازات مذهلة كما نشهد تحديات جسيمة. لكنني متفائلة بطبعي وأرى ما وراء التحديات. إن بناتنا وحفيداتنا سيحصلن على فرص أفضل من المتاح للمرأة في عالم اليوم. ولنتذكر دائماً أنه حين يُسمح للمرأة بتحقيق إمكاناتها الكاملة، لا يتحقق النفع للمرأة فقط، وإنما يعود على العالم أجمع.