بقلم أسامة كنعان، وأودو كوك، وماريوش سوملينسكي

(بلغات أخرى English)

في صباح يوم في مطلع ربيع عام 2011 في القدس الشرقية، ونحن نختتم مهمة استغرقت أسبوعين بتقديم عرض لممثلي الجهات المانحة عن صحة الاقتصاد الفلسطيني، بدا الحضور متفائلا من تقييمنا للأداء على مدى السنوات الثلاثة السابقة (2008 – 2010): فقد أخذ الاقتصاد يتعافى بقوة، تدعمه المعونة السخية وتخفيف القيود الإسرائيلية على الحركة والتجارة، وإحراز السلطة الفلسطينية تقدم مثير للإعجاب في بناء المؤسسات، اقترن بإدارة رشيدة للمالية العامة، مما عزز كفاءة القطاع العام، ووضع حدا لإهدار النفقات، وأتاح تخفيض عجز موازنتها الجارية من 1.7 مليار دولار أمريكي في 2008 إلى 1.1 مليار دولار أمريكي في 2010.

ولكن المزاج العام في القاعة أصبح اقل تفاؤلا مع تحول نقاشنا نحو المخاطر التي تواجه الاقتصاد. فكانت معونة المانحين قد بدأت بالتقلص ووصلت إلى مستويات أقل من المبالغ اللازمة لتمويل موازنات السلطة الفلسطينية المقيدة أصلا. وبدا الهبوط مدفوعا إلى حد كبير بفتور حماس المانحين بسبب وصول عملية السلام إلى طريق مسدود، والتحديات الاقتصادية العالمية المتزايدة، والتنافس على الاحتياجات إلى المعونة في بلدان المنطقة مع بدء ما أصبح يعرف باسم "الربيع العربي".

واليوم، وبعد مضي عامين، تواجه السلطة الفلسطينية أزمة كبيرة في المالية العامة، وهو ما يذكي التوترات الاجتماعية ويهدد عملياتها. فتفاقم النقص في معونة المانحين وحالات التأخر المتكررة في تحويل إيرادات المقاصة (وهي ضرائب غير مباشرة تحصلها إسرائيل نيابة عن السلطة الفلسطينية) أدى إلى سرعة تراكم متأخرات المدفوعات المحلية والاقتراض حتى الحدود القصوى المسموح بها من البنوك التجارية المحلية. كذلك أدى تراجع المعونة، مقترنا باستمرار القيود المفروضة على التجارة وحركة السلع والأشخاص إلى الإضرار بالنمو الاقتصادي كما ساهم في ارتفاع البطالة.

وهكذا فإن صعوبات التمويل التي تواجه السلطة الفلسطينية ستؤدي إلى حدوث عواقب سلبية وخيمة ما لم تُعالج على وجه السرعة. وبالنظر إلى محدودية المجال المتاح أمام تراكم مزيد من المتأخرات والديون، ستضطر السلطة الفلسطينية إلى تخفيض الرواتب في القطاع العام وكذلك النفقات التشغيلية الأساسية. وسيضر هذا التخفيض بشدة بعملياتها، ويمكن أن يسفر عن تراجع المكاسب المؤسسية التي تحققت في السنوات الأخيرة. حيث أدى تكرار حالات التأخر في سداد رواتب موظفي القطاع العام بالفعل إلى تكرار الإضرابات في الوزارات والمؤسسات الحكومية. وإضافة إلى ذلك، هناك مخاطر من تقلص المساعدات الموجهة للمحتاجين، مما سيزيد من حدة التوترات الاجتماعية. وأخيرا، فإن تراكم المتأخرات المحلية سيؤدي إلى إضعاف ثقة القطاع الخاص في قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها لسداد مستحقاتهم.

من هنا فهناك حاجة لإجراءات متضافرة من السلطة الفلسطينية وإسرائيل والمجتمع الدولي لمعالجة أزمة المالية العامة الراهنة والمساعدة في تحقيق تعافٍ دائم في المستويات المعيشية للفلسطينيين:

أولا، يتعين أن تستعد السلطة الفلسطينية لمواجهة احتمال استمرار نقص المعونة عن طريق احتواء عجز الموازنة. وتحقيقا لهذه الغاية هناك العديد من التدابير الرئيسية ومنها: كبح الزيادة في فاتورة رواتب القطاع العام، وتوخي مزيد من الدقة في توجيه بدلات الموظفين. وينبغي مواصلة ترتيب النفقات الأخرى حسب الأولوية وتقوية إدارة السيولة النقدية لضمان تحمل النفقات غير الضرورية لوطأة التخفيضات. وينبغي الاستمرار في تعزيز الإدارة الضريبية عن طريق توسيع القاعدة الضريبية وتحسين الامتثال الضريبي. كذلك من الضرورة بمكان المضي قدما في تنفيذ إصلاحات الخدمة المدنية ونظم التقاعد وتقوية الإطار القانوني للتعامل مع منشآت الأعمال.

وثانيا، فالتفاهمات التي تم التوصل إليها في منتصف 2012 بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل حول اتخاذ تدابير لتحسين تحصيل إيرادات المقاصة وضمان تحويلها إلى السلطة الفلسطينية في الوقت المناسب، تمثل خطوات مهمة نحو التعاون الاقتصادي الثنائي وينبغي تطبيقها من غير إبطاء، نظرا لأن إيرادات المقاصة تمثل الجزء الأكبر من دخل السلطة الفلسطينية.

كما لابد من توسيع نطاق هذا التعاون ليشمل تخفيف القيود الإسرائيلية على التجارة الخارجية وحركة السلع والأشخاص في الضفة الغربية وغزة كمطلب ضروري لزيادة النمو وفرص العمل في القطاع الخاص وتخفيف اعتماد السلطة الفلسطينية على المعونة. فعلى مدى العقدين الماضيين، تأثرت حصة الفرد من إجمالي الناتج المحلي الحقيقي بشكل كبير بمدى فرض هذه القيود (راجع الشكل البياني).

وأخيرا، من الأهمية بمكان أن يعود المجتمع الدولي إلى المشاركة في دعم التنمية الاقتصادية في الضفة الغربية وغزة، وخاصة من خلال توفير إطار للتعاون الاقتصادي بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وعلى صعيد العمل الفوري، من الضروري تدعيم جهود السلطة الفلسطينية من خلال الصرف العاجل للمعونة الإضافية من المانحين لمنع تراكم مزيد من المتأخرات والديون المستحقة للبنوك التجارية وتجنب حدوث اضطرابات خطيرة في العمليات الأساسية للسلطة الفلسطينية. ومن الضروري صرف المعونة في الوقت المناسب لانتهاج مسار منتظم ومتواصل نحو تخفيض عجز الموازنة وبناء المؤسسات وصولا إلى دولة فلسطينية تعتمد على ذاتها.