بقلم كارلو كوتاريللي وفيليب غيرسون

(بلغات أخرى English)

مضى شهر من عام 2013، وإذا استرشدنا بتجارب الماضي يمكننا القول بأن كثيراً من الناس قد نسوا الآن تعهداتهم التي قطعوها عن أشياء كانوا ينوون القيام بها في العام الجديد.

فمن التقاليد القديمة الشائعة في كثير من البلدان أن يقرر الناس أموراً لأنفسهم في بداية العام الجديد، وهي في العادة أمور في صالحهم الشخصي، مثل الوصول إلى وزن صحي. ومن التقليدي والمؤسف أيضاً أن هذه التعهدات سرعان ما تصبح طي النسيان، إلى أن تُبعَث من جديد في نهاية العام مع تكرار السيناريو وتكرار النتائج.

ولكن على عكس الكثير من هذه القرارات، تم الالتزام إلى حد كبير بالتعهدات التي قطعتها معظم الاقتصادات المتقدمة فيما يتصل بتخفيض عجز ماليتها العامة في عام 2012. فقد انخفض متوسط العجز الكلي في هذه البلدان بنحو 0.75% من إجمالي الناتج المحلي في العام الماضي، مما وصل بالعجز التراكمي إلى 3% من إجمالي الناتج المحلي مقارنة بالوقت الذي بلغ فيه عجز الموازنة إلى مستوى الذروة في عام 2009. وهذه تطورات ايجابية.

بل إن العجز هبط في بعض البلدان إلى مستوى بدأ عنده انخفاض نسب الدين بالفعل، بينما استقرت نسب الدين في عدة بلدان أخرى.

لكن هناك مجموعة أخرى من البلدان ـ التي تضم للأسف بعض أكبر اقتصادات العالم ـ لا تزال نسب الدين فيها تواصل ارتفاعها السريع أو أنها استقرت عند مستويات بالغة الارتفاع. وسيحتاج كثير من هذه البلدان إلى تحقيق خفض كبير في عجز المالية العامة خلال السنوات القادمة حتى تعود نسب الدين إلى مستويات يمكن الاستمرار في تحملها، وينبغي حتى على البلدان التي استقرت فيها نسب الدين أو بدأت تتراجع أن تلتزم بالحفاظ على قوة مالياتها العامة لعدة سنوات قادمة حتى تعود بالدين العام إلى مستويات آمنة.

وهناك بضعة قرارات أخرى من المناسب اتخاذها في بعض البلدان. ففي الولايات المتحدة واليابان، ينبغي العزم على اعتماد خطط موثوقة للمدى المتوسط والبدء في تشريعها، حتى تعود المالية العامة إلى وضعها السليم. ومما يزيد من ضرورة تثبيت مسار الدين والعجز في اليابان على المدى الأطول أن السلطات اليابانية قررت القيام مؤخراً بإجراءات قصيرة الأجل للتنشيط المالي.

ومن التطورات الإيجابية في الولايات المتحدة أنها تجنبت الدخول فيما يطلق عليه اسم "المنحدر المالي"، ولكنها تحتاج إلى توطيد العزم أيضاً على رفع الحد الأقصى للديون على وجه السرعة (وليس فقط لشهور قليلة).

وتعد المخاوف المثارة حول تأثير خفض العجز على النمو مخاوف مشروعة، لكن هذا الأثر سيعتمد على التصميم الذي يتحدد لسياسات التصحيح المالي، وكذلك على توقيتها.

ففي الظروف العادية، حين تخفض الحكومة دولاراً من الإنفاق، ينخفض الناتج في العادة بمقدار أقل من ذلك لأن بعض الموارد التي كانت تستخدم لإنتاج السلع والخدمات للقطاع العام يتم تحريرها لكي تنتج للقطاع الخاص بدلاً منه.

ولكن إذا كان القطاع الخاص ضعيفاً، لا يتحقق التعويض الجزئي لتخفيضات الإنفاق الحكومي عن طريق زيادة إنفاق الأسر والشركات. ومع وصول أسعار الفائدة في كثير من الاقتصادات المتقدمة إلى مستوى يقترب من الصفر، لا يوجد مجال يُذكر أمام البنوك المركزية لكي تحد من تأثير التقشف المالي عن طريق تيسير السياسة النقدية. ولذلك يتعين على الحكومات التي تستطيع التحرك تدريجياً أن تتوخى الحذر حتى لا تشدد السياسة بدرجة أكبر مما ينبغي.

لكن الأوضاع الضعيفة الحالية لن تستمر إلى الأبد. فمع تحسن الميزانيات العمومية في القطاع الخاص واستعادة قدرة البنوك على الإقراض، سيتحسن الطلب الخاص. وعندما يحدث ذلك، ستزداد قوة الطلب الخاص لتعوض انخفاض الطلب الحكومي على السلع والخدمات. ولا شك أن ذلك سيتطلب استمرار الأوضاع النقدية التيسيرية لفترة طويلة. وهذا هو ما أكده بنك الاحتياطي الفيدرالي مؤخراً وما ينبغي أن تفعله البنوك المركزية الأخرى.

ويعني هذا أن البلدان التي تحتاج إلى تشديد سياساتها ينبغي أن تعمل على تخفيض عجز ماليتها العامة بشكل تدريجي ومطرد عندما تتحسن ظروف التمويل، حتى تتجنب تركيز الإجراءات بشكل مفرط في البداية، وهو ما ندعو إليه منذ فترة.

وينبغي أن يكون التركيز على "التدرج" و"التصحيح" في آن واحد: فلن يكون من المعقول الاكتفاء بتأجيل التصحيح بالكامل إلى فترة في المستقبل. ويدرك عدد كبير من البلدان التي تطبق برامج للتصحيح يدعمها الصندوق أنه يتعين تجنب التركيز المفرط في البداية. فعلى سبيل المثال، تمت مراجعة أهداف المالية العامة في كل من أيرلندا والبرتغال استجابةً لتباطؤ النمو، مما سمح بإجراء عملية الضبط المالي على نحو أكثر تدرجاً مما كان سيحدث إذا ظلت أهداف العجز الأصلية دون تغيير.

إن اتخاذ القرارات أمر سهل، لكن تنفيذها صعب، حتى إذا كنا نعلم أنها في صالحنا. وفي البيئة العالمية المحاطة بعدم اليقين في الوقت الراهن، سيكون من الصعب بالفعل تخفيض العجز المطلوب في بعض البلدان المتقدمة. لكن التقدم التدريجي المطرد هو المسار الآمن والأكيد نحو صحة أفضل في المستقبل، سواء كان الأمر يتعلق بتخفيض العجز المفرط أو إنقاص الوزن الزائد. ونرجو لكل البلدان ـ والأفراد ـ الالتزام بقرارات هذا العام.