بقلم: ديفيد ليبتون 

مع بداية العام الجديد، يحدونا الأمل في أن تصبح الأزمة المالية العالمية وراء ظهورنا. ولكن يجب ألاَّ ننسى أن علينا أيضاً القيام بالمزيد من أجل تأمين المستقبل.

فبعيداً عن المشكلات الاقتصادية والمالية الحالية، هناك قضايا طويلة الأجل معروفة للجميع، لكنها لا تحظى باهتمام يذكَر في وقت ينشغل فيه صناع السياسات انشغالاً كاملاً بمواجهة مشكلات ذات اهتمام أكبر فى الوقت الحالى. ومن المؤسف أن القضايا طويلة الأجل التي تُترَك اليوم دون علاج، سوف تتحول غداً إلى أزمات.  

ومن ثم يجدر بنا أن نركز على المدى الأطول، ونبذل جهداً أكبر ليسير الاقتصاد العالمي في اتجاه أفضل.

قضايا الساعة

يبذل صناع السياسات حول العالم جهوداً متواصلة لإصلاح الاقتصاد كل في بلده. وفي العام القادم، سيتعين عليهم الاستمرار في دعم النمو مع العمل على تصحيح الاختلالات الاقتصادية عن طريق الإجراءات التالية: 

  • تطبيق سياسة نقدية تيسيرية  
  • تحقيق التوازن في تصحيح أوضاع المالية العامة ـ أي تطبيق التقشف المالى كلما أمكن ذلك، مع الحرص على دعم النمو في الأجل القصير
  • استكمال تنقية القطاع المصرفي وزيادة أمان النظم المالية
  • تنفيذ إصلاحات تحقق مزيداً من الإنتاجية وتعزز إمكانات النمو

ومن المنتظر أن تكون إعادة توازن الطلب العالمي بزيادة التركيز على الأسواق الديناميكية، بما فيها الاقتصادات الصاعدة، عاملاً مساعداً أيضاً في استكمال هذه الجهود.  

هذه هي أهم قضايا الساعة وسيكون تركيزنا جميعاً عليها. لكن علينا أيضاً أن نضع على جدول أعمالنا عدة قضايا طويلة الأجل.
 

من التنمية إلى التقارب

ينظر بعض الخبراء إلى العالم اليوم في أعقاب الأزمة المالية ويتنبؤون بمستقبل تختفي فيه العولمة. لكن الأرجح أن العولمة ستستمر، مثلما استمرت السيارات بعد أن تكيف استخدامها مع الحوادث، ولكنها ستصبح محكومة بقواعد اقتصادية تعادل حدود السرعة والصَدَّامات وأحزمة المقاعد. وفي ذلك العالم، سيعتمد ارتفاع مستويات المعيشة على مدى استفادة كل الاقتصادات من إمكاناتها المتاحة، مع الاندماج في الاقتصاد العالمي بطريقة منظمة.

وفي الجيل أو الجيلين القادمين، ستكون البلدان الصاعدة والنامية مصدراً لأكبر الإمكانات غير المستغلة بعد في تسيير النمو العالمي. وقد اعتدنا على التفكير في تحدي التنمية، لكن علينا التحول إلى التفكير في تحدي التقارب. ومن الأولويات القصوى في هذا السياق مساعدة البلدان الصاعدة والنامية على إرساء مسارات للنمو تحقق تقارباً مستمراً في مستويات المعيشة نحو المستويات السائدة في البلدان الغنية. ويعني هذا تحديث ما يتطلبه تعزيز النمو وتوظيف العمالة من هياكل ومؤسسات اقتصادية حيوية، إلى جانب المؤسسات السياسية الداعمة. ويعني هذا أيضاً تحقيق التكيف مع التكنولوجيات الجديدة وانتشارها عالمياً. وبالإضافة إلى ذلك، فمن المرجح أن تزداد وتتعقد كل أشكال التنسيق بين السياسات، من تنظيم الأسواق المالية إلى السيطرة على الأضرار الخارجية مثل انبعاثات الكربون والتلوث.  

القضايا الأساسية على المدى الطويل

هذا هو المستقبل الذي ينبغي أن ننظر إليه ونبدأ الاستعداد له. وفي هذا الخصوص، هناك ثلاث قضايا أساسية أعتقد أنها تستحق اهتماماً وتحركاً أكبر مما يحدث في الوقت الراهن، وهي:

  1. تشجيع ومساعدة البلدان على تحديث هياكلها ومؤسساتها الاقتصادية الحيوية لتعزيز النمو وتوظيف العمالة.
  2. تعزيز الرابطة بين التكنولوجيا والنمو بحيث تتمكن البلدان من الحفاظ على قدرتها التنافسية وتوفير المزيد من فرص العمل بدلاً من تخفيض الفرص القائمة.  
  3. التصدي لتحديات تغير المناخ: فمع استمرار ظاهرة الانبعاث الحرارى على المستوى العالمي، سيؤدي الفشل في تخفيف هذه الانبعاثات إلى تكاليف ومصاعب قد يصعب التخلص منها فيما بعد.  

وينبغي أن يعمل صناع السياسات على تحديث وإنعاش اقتصادات بلدانهم عن طريق إجراء إصلاحات هيكلية.

ومن بين الإصلاحات الضرورية تحسين استجابة أسواق العمل لاحتياجات المؤسسات، مع جعلها أكثر احتواءً للقوى العاملة. وينبغي أيضاً وضع سياسات لزيادة المنافسة في أسواق المنتجات والخدمات، وخاصة في أوروبا، وإن كان ذلك ينطبق على كل البلدان أيضاً. وفي منطقة اليورو، ينبغي إعطاء أولوية أيضاً لتنفيذ كافة الخطوات اللازمة نحو إقامة اتحاد مالي ومصرفي.  

ويواجه صناع السياسات فى الوقت الحالى تحدياً يتمثل في إيجاد التوازن المناسب بين تحقيق التطلعات الكبيرة للمواطنين وتنفيذ القرارات الصعبة المطلوبة للسيطرة على المالية العامة واستعادة قوة النظم المالية التي أصابها الضعف.

فنحن نعلم أن هناك تفاوتاً كبيراً بين البلدان من حيث مساحة التصرف المتاحة من خلال السياسات ومدى استعداد الحكومة والمجتمع لمعالجة هذه القضايا. وتزداد حدة هذه التحديات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على وجه الخصوص، حيث يتعين على البلدان أن تقوم بإصلاحات صعبة تهدف إلى تعزيز النمو على المدى المتوسط، مع القيام في نفس الوقت بتحقيق الاستقرار الاقتصادي على المدى القصير.  

ومن الملاحظ أن التغير التكنولوجي يواصل تأثيره العميق على العلاقة بين السكان ومساهمتهم في نمو اقتصادات بلدانهم. ويشعر المرء بالدهشة إزاء هذا الانتشار الواسع لأجهزة الحاسوب المحمولة وكل ما أصبح بإمكانك إنجازه بعيداً عن مكتبك. لكن التكنولوجيا تؤثر على العمالة أيضاً، حيث تحقق توسعاً في الإمكانيات المتاحة، كما تتحكم في القرارات المتعلقة بتوفير التكاليف واستراتيجيات الاستثمار. وإذ ننظر فيما يعنيه التقدم التكنولوجى بالنسبة لاقتصاداتنا وحياتنا، ينبغي أن تعمل البلدان على تحقيق التوازن الصحيح عن طريق الاستثمار في التكنولوجيا للحفاظ على قدرتها التنافسية مع معالجة آثار ذلك على الأجور والوظائف.  

وقد خلص تحليل الخبراء إلى أن تغير المناخ وظاهرة الانبعاث الحرارى على المستوى العالمي يفرضان مخاطر حقيقية على الأداء الاقتصادي، وخاصة في بعض البلدان الأقل قدرة على التصدي لها، ومنها زيادة عدد الأحداث المناخية الكبرى وزيادة معدلات حدوثها.  

وغالباً ما تأتي هذه الأحداث بتكلفة بشرية واقتصادية كبيرة. ويذكرنا إعصار ساندي بمدى الضرر الذي يمكن أن توقِعه مثل هذه الأحداث، إذ وصلت تكاليفها إلى ما يقرب من 70 مليار دولار في نيويورك ونيوجيرسي فقط. وإذا أصبحت الأعاصير المدمرة إلى هذا الحد ظاهرة معتادة، فحتى بلد مثل الولايات المتحدة الأمريكية لن يسلم من الانعكاسات الاقتصادية والمالية الخطيرة بفعل الظواهر الطبيعية، مما يرجح معه أن يتفاقم وضع الميزانية، وهو وضع قاتم أصلاً.  

ومن الخطوات المهمة لمواجهة تحدي المناخ إلغاء دعم الوقود في كل البلدان وتطبيق نظام قوي لتسعير الكربون من أجل تشجيع الحفاظ على الموارد الطبيعية واستخدام وقود أنظف في جميع أنحاء العالم (وتقديم المساهمة الملحة المطلوبة لتحسين أوضاع المالية العامة). وربما تكون التكنولوجيات الجديدة مفيدة أيضاً. ولكن التقدم في هذا المجال لا يزال بطيئاً للغاية.  

لنبدأ الآن

إن بإمكاننا تحقيق مستقبل مشرق إذا بدأ الجميع في العمل على الفور ـ سواء في ذلك الحكومات والمجتمع المدني والقطاع الخاص. فمعاً يمكننا أن نستفيد أكثر من إمكاناتنا الاقتصادية، بما في ذلك استخدام التكنولوجيات الجديدة، كما يمكننا التنسيق لتحقيق نمو مستمر ومتوازن.

ومع إطلالة العام الجديد، حان الوقت لكي نتطلع إلى المستقبل وننظر إلى قادم الأيام.