بقلم: كارلو كوتاريللي يزيد تباطؤ النمو الاقتصادى العالمي من صعوبة تصحيح أوضاع المالية العامة في شتى أنحاء العالم، لكن ذلك لا يقلل من حجم ما تم إنجازه حتى الآن. فقد حدث تقدم هائل خلال العامين الماضيين في تعزيز حسابات المالية العامة بعد التدهور الذي شهدته في 2008-2009. ويستعرض العدد الأخير من تقرير الراصد المالي* الذى يصدره الصندوق ما تم انجازه فى هذا الشأن.

انخفاض العجز المالي وكذلك الدين في كثير من الحالات

أود أن أتحدث أولاً عن الاقتصادات المتقدمة حيث توجد أكثر المشكلات المالية إلحاحاً. فقد استطاع معظم الاقتصادات المتقدمة تحقيق تقدم جيد في خفض عجزها المالي (الاختلال بين الإنفاق والإيرادات)، حيث تراجع مستوى العجز - بعد تعديله لمراعاة الدورة الاقتصادية - بحوالي 0.75 نقطة مئوية من إجمالي الناتج المحلي في 2011 و2012، ويُتوقع أن يتراجع بمقدار نقطة مئوية تقريباً من إجمالي الناتج المحلي في 2013. ولكن كما أشرت فى فيديو الراصد المالي، فإن هذا التراجع لا يكفي لإيقاف الزيادة في الدين العام: فعلى الرغم من انخفاض مستوى اقتراض البلدان عن ذي قبل، لا يزال حجم اقتراضها كبيراً، ولا تزال ديونها في ارتفاع مستمر بوجه عام، بما في ذلك نسبة تلك الديون لإجمالي الناتج المحلي.  ويرجع ذلك جزئياً إلى انخفاض نمو إجمالي الناتج المحلي. ولكن تجدر الاشارة إلى أنه بالرغم من استمرار نسب الديون في الارتفاع، فهي ترتفع بوتيرة أبطأ مما سبق. غير أن هذه مجرد متوسطات، تخفي الكثير من التفاصيل المهمة. ودعونا نرصد التطورات فى مستويات العجز المالى والديون فى الاقتصادات المتقدمة. وبوجه عام، يمكننا تقسيم الاقتصادات المتقدمة إلى ثلاث مجموعات.

ويوضح هذا الرسم البياني متوسط العجز المالي في هذه البلدان والزيادة في نسبة الدين بمرور الوقت، حيث يمثل المحور الرأسي مستوى العجز بدءاً من 2007، بينما يوضح المحور الأفقي التغير التراكمي في نسبة الدين منذ 2007.

وبالنسبة للبلدان المُدرجة في المجموعة الأولى، والتي يمثلها الخط الأزرق، زاد مستوى الدين والعجز المالي في البداية ثم بدأ العجز في التراجع، وإن استمرت نسبة الدين في الارتفاع. ومع مرور الوقت، وجدنا أن نسبة الدين تلحق بالعجز المالي وتبدأ في الانخفاض أيضاً، وذلك في السنوات الأخيرة.

وتتألف المجموعة الثانية، والتي يمثلها الخط الأخضر، من البلدان التي لم تبدأ نسبة الدين فيها في الانخفاض بعد، وإن أوشكت على ذلك. وفي هذه المجموعة، يسجل العجز المالي انخفاضاً مستمراً وتبدأ الزيادة في نسبة الديون في التراجع تدريجياً، وإن لم تتجاوز تماما المنعطف الحرج فيما يتعلق بالدين، الذي يظل منخفضاً نسبياً برغم ذلك.

أما المجموعة الثالثة، والتي يمثلها الخط الأحمر، فتتألف من البلدان التي تتسم بارتفاع الاختلالات المالية فيها. وقد بدأ العجز في التراجع فى معظم هذه البلدان، وإن ظل مستوى الدين مرتفعاً، أو مستمراً في الارتفاع، أو كليهما.

فما الذي ينبغي عمله الآن؟

سيتعين على كثير من البلدان، وتحديداً تلك التي تندرج ضمن المجموعة الثالثة، مواصلة التصحيح المالي لعدة سنوات. وكما أكدنا من قبل، ستعتمد سرعة التصحيح المالى اللازمة على حجم الاختلالات المالية، ومستوى ضغوط السوق، وسلامة الاقتصاد ككل. وبوجه عام، لا نزال نعتقد أن إجراء التصحيح المالي بوتيرة تدريجية نسبياً هو الخيار الأفضل، نظراً للضعف الذي لا يزال يعانيه النشاط الاقتصادي. وفي الولايات المتحدة، سوف يتطلب الحفاظ على وتيرة تدريجية للتصحيح تجنب "المنحدر المالي" الناجم عن تخفيضات الإنفاق التلقائية، واتخاذ إجراءات في الوقت المناسب لرفع الحد الأقصى للدين.

أما بالنسبة للاقتصادات الصاعدة، فيؤكد تقرير "الراصد المالي" بوجه عام أن مستويات العجز والدين في هذه الاقتصادات أقل بكثير منها في الاقتصادات المتقدمة. وسيوقف معظم هذه البلدان عمليات التصحيح المالي مؤقتاً خلال 2012 و2013: بحيث يصل متوسط التصحيح المالي في هذه البلدان إلى صفر تقريباً في العام الحالي والعام القادم، بعد أن كان كبيرا في 2010 و2011. ويأتي ذلك كاستجابةً ملائمةً لضعف الآفاق الاقتصادية العالمية، وإن كان هناك عدد من الاقتصادات الصاعدة، التي سيتعين عليها بذل جهود كبيرة في الأجل المتوسط لخفض مستويات العجز والدين الكبيرة. ومن الأمور المهمة بالفعل أن عدداً من الاقتصادات الصاعدة لا يزال يسجل عجزاً أولياً كبيراً للغاية – حتى أن الإيرادات لا تكفي لتغطية النفقات (بخلاف الفوائد) – برغم تسجيل هذه الاقتصادات نموا قوياً بالمقاييس التاريخية على مدار عدة سنوات. ومن ثم، سيتعين على هذه البلدان البدء في إحراز تقدم مرة أخرى في سبيل خفض مواطن الضعف في ماليتها العامة، عندما تتراجع مخاطر التطورات السلبية التي تهدد النمو العالمي.

 

* باللغة الانجليزية