بقلم مسعود أحمد

كتبت في تدوينتي السابقة عن الغرض من صندوق النقد الدولي وأهم وظائفه. ومن الأدوار التي يضطلع بها الصندوق إقراض البلدان الأعضاء التي تمر بضائقة مالية أو التي ترغب في الوقاية من مشكلة وشيكة في الاقتصاد الكلي.

وتلجأ البلدان الأعضاء عموما إلى الصندوق للحصول على التمويل اللازم عندما تمر بصعوبات اقتصادية ويتعذر عليها الحصول على التمويل الكافي بشروط معقولة من أسواق رأس المال لكي تتمكن من أداء المدفوعات الدولية المستحقة مع الاحتفاظ بمستوى ملائم من الاحتياطيات. وقد تنشأ هذه الصعوبات عن عوامل خارجية ـ كأن تطرأ زيادة حادة في أسعار الغذاء أو الطاقة العالمية فتؤدي إلى تضخم تكلفة الواردات في البلد المعني، ومن ثم زيادة عجز الحساب الجاري. وقد تنشأ عن السياسات الاقتصادية المحلية التي تسببت في وصول عجز الموازنة إلى مستوى لا يمكن الاستمرار في تحمله أو ظهور مشكلات في ميزان المدفوعات أو كليهما.

كيف يمكن أن يفيد القرض المقدم من الصندوق؟

المساهمة في استعادة الثقة

لا توفر قروض الصندوق في معظم الحالات سوى جزء يسير فقط مما يحتاجه البلد المقترض لتمويل ميزان مدفوعاته. ولكن نظرا لأن إقراض الصندوق يرسل إشارة بأن السياسات الاقتصادية في هذا البلد تمضي على المسار الصحيح، فإنه يطَمئن المستثمرين ومجتمع الدائنين الرسمي، ويساهم في توليد تمويل إضافي.

وبالتالي، يمكن أن يقوم التمويل المقدم من الصندوق بدور الحافز لجذب الأموال من مصادر أخرى.

المساهمة في تصحيح الاختلالات الاقتصادية

على الرغم من أن الصندوق يقدم القروض طواعية لمساعدة البلدان الأعضاء على التعامل مع نقص السيولة في الأجل القصير، فإنه يشترط في المقابل تنفيذ سياسات (برنامج اقتصادي) تساعد على حل المشكلات الأساسية التي أدت بالبلد المعني إلى الاقتراض في المقام الأول. ففي النهاية، لن يكون من المنطقي أن نجد المشكلات التي أنشأت الاحتياج إلى تمويل الصندوق بدون حل في آخر المدة، وأن يصبح على البلد المقترض دين إضافي يتطلب السداد!

وتختلف هذه السياسات باختلاف ظروف البلدان، لا سيما الأسباب الجذرية لنشوء المشكلات.

فعلى سبيل المثال، إذا تعرض أحد البلدان لهبوط مفاجئ في سعر سلعة أساسية من سلع التصدير، قد يحتاج هذا البلد إلى مساعدة مالية تمكنه من تجاوز هذه المرحلة إلى أن تتحسن الأسعار، وتخفف المشقة التي تصاحب عملية التصحيح حتى يكتسب الاقتصاد مزيداً من التنافسية والتي يمكن أن تكون عملية شاقة بدون هذا التمويل. والبلد الذي يتعرض لهروب رؤوس الأموال يحتاج إلى معالجة المشكلات التي أفضت إلى فقدان ثقة المستثمرين، والتي قد تكون أسعار الفائدة شديدة الانخفاض، أو سعر الصرف المبالغ في قيمته، أو عجز الموازنة الحكومية الكبير، أو رصيد الدين الذي يبدو آخذا في الزيادة بسرعة مفرطة، أو النظام المصرفي المحلي الذي يتسم بعدم الكفاءة وضعف التنظيم.

المساهمة في تخفيف مشقة التصحيح

بشكل عام، يقتضي التعامل مع اختلالات المالية العامة والحسابات الخارجية أن تتخذ الحكومات قرارات شاقة، مثل تخفيض الإنفاق الحكومي أو زيادة الضرائب أو رفع أسعار صرف العملات الشحيحة. ويتمثل دور التمويل المقدم من الصندوق في مساعدة البلدان على تخفيف المشقة المصاحبة لهذه الإجراءات التصحيحية بتوفير قدر من الدعم الواقي وإتاحة مزيد من الوقت لمعالجة المشكلات الأساسية.

وبغير تمويل الصندوق، يمكن أن تصبح عملية التصحيح أكثر صعوبة. فعلى سبيل المثال، إذا أعرض المستثمرون عن شراء السندات الحكومية التي يصدرها البلد العضو، لا يكون أمام حكومته أي خيار سوى تخفيض مبلغ التمويل المطلوب ـ بتخفيض الإنفاق أو زيادة الضرائب ـ أو تمويل العجز من خلال طبع النقود. وتصبح عملية "شد الأحزمة" التي تنطوي عليها الحالة الأولى أكثر حدة إذا لم يحصل البلد على قرض من الصندوق. وبينما يبدو طبع مزيد من النقود خياراً مغرياً، فإن نتيجته هي التضخم الذي يلحق الضرر بالفقراء أكثر من أي فئة أخرى. أما الحصول على تمويل من الصندوق فيمكن أن يسهل إجراء تصحيح اقتصادي أكثر تدرجاً ودقة.

المساهمة في التمويل بتكلفة منخفضة

يمثل الاقتراض من الصندوق خياراً منطقياً إلى حد كبير.

فنظرا لطبيعة الصندوق كمؤسسة مالية تعاونية، فإنه لا يحدد الرسوم التي يتقاضاها بهدف تحقيق الربح. بل إن سعر الفائدة الحالي على قروض الصندوق يبلغ حوالي 1.5%، وهو سعر أقل بكثير مما تدفعه الحكومات في العادة مقابل الاقتراض من الأسواق المالية المحلية.

والواقع أن مواصلة الاقتراض من الأسواق المحلية بأسعار شديدة الارتفاع يمكن أن يساهم بالفعل في إحداث تضخم مفرط في المديونية القومية. وجدير بالذكر أيضا أن قروض الصندوق ـ كشكل من أشكال الاقتراض الخارجي ـ لها ميزة إضافية هي إتاحة فرصة أكبر أمام البنوك لكي تقرض القطاع الخاص، ولا سيما المشروعات الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل عنصرا حيويا في توفير المزيد من فرص العمل وتشجيع النمو الذي يعود بالنفع على كل شرائح السكان.

الاقتراض من الداخل أم من الخارج؟

يتساءل بعض المعلقين عما إذا كانت بلدان التحول العربي تستطيع تحمل المزيد من الدين الخارجي، بما في ذلك القروض من صندوق النقد الدولي، وكيف يمكن أن يكون الاقتراض من الصندوق نافعاً لها. ويتساءل بعض النقاد أيضاً عما إذا كان من الأفضل أن تحصل هذه الحكومات على القروض التي تحتاج إليها من مصادر محلية.

إن أي قرار لتحمل المزيد من الديون ينبغي ألا يتخذ دون دراسة جادة ومتأنية، لأن ذلك يضيف إلى أعباء السداد في المستقبل. غير أن الاقتراض الخارجي يكون ملائماً في بعض الظروف، نظراً لتزايد عجز المالية العامة وميزان المدفوعات، وتضاؤل احتياطيات النقد الأجنبي، وعدم توافر مصادر أخرى للتمويل ـ سواء بتكلفة معقولة أو غير ذلك. وفي هذه الحالة، يمكن أن يكون الاقتراض الخارجي مصدراً للتمويل المؤقت من أجل الحفاظ على الإنفاق الاجتماعي، ومن ثم حماية الفقراء في فترة الهبوط الاقتصادي.

وبالطبع، صحيح من حيث المبدأ أن كل القروض ـ بما فيها قروض الصندوق ـ تضيف إلى المديونية القائمة نظراً لكونها تتطلب السداد. غير أن السؤال الأهم هو ما إذا كان القرض يستخدم لدعم خطط واقعية تحددها السياسات لمعالجة المشكلات الاقتصادية الأساسية ومن ثم تجنب الاقتراض في المستقبل.

وأخيرا، فمهما كان مصدر الاقتراض، يتعين التأكد من استخدام هذه الموارد في تلبية أولويات واضحة وإنفاقها على نحو فعال وشفاف.