بقلم مسعود أحمد

خلال الشهور القليلة الماضية حصل كل من الأردن والمغرب واليمن على دعم مالي من صندوق النقد الدولي لمساندة البرنامج الوطني المقرر للإصلاح الاقتصادي. وقد بدأت مصر مؤخراً محادثاتها مع الصندوق للحصول على قرض لدعم برنامجها الاقتصادي المعني بالاستقرار والنمو.   

وتنظر الحكومات والأسواق المالية إلى هذه المشاركة الأعمق من جانب الصندوق في جهود بلدانه الأعضاء باعتبارها تصويتاً بالثقة في اقتصاداتها وهامشاً للأمان المالي الذى تحتاجه تلك البلدان بشكل كبير. غير أن رد الفعل الشعبي يتباين في هذا الصدد. فالبعض يتساءل عما إذا كان سيتم إنفاق هذه الأموال في الأوجه الصحيحة أم أنها ستكون مجرد إضافة جديدة إلى المديونية الوطنية، بينما يشعر آخرون بالقلق إزاء الشروط المصاحبة لهذه القروض وما إذا كانت ستتسبب في معاناة للمواطن العادي.

وتنبع مثل هذه المخاوف من رغبة مشروعة في التأكد من أن ما يحرك السياسات الاقتصادية الوطنية هو الصالح العام وأنها تساهم في تحسين حياة الشعوب. وتوضح هذه المخاوف أيضاً أن علينا نحن في صندوق النقد الدولي أن نوضح بصورة أفضل أهم الوظائف التي يقوم بها الصندوق، ولماذا يساهم الدعم المقدم منه في تخفيف وطأة الصدمات الاقتصادية، وكيف يتم ذلك، وكيف تغير الصندوق نفسه مع مرور الوقت.

وسوف أتناول في سلسلة من التدوينات على مدار الأسبوعين القادمين عدداً من المسائل الخلافية والتصورات الخاطئة الشائعة بشأن الصندوق. وسوف أبدأ بتوضيح أهم وظائف الصندوق في تدوينة اليوم، ثم أنتقل في التدوينات اللاحقة إلى تناول جوانب أكثر إثارة للجدل حول مشاركتنا الحالية في جهود بلدان المنطقة، وهي التي تتعلق بالإقراض والشروط المصاحبة له.

 

مهمة الصندوق ووظائفه الأساسية 

أنشئ صندوق النقد الدولي في عام 1944 لتوفير الآلية اللازمة للتعاون الاقتصادي الدولي بهدف ضمان استقرار النظام النقدي الدولي ـ أي نظام أسعار الصرف والمدفوعات الدولية الذي يمَكِّن البلدان ومواطنيها من إجراء المعاملات فيما بينهم. ولتحقيق هذا الهدف، يباشر الصندوق ثلاثة أنشطة أساسية:

أولاً، نقوم بتقديم المشورة بشأن السياسات الاقتصادية للبلدان الأعضاء. فنوفد إلى كل بلد عضو فريقاً من الخبراء ـ مرة واحدة سنوياً في العادة ـ لتبادل الرأي مع الحكومات والبنوك المركزية والتركيز على ما إذا كانت هناك مخاطر تهدد استقرار هذه البلدان أو الاستقرار العالمي بما يتطلب تعديلات في السياسات الاقتصادية أو المالية. وتركز المناقشات في الأساس على السياسات النقدية والمالية والتمويلية وسياسات سعر الصرف.

وأثناء هذه الزيارات، يلتقي خبراء الصندوق في العادة بأطراف معنية أخرى، مثل أعضاء البرلمان وممثلي مجتمع الأعمال والاتحادات العمالية والمجتمع المدني، للمساعدة في تقييم السياسات الاقتصادية والتوجه الاقتصادي في البلد العضو.

وعند عودة أعضاء الفريق من البعثة، يقومون بإعداد تقرير ويرفعونه إلى المجلس التنفيذي الذي تُمثَّل فيه كل بلداننا الأعضاء وعددها 188 بلداً عضواً. وبذلك يتاح لكل الحكومات الاطلاع على المعلومات التي تصف ما يدور في النظام الاقتصادي العالمي. ومن خلال المناقشات التي تدور في جلسات المجلس، تتاح للمديرين التنفيذيين فرصة تبادل الآراء والخبرات ذات الصلة.

ونقوم أيضاً بإعداد تقارير حول حالة الاقتصاد العالمي كل ستة أشهر، كما نعد تقارير دورية حول مختلف مناطق العالم، بما فيها الشرق الأوسط.

ثانياً، نقدم المساعدة الفنية للبلدان الأعضاء ـ أي نساعد الكوادر الفنية بما لدينا من خبرة متخصصة في أمور مثل كيفية إدارة البنوك المركزية، وتحسين نظم الضرائب والدعم، وتحسين النظم المالية.

لكن الصندوق ربما يكون معروفاً أكثر بنشاطه الأساسي الثالث ـ وهو إقراض البلدان التي تمر بمصاعب اقتصادية. وتثار في بعض الأحيان تساؤلات وانتقادات بشأن نشاط الصندوق في مجال الإقراض، وهو ما سأتعرض إليه في تدويناتي القادمة.

 

تشجيع الحوكمة السليمة

يولي الصندوق اهتماماً كبيراً لتشجيع الحوكمة في سياق مشورته بشأن السياسات الاقتصادية أو مساعداته الفنية أو دعمه المالي للبلدان الأعضاء. والحوكمة مفهوم واسع يشمل جميع الجوانب في طريقة حكم أي بلد، بما في ذلك سياساته الاقتصادية وإطاره التنظيمي، بالإضافة إلى الالتزام بسيادة القانون. وهناك مفهوم وثيق الصلة، وهو مفهوم الفساد ـ أي استغلال السلطة العامة أو ثقة الجماهير لتحقيق نفع خاص. فمناخ الحوكمة الضعيفة تزداد فيه حوافز الفساد وتكثر فرص ممارسته. ويؤدي الفساد إلى إضعاف ثقة الجماهير في الحكومة، كما يهدد نزاهة السوق، ويشوِّه المنافسة، ويُعرِّض التنمية الاقتصادية للخطر.

وفي سياق العمل مع حكومات البلدان الأعضاء، يتناول الصندوق قضايا الحوكمة الاقتصادية التي تدخل في حدود اختصاصه وخبرته الفنية، مع التركيز على القضايا التي يرجح أن يكون تأثيرها كبيراً على أداء الاقتصاد الكلي واستمرارية السياسات الاقتصادية السليمة. وبهذا يؤكد الصندوق حرصه على المساواة في معاملة جميع بلدانه الأعضاء ويعمل بالتعاون الوثيق مع غيره من المؤسسات متعددة الأطراف.

 

الصندوق والبنك الدولي: اختصاصات مختلفة

البنك الدولي هو إحدى المؤسسات التي تربطها بالصندوق علاقات تعاونية وثيقة، وقد أنشئ في نفس الوقت أثناء مؤتمر "بريتون وودز". وكان الغرض من إنشاء البنك هو مساعدة البلدان التي عصفت بها الحرب العالمية حتى تستطيع إعادة البناء. وكانت البلدان الأوروبية واليابان من أوائل البلدان المتلقية لقروضه. ومع أوائل الستينات، لم تعد هذه البلدان بحاجة لمساعدة البنك الدولي، وتم تحويل وجهة قروضه إلى البلدان المستقلة حديثاً وتلك الناشئة في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، وإلى بلدان التحول الاقتصادي في أوروبا الوسطى والشرقية في فترة التسعينات.

ويُلاحَظ التكامل بين عمل الصندوق والبنك الدولي. فبينما ينصب تركيز الصندوق الأساسي على المشكلات الاقتصادية الكلية قصيرة الأجل وقضايا القطاع المالي (مثل عجز ميزان المدفوعات والمالية العامة، وقضايا المديونية، وسلامة الأوضاع المصرفية)، يتركز اهتمام البنك الدولي في قضايا التنمية والحد من الفقر على المدى الأطول. وفي هذا السياق، يقدم البنك قروضاً لتمويل مشروعات البنية التحتية، وإصلاح قطاعات معينة في الاقتصاد (كالكهرباء، والمياه، والصرف الصحي، والمواصلات، وغيرها) وإجراء إصلاحات هيكلية أوسع نطاقاً (مثل الخصخصة، وإصلاح سوق العمل، وتهيئة مناخ أكثر دعماً للأعمال). ويُشترط التحاق البلدان بعضوية صندوق النقد الدولى حتى تصبح مؤهلة لعضوية البنك الدولي.

وسوف أناقش في تدوينتي المقبلة كيف يمكن أن يؤدي الاقتراض من الصندوق إلى مساعدة البلدان التي تتعرض لمشكلات اقتصادية كلية.