بقلم مسعود أحمد

تزايدت على مدار السنوات القليلة الماضية أهمية أسواق الدين المحلي المقوَّم بالعملة الوطنية كمصدر للتمويل في عدد من اقتصادات الأسواق الصاعدة. وتقوم هذه الأسواق بدور متزايد في توفير التمويل للمؤسسات المالية والشركات التي كانت عاجزة عن النفاذ إلى الأسواق الدولية خلال الأزمة العالمية، وفي الحد من الاعتماد على القطاع المصرفي.  

ولا تزال أسواق الدين المحلي في بلدان مجلس التعاون الخليجي في مرحلة مبكرة من مراحل تطورها، مقارنة بالمناطق الأخرى. فالقطاع المصرفي لا يزال يسيطر على القطاع المالي وتتسم معاملاته بالتركز الشديد في عدد قليل من الأطراف المحلية المشاركة في السوق: ففي بلدان المجلس الستة، تمتلك البنوك الخمسة الكبرى نسبة 50-80% من أصول القطاع المصرفي. بالإضافة إلى ذلك، لا تعتبر أسواق الدين المحلي ضرورية في منطقة تتميز بوفرة السيولة ورأس المال من إيرادات النفط والغاز والسهولة النسبية في النفاذ إلى أسواق رأس المال الدولية. وهكذا يظل إصدار الدين الحكومي المحلي ودين الشركات محدوداً نسبياً بوجه عام.

سد الفجوة 

ومع ذلك، فبالنسبة لمجلس التعاون الخليجي، يمكن أن تؤدي إقامة أسواق دين محلية سائلة وعميقة إلى تحقيق منافع مهمة عن طريق ربط جهات الإصدار التي تحتاج إلى تمويل طويل الأجل بالمستثمرين من القطاع الخاص. وتكتسب هذه الأسواق أهمية أكبر في الفترة القادمة من حيث الوساطة في توفير التمويل اللازم لاحتياجات البنية التحتية الضخمة ودعم طموحات التنمية على نطاق أوسع.  

كذلك فإن دول مجلس التعاون الخليجي ـ ومنطقة الشرق الأوسط بشكل أعم ـ تركز تركيزاً كبيراً على إقامة أسواق الدين المحلي على أساس رؤية أوسع للدور المتزايد الذي يؤديه القطاع الخاص في دفع عجلة النمو الاقتصادي وتنويع الأنشطة الاقتصادية. وتنطلق هذه الرؤية من إدراك ما تتطلبه زيادة الديناميكية وريادة الأعمال في القطاع الخاص من زيادة في رؤوس الأموال، مما يؤدي بدوره إلى منهج أكثر إستراتيجية في تطوير أسواق رأس المال.  

 

مزايا تطوير أسواق الدين المحلى

هناك عدة منافع يمكن تحقيقها بتطوير أسواق الدين الحكومي المحلي. فبالإضافة إلى ما تتيحه للحكومات من تمويل عجز الموازنة بتكلفة أقل، يمكن لسوق السندات الحكومية أن تحقق المنافع التالية إذا كانت تعمل بكفاءة: 

  • تصبح المعيار أو المقياس لكل الأسواق الأخرى التي تصدر سندات بآجال استحقاق مماثلة
  • تنشئ منتجات مالية جديدة تؤدي إلى تحسين الكفاءة المالية
  • تعزز كفاءة عمليات السياسة النقدية وتسهل إدارة السيولة
  • تؤدى إلى تنويع المخاطر في النظام المالي

وعلى وجه الخصوص، يمكن أن يؤدي وجود سوق لتداول السندات الحكومية بشكل نشط في منطقة مجلس التعاون الخليجي إلى توفير قاعدة لتسعير سندات الشركات بالعملة المحلية. ومع تقدم دول المنطقة في تنفيذ متطلبات تنويع النشاط الاقتصادى، ستزداد أهمية توافر التمويل طويل الأجل، كما يمكن أن تصبح أذون الخزانة والسندات الأطول أجلاً بمثابة وسيلة تستطيع من خلالها المؤسسات المالية تحقيق التوافق بين الأصول والخصوم طويلة الأجل.  

ما الذي يمكن أن يفعله صناع السياسات؟ 

بينما يمكن أن تؤدي إدارة التعميق المالي بكفاءة إلى زيادة الصلابة في مواجهة الصدمات، ورفع فعالية السياسات المطبقة، ودعم النمو القوي والدائم، يواجه صناع السياسات مجموعة من الأسئلة المهمة بشأن كيفية القيام بذلك ـ أي الأدوات يمكن استخدامها، وما هو الإطار الزمني، وبأي تسلسل؟ ويمكن أن تتسبب عملية التعميق في خلق مخاطر جديدة، ومن ثم يتعين إدارتها بكفاءة.

وعلى المستوى العملي، سوف يتطلب تطوير سوق الدين المحلي الاهتمام بمجموعة متنوعة من المجالات المساعدة، منها إدارة دين القطاع العام وتخطيطه استراتيجياً، وحوكمة الشركات، وتنمية قدرات إدارة القطاع المالي وتنظيمه، وكذلك الجوانب الفنية في تطوير المنتجات وأطر التعامل في الأسواق.  

التعلم من التجربة

ولمساعدة البلدان على التقدم في هذه الميادين، يعمل صندوق النقد الدولى عن طريق عدد من مبادرات المساعدة الفنية بالشراكة مع منظمات دولية وإقليمية أخرى على تقديم الدعم لإنشاء بنى تحتية قوية، وتعزيز الاستقرار المالي، وزيادة فرص الحصول على التمويل عبر دول المنطقة.

وكثيراً ما تواجه البلدان تحديات مماثلة في إقامة أسواق للدين المحلي. ومن خلال القدرة على تبادل الخبرات والمشكلات والحلول بين دول المنطقة، يمكن تدعيم وتعجيل السياسات المعتمدة في كل بلد لتطوير الأسواق وتقليص المدة والتكلفة اللازمتين للتنفيذ. ولتحقيق هذه الغاية، دخلنا في شراكة مع مصرف قطر المركزي والأمانة العامة للتخطيط التنموي في قطر أيضاً لتنظيم مؤتمر أسواق رأس المال الذي سيعقد في الدوحة يومي 18 و 19 سبتمبر القادم. وسيركز هذا المؤتمر على تطوير أسواق الدين المحلي في دول مجلس التعاون الخليجي وستشارك فيه الأطراف الفاعلة في الأسواق وخبراء من الهيئات التنظيمية وممثلين للبنوك المركزية والحكومات والمؤسسات المالية الدولية، لتبادل المعرفة والخبرات بشأن المناهج العملية الممكنة لمواجهة التحديات المشتركة.  

ونأمل أن تكون محصلة المؤتمر مفيدة لدول المجلس وهي تنظر في تسلسل إجراءات استحداث أنواع جديدة من الأنشطة والأدوات المالية ودعمها وتنظيمها. والهدف النهائي هو إقامة أسواق للدين المحلي في المنطقة تتميز بالكفاءة وتدعم انتقال آثار السياسة النقدية وتزيد فرص الحصول على التمويل وتشجع نشاط القطاع الخاص وتعزز النمو والاستقرار الاقتصاديين داخل المنطقة.  

وأدعوكم لزيارة الموقع التالي لمعرفة المزيد عن المؤتمر: http://cmcqatar2012.com/