بقلم مسعود أحمد

— أصبح الارتفاع المستمر في أسعار الغذاء الدولية باعثا كبيرا على القلق وأحد موضوعات الساعة التي يدور حولها النقاش في جميع أنحاء العالم. وينطبق هذا بشكل خاص على العالم العربي، حيث يوجد عدد من أكبر البلدان المستوردة للنفط وحيث ساهم ارتفاع أسعار الغذاء في الاضطراب السياسي الذي شهدته المنطقة مؤخرا.

وفي سياق التطورات السياسية الجارية، تواجه حكومات المنطقة ارتفاع أسعار السلع الأولية عن طريق زيادة الدعم على الوقود والغذاء، وزيادة الأجور ومعاشات التقاعد لموظفي الخدمة المدنية، وتقديم تحويلات نقدية إضافية، ومنح تخفيضات ضريبية، وغير ذلك من الزيادات في بنود إنفاق أخرى. وستساهم هذه التدابير في مساعدة الأسر الفقيرة على الاحتفاظ بقوتها الشرائية والحد من أي ارتفاعات أخرى في أسعار الغذاء المحلية.

فكيف يمكن أن تتصرف البنوك المركزية ـ وهي المكلفة بمنع زيادات الأسعار العامة التي تُحْدِث مزيدا من الانخفاض في قيم الدخول؟ وما هو مقياس التضخم الذي ينبغي أن تستهدفه؟

النظر فيما وراء العناوين

كثيرا ما يقسم الاقتصاديون أرقام التضخم إلى تضخم كلي وتضخم أساسي.

  • التضخم الكلي يقيس حالة مؤشر أسعار المستهلكين ككل، وهو مؤشر يعكس التكلفة التي تتحملها الأسر لشراء سلة محددة من السلع، بدءا من الغذاء وانتهاء بالملابس والإيجارات. ويمكن أن يتأثر الرقم الكلي بعوامل موسمية مثل أسعار الغذاء التي قد تقل وقت الحصاد، كما يمكن أن يعكس هذا المؤشر أي تغييرات في بعض البنود المتقلبة، مثل أسعار الغذاء والطاقة.
  • أما التضخم الأساسي فيحاول إعطاء فكرة عن اتجاهات التضخم الأساسية باستبعاد المنتجات التي تتعرض لصدمات سعرية مؤقتة. وعادة ما يعني هذا استبعاد بنود الغذاء والوقود من مؤشر أسعار المستهلكين الكلي، وهو ما يؤدي إلى إمكانية اختلاف التضخم الأساسي عن التضخم الكلي في أي شهر. غير أن معدلات التضخم الأساسي والكلي يمكن أن تتقارب بوجه عام على المدى المتوسط.

وقد كان التضخم الأساسي هو المقياس الذي تصنع في ضوئه القرارات في كثير من البنوك المركزية ـ وخاصة في الاقتصادات المتقدمة حيث وزن الغذاء والوقود في سلال الاستهلاك صغير نسبيا. والفكرة هنا هي التركيز المستمر على اتجاهات المدى الأطول للمساعدة في تجنب التغييرات المتكررة في السياسة النقدية وأسعار الفائدة على أثر صدمات التضخم المؤقتة.

وقد تسارع معدل التضخم الكلي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على مدار العام الماضي، مدفوعا في الأساس بتزايد الأسعار الدولية للسلع الأولية ـ على غرار بقية أنحاء العالم.

  • ويمثل الغذاء والوقود حوالي نصف البنود التي تتضمنها سلال الاستهلاك المعتادة في المنطقة.
  • وإضافة إلى ذلك، نجد أن تضخم أسعار الغذاء أكبر وأشد تقلبا وأكثر استمرارية من تضخم أسعار المواد غير الغذائية.

وقد كان الاتجاه الصعودي العام في المنطقة أكثر تواضعا في حالة التضخم الأساسي مقارنة بالتضخم الكلي على مدار الاثني عشر شهرا الماضية.

الصورة الأدق

إذن، حيثما كان الغذاء والوقود يمثلان نسبة بهذا الحجم في سلة الاستهلاك، يمكن أن يؤدي التركيز على تحركات التضخم الأساسي إلى تقديم صورة مشوهة لاتجاهات التضخم الكلي في الاقتصاد. ويمكن أن يُحدِث هذا التركيز أثرا غير مرغوب يتمثل في تقدير ضغوط التضخم بأقل من قدرها الحقيقي، مما يؤخر الإجراءات اللازمة على مستوى السياسة النقدية، ومن ثم زيادة توقعات الناس للنمو المستقبلي.

وهناك مؤشرات بالفعل على أن تضخم الغذاء والوقود يواصل التسرب إلى التضخم الأساسي عن طريق رفع توقعات التضخم وزيادة مطالبات العمالة برفع الأجور. فعلى سبيل المثال، تفيد حساباتنا لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بأن أي صدمة في تضخم أسعار الغذاء ينتقل نصفها إلى تضخم أسعار المواد غير الغذائية في الربع التالي من العام.

الخلاصة؟ لا يمكن للبنوك المركزية الإقليمية أن تستبعد التضخم الكلي وتركز على التضخم الأساسي فقط عند تحديد أسعار الفائدة الرسمية والموقف الكلي للسياسة النقدية. إنما ينبغي أن تركز هذه البنوك على المعدلين حتى تستشف تطورات التضخم بدقة، مما يتيح لها الاستعداد لاتخاذ إجراءات في مواجهتها واحتواء ضغوط التضخم حسب الاقتضاء.