بقلم: كارلو كوتاريللي

(بلغات أخرى English)

أصدرنا مؤخراً تحديثاً يتضمن آخر تقييماتنا الاقتصادية لحالة الموارد والديون والعجوزات الحكومية في الاقتصادات المتقدمة والصاعدة.

ولا يزال التصحيح المالي مستمراً في الاقتصادات المتقدمة بسرعة ملائمة على وجه العموم، وعلى نحو مقارب لما ورد في توقعاتنا الصادرة منذ ثلاثة أشهر. أما في الاقتصادات الصاعدة فهناك توقف مؤقت في مسيرة التصحيح المالي خلال العامين الحالي والقادم، لكن هذا التوقف ملائم أيضاً بوجه عام، نظراً لانخفاض مستويات المديونية والعجز في العديد من هذه البلدان.

ويمثل التحسن الذي طرأ على أوضاع المالية العامة في كثير من الاقتصادات المتقدمة خطوة جديرة بالترحيب، لكن الأمر سيقتضي أكثر من مجرد خفض مستويات العجز للخروج بالبلدان الخاضعة للضغوط من بؤرة الأزمة.

بوادر التقدم

هناك مؤشرات واضحة للتقدم في تحسين أوضاع المالية العامة في الاقتصادات المتقدمة. فسوف ينخفض العجز في نحو ثلاثة أرباع الاقتصادات المتقدمة هذا العام، وفي 90% منها تقريباً في العام القادم. كذلك بدأت نسب الدين تتراجع؛ حيث يُتوقع أن تتراجع في ثُلث الاقتصادات المتقدمة خلال العام الحالي وفي نصفها في العام القادم.

والتقدم في خفض مستويات العجز في أوروبا يقلل الحاجة إلى التقشف المالي في المستقبل، الأمر الذي يحد من عبء المالية العامة الذي يعوق النمو. فمن المنتظر أن يبلغ حجم التقشف في منطقة اليورو 2.5 نقطة مئوية من إجمالي الناتج المحلي على أساس تراكمي في الفترة 2011-2012، بينما ينخفض إلى ثُلث هذا الحجم في الفترة 2013-2014، وهو تطور إيجابي في مسيرة النمو.

ومن جهة أخرى، تواجه الولايات المتحدة خطر التقشف المالي الحاد في العام القادم، مع دخول الاقتصاد في مرحلة "المنحدر المالي" عند انتهاء فترة التخفيضات الضريبية المقررة وبدء التخفيضات التلقائية في الإنفاق. والأفضل من ذلك هو تخفيض العجز بدرجة أقل بكثير، على أن يتم في سياق خطة للتصحيح المالي على المدى المتوسط.

وقد حدث بعض التراجع في حسابات المالية العامة المتوقعة في الاقتصادات الصاعدة. وتشير التوقعات الحالية إلى ارتفاع العجز في العامين الحالي والقادم عن المستوى المتوقع في كثير من البلدان. ويرجع هذا التدهور في عجز المالية العامة إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي في سياق يتميز باكتساب المراكز المالية قوة أكبر نسبياً. ويقتضي الأمر في بضعة بلدان تطبيق استراتيجية أكثر طموحاً لتصحيح أوضاع المالية العامة، لكن الاقتصادات الصاعدة لديها حيز مالي أكبر في أغلب الحالات وبعضها يستخدمه بحكمة لحماية الاقتصاد من التأثر بالتطورات في أنحاء أخرى من العالم.

فروق العائد لا تتسق بالكامل مع الأساسيات

رغم التقدم المحرز في تصحيح حسابات المالية العامة، فإن فروق العائد على السندات لا تزال مرتفعة للغاية في بعض بلدان منطقة اليورو ـ أعلى مما يمكن أن تبينه العوامل المفسرة مثل المديونية والعجز، والنمو، والتضخم. فكل من إسبانيا وإيطاليا تدفع عائداً أعلى مما يتفق مع مستوى أساسياتها المالية بنحو 200-250 نقاط أساس. وحتى بالنسبة لبلد مثل فرنسا، حيث نسبة الدين أقل من المتوسط في منطقة اليورو، يُلاحَظ أن أسعار الفائدة السوقية على آجال الاستحقاق الأطول أعلى مما يمكن أن تفسره المديونية والعجز وغيرها من الأساسيات.

ولا يعني هذا أن أساسيات المالية العامة ليست مهمة؛ فهي مهمة بالفعل، وعلى إيطاليا وإسبانيا وغيرهما من البلدان ذات المديونية والعجز المرتفعين أن تواصل التقدم نحو استعادة هذه الأساسيات حتى تنخفض أسعار الفائدة ـ ومخاطر أزمات السوق المالية. ولكنه يشير إلى أن أساسيات المالية العامة لا تكفي بمفردها لإعادة أوضاع السوق إلى طبيعتها.

لماذا إذن نجد فروق العائد أعلى مما يبرره وضع المالية العامة الأساسي؟ هناك عدة أسباب لذلك، لكن من أهمها التحديات التي تواجه المشروع الأوروبي. ومن ثم فإن الحاجة لا تقتصر على المضي في استكمال عملية التصحيح المالي في أوروبا، بل تتعدى ذلك إلى طمأنة الأسواق إلى أن المشروع الأوروبي لا يزال قابلاً للتنفيذ. وفي هذا الصدد، أمكن تحقيق بعض التقدم الإيجابي الجدير بالذكر. فقد اتفق القادة الأوروبيون في مؤتمر القمة الذي عقدوه في يونيو على خطوات مهمة ستساعد، إذا تم تنفيذها بالكامل، على فك الروابط بين الحكومات والميزانيات العمومية للبنوك، بحيث لا تؤدي المخاوف بشأن البنوك الضعيفة إلى تغذية المخاوف بشأن الديون الحكومية.

وقد حدث تقدم أيضاً في تعزيز الحوكمة المالية. حيث صادق حتى الآن على اتفاقية "المعاهدة المالية" عشرة من أعضاء الاتحاد الأوروبي الخمسة والعشرين الموقعين عليها بغية تعزيز أطر المالية العامة ووضع حدود قصوى للعجز الهيكلي. كذلك اعتمد البرلمان الأوروبي مشروعي لائحتين يهدفان إلى زيادة التنسيق بين سياسات المالية العامة فيما يسمى بالحزمتين أو “two-pack”.

ولكن الوضع يتطلب عمل المزيد. وعلى وجه التحديد، لا تزال زيادة التكامل المصرفي والمالي مطلباً ضرورياً. وينبغي النظر في اتخاذ إجراءات على مستوى منطقة اليورو لتأمين مستوى ثابت من التمويل في أسواق الديون السيادية، مثل إعادة تشغيل "برنامج سوق الأوراق المالية"، الذي تصبح بموجبه سندات الدين العام والخاص مؤهلة لكي تشتريها البنوك المركزية في منطقة اليورو، أو إصدار سندات دين مشتركة لمنطقة اليورو بكميات محدودة.

غير أن مثل هذه التدابير لا تصلح بديلاً لمزيد من التقدم في خفض مستويات المديونية والعجز في البلدان الخاضعة للضغوط. لكنها يمكن أن تساهم في ضمان حصول البلدان على كل الثمار التي تتيحها الأسواق بفضل التحسينات التي تمكنت بجهدها الشاق من إدخالها على أساسيات ماليتها العامة.