بقلم مسعود أحمد

معالجة ارتفاع البطالة لا تمثل تحدياً جديداً، ولكنه يزداد إلحاحاً في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وخاصة فى الثمانية بلدان المستوردة للنفط ـ جيبوتي، ومصر والأردن ولبنان وموريتانيا والمغرب وسوريا وتونس. ومفتاح النجاح في معالجة هذا التحدي الجسيم هو تحويل القوى العاملة الكبيرة والمتزايدة إلى ثروة يُنتَفَع بها، وليس قيداً يعوق المسيرة. ولبلوغ هذا الهدف، يتعين ضمان تحقيق نمو مستمر ـ وبمعدلات أعلى ـ يقترن بتوفير المزيد من فرص العمل؛ تطوير المجالات التي يركز عليها التعليم والتدريب بحيث تتقلص الفجوة بين مهارات العمالة واحتياجات السوق؛ زيادة مرونة سوق العمل؛ وكذلك الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي.

تحدٍ جسيم

تسجل البطالة في المنطقة أعلى معدلاتها العالمية (لشكل البياني 1) وهي ظاهرة يشيع انتشارها بين الشباب، حيث إن نسبتها (في الأعمار 15-24 سنة) من البطالة الكلية يؤدي إلى زيادة المعدل الكلي بمقدار الضعف على الأقل. وبالإضافة إلى ذلك، يُلاحَظ أن معدل البطالة بين شباب المنطقة يتجاوز المعدل المقابل في كل مناطق العالم الأخرى، إذ يبلغ 25% في المتوسط (الشكل البياني 1) ـ ويصل إلى حوالي 30% في تونس.

وساهمت الأحداث الاجتماعية والسياسية التي مرت بها المنطقة مؤخراً في هبوط النشاط الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة في بلدانها طوال العام الماضي، حيث كانت أعلى المعدلات في تونس (حوالي 7 نقاط مئوية) ومصر (حوالي 3.5 نقطة مئوية).

سمات خاصة

وعلى غير المعتاد، نجد أن التعليم في هذه المنطقة لا يمثل حماية ضد خطر البطالة، بل إن البطالة تميل إلى الارتفاع مع زيادة مستوى التعليم، حيث تتعدى 15% بين خريجي الجامعات في مصر والأردن وتونس.

وفي معظم مناطق العالم، تستمر فترات البطالة وقتاً أقصر بين الشباب مقارنة بالكبار، مما يعكس ميل الشباب الطبيعي للتنقل بين الوظائف بمعدل أكثر تواتراً. غير أن بطالة الشباب في معظم بلدان المنطقة تبدو ناتجة عن انتظار الوظيفة المناسبة. وبالتالي، فقد تستمر البطالة لفترات أطول، خاصة بين الشباب المتعلمين الذين قد يحتاجون إلى وقت أطول للعثور على وظائف تناسب مهاراتهم. وهذه نقطة مهمة، لأن مدة البطالة، وليس حدوثها، هي الأشد إضراراً بتراكم رأس المال البشري.

الأسباب الأساسية

تشمل أهم محددات البطالة المرتفعة والمزمنة بين الشباب في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ارتفاع معدلات نمو القوى العاملة، وعدم اتساق المهارات المتوافرة مع متطلبات السوق، وأوجه الجمود في أسواق العمل والمنتجات، وضخامة حجم القطاع العام.

وقد اقترن انخفاض معدلات الوفيات بين الأطفال الرُضَّع بارتفاع معدلات الخصوبة في الفترة بين 1950 و 1980، فترتب على ذلك ارتفاع معدلات النمو السكاني الذي ظهر في صورة ارتفاع في معدلات نمو القوى العاملة منذ عام 1970 وحتى نهاية عام 2000 وما بعده. وعلى مدار العشر سنوات الماضية، زادت القوى العاملة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمعدل سنوي متوسط قدره 2.7%، أي أسرع من أي منطقة أخرى في العالم، باستثناء إفريقيا. ولا يزال عدد الداخلين الجدد إلى سوق العمل يمثلون تحدياً جسيماً أمام بلدان المنطقة ـ حيث يُتوقع أن ينضم إلى القوى العاملة في العقد القادم 10.7 مليون نسمة مقابل 10.2 مليون نسمة في العقد السابق.

وعادة ما يشير أصحاب الأعمال إلى نقص المهارات الملائمة باعتباره عائقاً كبيراً أمام توظيف العاطلين عن العمل (الشكل البياني 2)، كما أن معدلات البطالة تصل إلى أعلى مستوياتها بين الحاصلين على أعلى المؤهلات العلمية. وتشير هذه الحقائق مجتمعة إلى أن نظم التعليم في المنطقة لا تستطيع تخريج كوادر بالمهارات المطلوبة.

ويتبين من مؤشرات مرونة سوق العمل أن أوجه الجمود في سوق العمل بالغة الارتفاع في المنطقة بشكل خاص، ويمكن أن تفرض قيوداً كبيرة على توفير فرص العمل الجديدة، وخاصة للباحثين عن أول فرصة عمل، لأنها لا تشجع الشركات على زيادة توظيف العمالة مع تحسن المناخ الاقتصادي.

وبالإضافة إلى ذلك، فمع بداية القرن الحالي، بلغ نصيب القطاع العام من مجموع الوظائف المقدمة الثلث تقريباً في سوريا، و 22% في تونس، و 35% تقريبا في الأردن ومصر. وأدى اضطلاع القطاع العام بهذا الدور المسيطر كجهة لتوظيف العمالة في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى تشويه نواتج سوق العمل وتحويل الموارد عن القطاع الخاص الذي ربما كان على درجة أكبر من الديناميكية. وعادة ما كانت ممارسات التوظيف الحكومي تتسبب في تضخيم توقعات الأجور وتفضيل حاملي الشهادات العلمية على أصحاب المهارات الفعلية، مما أثر على خيارات الدراسة وساهم في حدوث فجوة بين المهارات المتوافرة ومتطلبات السوق.

ليس بالنمو وحده

حتى يتسنى استيعاب العاطلين عن العمل والمنضمين الجدد إلى القوى العاملة، تحتاج بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا المستوردة للنفط إلى توفير نحو 18.5 مليون وظيفة جديدة في غضون العشر سنوات القادمة.

وللوصول إلى عدد الوظائف المستهدف، يتعين الجمع بين زيادة النمو الاقتصادي بشكل دائم وإجراء إصلاحات تجعل سوق العمل أكثر تجاوباً مع الاحتياجات.

وسيكون تحسين أداء النمو أمراً ضرورياً ولكنه غير كافٍ لتحقيق خفض ملموس في معدلات البطالة على المدى المتوسط. وعلى سبيل التحديد، يُرجَّح ألا يكون لارتفاع معدلات النمو الاقتصادي سوى أثر محدود على بطالة الشباب ما لم يتم إجراء إصلاحات هيكلية تهدف إلى زيادة تجاوب الأوضاع في سوق العمل مع التغيرات التي تطرأ على النشاط الاقتصادي.

التحول الهيكلي

بالنظر إلى استمرار البطالة المرتفعة بين الشباب لفترة طويلة، يتبين أنها مشكلة يغلب عليها الطابع الهيكلي ولن يتيسر حلها عن طريق النمو الدوري وحده، بل إنها تحتاج إلى مستويات عالية من النمو المستمر الذي ينشئ فرص عمل جديدة، يدعمه مناخ اقتصادي كلي سليم وسياسات هيكلية ملائمة، ومنها السياسات التالية:

  • تحسين مرونة سوق العمل سيكون ضرورياً لزيادة طلب العمالة على المدى المتوسط. وسيتعين في هذا السياق إجراء إصلاحات لتخفيض تكاليف البحث والتعيين.
  • تحسين مناخ الأعمال وتشجيع المنافسة في سوق المنتجات يعد من المتطلبات اللازمة أيضاً لزيادة إمكانات النمو، ومن ثم توفير فرص العمل، على المدى المتوسط.
  • معالجة عدم الاتساق بين المهارات المتوافرة والمطلوبة: يمكن تحقيق هذا الهدف عن طريق تعديل المناهج الدراسية بما يتلاءم مع احتياجات القطاع الخاص، وإصلاح سياسات القبول في الجامعات، وتحسين جودة النظم التعليمية.
  • تحسين ممارسات التعيين وسياسات الأجور في القطاع العام: ينبغي أن يوجه القطاع العام اهتماماً أكبر للمهارات والمنافسة واهتماماً أقل للمؤهلات الدراسية عند تعيين الموظفين. وينبغي أيضاً زيادة الربط بين الأجور والأداء.
  • استخدام استثمارات البنية التحتية كأداة لإنشاء فرص العمل: يمكن أن يكون لاستثمارات البنية التحتية أثر كبير في خلق فرص عمل جديدة، حتى في الأجل القصير. وتشير الأدلة، على سبيل المثال، إلى أن الإنفاق على مشروعات البنية التحتية بما يعادل 1% من إجمالي الناتج المحلي يمكن أن يولد ما يصل إلى 87 ألف وظيفة جديدة في مصر و 18 ألف وظيفة جديدة في تونس.
  • دعم أنشطة القطاع الخاص من خلال سياسات الاقتصاد الكلي: لتشجيع خلق فرص العمل الجديدة، يمكن أن ينظر صانعو السياسات في إمكانية منح حوافز ضريبية أو ضمانات على قروض المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تتسم بكثافة استخدام العمالة وتتوافر لها مقومات الاستمرار. كذلك يمكن مساعدة هذه المشروعات بإزالة المعوقات التي تحول دون حصولها على الائتمان.
  • زيادة برامج التدريب الواعدة: ينبغي أن يعمل صناع السياسات على زيادة وتكرار البرامج الواعدة، مثل مؤسسة التعليم من أجل التوظيف ("Education For Employment Foundation" – EFE ) التي تمارس نشاطها حاليا في عدد من بلدان المنطقة، من بينها مصر والأردن والمملكة المغربية. وقد أثبتت المؤسسة نجاحها في تزويد الباحثين عن عمل بالمهارات التي تحتاجها الشركات، توظيف الشباب العاطلين عن العمل (حيث نجح البرنامج في توظيف 85% من خريجيه في الأردن، كما حصل 86% من خريجيه في المملكة المغربية على وظائف وفرص للتدريب).