بقلم: مسعود أحمد

مع تجدد الضغوط في منطقة اليورو وانخفاض النمو عن المستوى المتوقع في عدد من أهم اقتصادات السوق الصاعدة، تشير تنبؤات صندوق النقد الدولي إلى حدوث تراجع طفيف في النمو العالمي الذي تعتبر معدلاته متواضعة في الأصل. ونظرا لضعف المستويات المتوقعة للطلب العالمي، إلى جانب انحسار المخاوف المتعلقة بإمدادات النفط، هبطت أسعار النفط الخام بنسبة 25% عن مستوى الذروة الذي بلغته في منتصف مارس الماضي. ويركز معظم المراقبين للمشهد الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على التطورات المحلية بشكل خاص، وهم محقون في هذا التركيز، إلا أنهم يتساءلون في نفس الوقت عما سيقع على منطقتهم من تأثير إذا تحقق سيناريو التوقعات المعدلة لآفاق الاقتصاد العالمي.

مخاطر مالية محدودة

لا تزال تداعيات الضغوط التي تشهدها منطقة اليورو على الأسواق المالية محدودة نسبيا حتى الآن. ولم تكن اضطرابات الأسواق المالية عاملا مساعدا بالطبع، حيث ساهمت مشكلات الدين السيادي التي واجهتها المنطقة في توسيع فروق العائد على مبادلات مخاطر الائتمان عبر بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا منذ أوائل عام 2011. وظهر تأثير هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الاقتراض على بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي تحتاج إلى التمويل من أسواق رأس المال. وبينما يمكن أن تتعرض النظم المصرفية للضغوط في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عقب اشتداد الأزمة في منطقة اليورو، فإن معظم هذه البلدان تعتمد على التمويل من مصادر محلية، وهو ما يُرجح أن يخفف التداعيات المباشرة لأي اضطرابات مالية قد تقع على الصعيد العالمي.

تنبؤات بنمو متفاوت

وبالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ككل، أشارت توقعاتنا الأخيرة إلى زيادة في معدل النمو المتوسط ـ إلى حوالي 5.5% في عام 2012، صعودا من 3.5% في عام 2011. لكن تعافي الاقتصاد الليبي بعد الصراع الذي شهدته البلاد في العام الماضي كان هو السبب الرئيسي وراء هذه الزيادة. وبالفعل، نجد أن هذا الرقم الكلي يحجب وراءه اختلافات كبيرة مستمرة بين الآفاق المتوقعة للبلدان المصدرة للنفط والبلدان المنتجة له، وكذلك بين البلدان المنفردة داخل كل من المجموعتين.

وبالرغم من انخفاض أسعار النفط، فلا يزال النمو مستمرا بمعدلات قوية في كثير من بلدان الشرق الأوسط المصدرة للنفط. وباستثناء ليبيا، سيؤدي انخفاض أسعار النفط إلى هبوط كبير في فوائض المالية العامة والفوائض الخارجية، وقد يتسبب، إذا قُدر له الاستمرار، في إضعاف معدلات النمو بدرجة ما في القطاع النفطي وغير النفطي. لكن النمو غير النفطي لا يزال يدعمه الإنفاق الحكومي بمستوياته المرتفعة في دول مجلس التعاون الخليجي وأسعار الفائدة المنخفضة السائدة. غير أن مخاطر الدخول في نوبة من النشاط الاقتصادي المحموم لمواجهة الطلب المحلي المتنامي بدأت تشكل مصدرا للقلق في بعض البلدان. وهناك قيود أكبر بكثير تتعرض لها موازنات بلدان مثل اليمن والسودان، رغم أنها من البلدان المصدرة للنفط، وهي مضطرة لمواجهة اختيارات بالغة الصعوبة في توزيع الموارد العامة.

وفي المقابل، تظل آفاق المدى القريب محدودة بالنسبة للبلدان المستوردة للنفط في المنطقة. فقد أصبح النمو مثقلا بأعباء عدم اليقين الناجم عن فترات التحول السياسي والاقتصادي في المنطقة والضغوط التي تشير إليها التوقعات بالنسبة لأوروبا ـ التي يرتبط كثير من البلدان المستوردة للنفط بعلاقات مهمة معها من خلال التجارة والسياحة وتحويلات العاملين والاستثمار الأجنبي المباشر. ونحن نتوقع أن يسجل النمو في هذه البلدان (باستثناء سوريا، حيث كان للصراع الدائر تداعيات على الاقتصاد بالإضافة إلى التكلفة البشرية) معدلا أعلى بقليل من 1% هذا العام ـ وهو معدل أقل بكثير مما تتطلبه معالجة مشكلة البطالة المزمنة والمتزايدة.

ومن منظور أكثر إيجابية، أدى انخفاض أسعار السلع إلى تخفيف عبء الاستيراد والدعم في هذه البلدان. لكن السحب كان كبيرا من الاحتياطيات الدولية والموازنات الحكومية حتى أصبح المجال أمام زيادة التوسع المالي محدودا للغاية في معظم البلدان المستوردة للنفط. ويؤدي استمرار أجواء عدم اليقين السياسي وضرورة معالجة القضايا السياسية والاقتصادية الملحة على المدى القصير إلى صرف الانتباه عن المهمة الحيوية المتمثلة في بدء التخطيط للتحول الاقتصادي من أجل تحقيق نمو مرتفع تشترك في جني ثماره كل شرائح المواطنين