بقلم ديفيد كودي و سانجيف غوبتا

(بلغات أخرى English)

أصبحت زيادة تفاوت الدخول قضية تتصدر النقاش العام الدائر حالياً. وهناك قلق متزايد من العواقب الاقتصادية والاجتماعية للزيادة المطردة، والحادة غالباً، في حصة شرائح السكان مرتفعة الدخل.

وبينما يركز النقاش في الغالب على العوامل المسببة لزيادة التفاوت ـ ومنها العولمة، وإصلاحات سوق العمل، والتطور التكنولوجي الذي يعطي أفضلية للعمالة عالية المهارات ـ فإن تحديد العمل الممكن لمواجهة هذه الزيادة هو الأمر الأكثر إلحاحاً.

ونخلص في الدراسة التي أجريناها مؤخرا إلى أن سياسات الإنفاق العام والضرائب كان لها تأثير حاسم على تفاوت الدخول في كل من الاقتصادات المتقدمة والنامية، ومن المرجح أن تظل مؤثرة في المستقبل أيضاً.

ولهذه النتيجة أهمية خاصة في الاقتصادات المتقدمة، نظرا للحاجة إلى مواصلة التصحيح المالي الجاري لسنوات طويلة قادمة حتى يتسنى تخفيض الدين العام إلى مستويات يمكن الاستمرار في تحملها. ولكنها مهمة بنفس القدر في الاقتصادات النامية التي بلغ تفاوت الدخول فيها مستويات مرتفعة نسبيا.

تفاوت الدخول خلال العقود الأخيرة

يتضح من قاعدة بياناتنا المعنية بتفاوت الدخول في 150 بلدا متقدماً ونامياً أن التفاوت بين الدخول المتاحة (أي خصم الضرائب والتحويلات) قد ازداد في معظم الاقتصادات المتقدمة وكثير من الاقتصادات النامية على مدار العقود القليلة الماضية (الرسم البياني 1). ويُقاس تفاوت الدخول بمعامل جيني (الذي تتراوح درجاته بين صفر التي تُعطى حين تتساوى جميع الدخول، وواحد التي تعني أن فردا واحدا يحصل على دخل المجتمع كله).

والأغرب من ذلك هو التباين الكبير في متوسط تفاوت الدخول بين المناطق المختلفة.

الرسم البياني 1 – اتجاهات التفاوت في الدخول المتاحة، 1980 – 2010

ومن الاتجاهات الأخرى اللافتة للانتباه تلك الزيادة الحادة في نصيب شرائح السكان مرتفعة الدخل منذ مطلع الثمانينات.

ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال، حدث ارتفاع حاد في نسبة الدخل السوقي (أي قبل خصم الضرائب والتحويلات) التي ينفرد بها أغنى 10% من السكان، وذلك من حوالي 30% في ثمانينيات القرن الماضي إلى 48% بحلول عام 2008. وقد ظهرت اتجاهات مماثلة أيضاً في اقتصادات متقدمة أخرى وبعض الاقتصادات النامية.

ويرى بعض الخبراء أن هذه الزيادات ساهمت بصورة أساسية في وقوع الأزمة المالية الأخيرة.

إذن ما هو الدور الذي قامت به سياسة المالية في تحديد هذه الاتجاهات؟

نظرة على الاقتصادات المتقدمة

الخبر السار هو أن الضرائب والتحويلات العامة ساهمت بدور بارز في تعويض زيادة التفاوت.

فقد أدت سياسة المالية العامة على مدار العقدين الماضيين إلى الحد من تفاوت الدخول بنحو الثلث في البلدان الأعضاء في "منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي" (OECD )، مع تحقيق ثلثي هذه النسبة عن طريق تحويلات مثل إعانات إعالة الأطفال ومعاشات التقاعد العامة. ويُلاحظ أن التأثير على إعادة توزيع الدخل يزداد عند تضمين التحويلات العينية مثل التعليم والرعاية الصحية.

أما ما يبعث على القلق فهو تناقص الأثر التوزيعي لسياسة المالية العامة منذ منتصف التسعينات.

ويوضح الرسم البياني 2 كيف تغير التفاوت بين الدخل الإجمالي والدخل المتاح للأسر المعيشية في سن العمل منذ منتصف الثمانينات، حيث يمثل الفرق بينهما تأثير سياسة المالية العامة على إعادة توزيع الدخول في كل فترة زمنية.

وبينما ظلت سياسة المالية العامة حتى منتصف التسعينات تعوض 73% من زيادة تفاوت الدخول الإجمالية الذي بلغت نسبته ثلاث نقاط مئوية، فقد اقتصرت نسبة التعويض حتى منتصف الألفينات على 53% كحد أقصى. وطوال هذه الفترة، زاد تفاوت الدخل الإجمالي بنسبة تعادل ضِعْف الزيادة التي تحققت في حجم إعادة التوزيع!

الرسم البياني 2- تناقص أثر سياسة المالية العامة على إعادة التوزيع منذ منتصف التسعينات

ما العوامل المسؤولة عن تراجع أثر سياسة المالية العامة؟

نخلُص في الدراسة إلى أن انخفاض درجة سخاء المنافع الاجتماعية (لا سيما إعانات البطالة والمساعدات الاجتماعية) وانخفاض معدلات ضريبة الدخل، وخاصة في مستويات الدخل الأعلى، قد ساهما بأكبر نسبة في تقليص أثر سياسة المالية العامة منذ التسعينات.

ويبعث هذا التطور على القلق نظرا لضرورة تحقيق تقشف المالي كبير في الاقتصادات المتقدمة خلال السنوات القادمة.

وقد ازداد بالفعل سوء توزيع الدخول في بعض البلدان منذ عام 2007 (مثل آيرلندا وإسبانيا). غير أن سياسة المالية العامة يمكن استخدامها لتخفيف الآثار السلبية للتقشف عن طريق السماح لأدوات الضبط التلقائي بالعمل (مثل إعانات البطالة)، وحماية المنافع الاجتماعية الأكثر تصاعدية، والقضاء على فرص التحايل والتهرب الضريبي، وزيادة الاعتماد على ضرائب الثروات والممتلكات.

دور سياسة المالية العامة في البلدان النامية

تتضاءل زيادة تفاوت الدخول في البلدان المتقدمة عند مقارنتها بفجوة عدم المساواة بين الاقتصادات النامية والاقتصادات المتقدمة. ويمكن تفسير قد كبير من هذه الزيادة إلى انخفاض مستويات الضرائب والإنفاق العام (الرسم البياني 3)، وزيادة الاعتماد على أدوات أقل تصاعدية للضرائب والإنفاق.

الرسم البياني 3- مستويات الإيرادات الضريبية والنفقات الاجتماعية ومكوناتهاالرسم البياني 3- مستويات الإيرادات الضريبية والنفقات الاجتماعية ومكوناتها

ما الذي يمكن عمله إذن لتغيير هذا الوضع؟

على الجانب الضريبي، ينبغي زيادة التركيز على توسيع القواعد الضريبية بدلا من رفع معدلات الضريبة، وذلك من خلال الحد من الإعفاءات الضريبية، وسد الثغرات وتحسين مستوى الامتثال الضريبي.

غير أن استمرار القيود الصارمة على الإيرادات وارتفاع الطلب على هذه الموارد لتمويل الأهداف الإنمائية يعني ضرورة زيادة التركيز على تحسين تصاعدية الإنفاق العام بوسائل منها على سبيل المثال إلغاء الدعم المعمم للأسعار وتحسين استهداف الفئات الأشد احتياجا في برامج مكافحة الفقر.