بقلم من زو

يسعى العالم جاهداً للتوصل إلى تحديد سعر دقيق لتلوث البيئة منذ عقود طويلة. فالتوصل إلى أسعار تعكس الضرر البيئي سيساعد في إبطاء سرعة التلوث عن طريق تشجيع الأفراد والمؤسسات على تغيير سلوكهم والابتعاد عن الأنشطة والمنتجات الملوِّثة لكوكب الأرض. فنحن نحتاج إلى دفع ثمناً حقيقياً مقابل التلوث حتى تظل التنمية الاقتصادية على مسار بيئي قابل للاستمرار.

ومفهوم التنمية القابلة للاستمرار وراءه رؤية جريئة للمستقبل، أو "المستقبل الذي نتطلع* إليه"على حد تعبير بان كي-مون، الأمين العام للأمم المتحدة. إنه يتعلق بحيوية اقتصادنا العالمي، بانسجام مجتمعنا العالمي، برعاية تراثنا العالمي.

إنه يتعلق بوضع الأساس اللازم حتى يتمكن كل فرد من النجاح وتحقيق إمكاناته الحقيقية.

عيون على ريو دي جانيرو

توجهت أنظار العالم الأسبوع الماضى إلى العاصمة البرازيلية ريو دي جانيرو حيث شاركت مع المجتمعين هناك خلال مؤتمر ريو+20، أو مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية المستدامة* بالالتزام بفكرة السعي من أجل التنمية الاقتصادية، وحماية البيئة، والتقدم الاجتماعي في نفس الوقت.

إن المشكلات البيئية لا تزال تقف في طريقنا نحو المستقبل الذي نرجوه. فتغير المناخ يمكن أن يؤدي إلى عواقب مدمرة فيما بعد، وخاصة بالنسبة لأفقر سكان العالم وأكثرهم هشاشة. ولننظر إلى إفريقيا. إنها القارة الأقل مساهمة في تغير المناخ، ومع ذلك فهي الأكثر معاناة منه، إذ أنها من أكثر المناطق تعرضاً لخطر الكوارث الطبيعية، المنطقة التي يتسم سقوط الأمطار فيها بأقصى درجات التقلب ـ والمنطقة التي تحتاج إلى الأمطار احتياجاً ملحاً لأغراض الزراعة والنمو وتوظيف العمالة.

لكن المشكلات البيئية أوسع نطاقاً من تغير المناخ. ففي الهند، على سبيل المثال، تشير التقديرات إلى أن التلوث الذي تسببه محطات توليد الطاقة من الفحم يؤدي إلى 70 ألف وفاة مبكرة سنوياً. ولا تزال هناك مصايد أسماك كثيرة على مستوى العالم تخضع للاستنزاف بشكل كبير، كما أن الخطر لا يزال يهدد النظم البيئية ذات التوازن الدقيق في كثير من الغابات والأراضي الرطبة.

ولا يتفق الجميع على إجراءات السياسة الملائمة لمواجهة التحديات البيئية، وهو أحد الأسباب التي أتت بكثير منا إلى هذا المؤتمر ـ لإبقاء الحوار مستمراً، ومواصلة التقدم خطوة وراء خطوة نحو المستقبل الذي ننشده.

ورغم أن صندوق النقد الدولي ليس منظمة بيئية، فلا يمكننا تجاهل المعاناة الإنسانية الشديدة وسوء توزيع الموارد الذي يقودنا جميعاً إلى السير في مسار خاطئ.

وحيثما استطعنا، سنقدم المساعدة في إيجاد الحلول* ـ وهو أمر تحدثت عنه السيدة كريستين لاغارد بمزيد من التفصيل في مركز التنمية العالمية* في واشنطن العاصمة.

ما هو الثمن؟

ويمثل "تحديد الأسعار الصحيحة"* أحد المجالات التي يستطيع الصندوق المساعدة من خلالها في تشجيع التنمية القابلة للاستمرار.

وتحديد الأسعار الصحيحة يعني، على سبيل المثال، التأكد من أن الشركات والأفراد يدفعون التكلفة الحقيقية لتلويث كرتنا الأرضية. وأفضل الطرق للتوصل إلى التكاليف الفعلية هي استخدام أدوات المالية العامة، مثل الضرائب البيئية أو نظم مبادلة انبعاثات الكربون حيث تبيع الحكومات "حقوق التلوث"، حتى تنعكس الأضرار البيئية في الأسعار التي ندفعها مقابل الطاقة والغذاء وقيادة السيارات، إلخ.

وينبغي أن يكون تحديد الأسعار الصحيحة هو محور السياسات المعنية بالتنمية الخضراء أو التى تهدف للاستمرارية البيئية.

وذلك لأن أدوات المالية العامة يمكن أن تساعد في حل اثنين من أكثر التحديات الحالية إلحاحاً، مثلما أوضحت في إصدار جديد بعنوان مرشد صندوق النقد الدولي لصناع السياسات*:

  • أولاً، يمكنها القيام بدور أساسي في تعبئة الإيرادات المطلوبة بشدة. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، يمكن أن يؤدي فرض ضريبة على الانبعاثات تبلغ نحو 25 دولاراً على كل طن من ثاني أكسيد الكربون ـ بإضافة 22 سنتاً على جالون البنزين ـ إلى تحصيل حوالي 1% من إجمالي الناتج المحلي، أو أكثر من تريليون دولار على مدار عشر سنوات. وكما ورد بالنقاش في تقرير اشترك في إعداده الصندوق مع البنك الدولي* لتقديمه إلى مجموعة العشرين في العام الماضي، يمكن أن يؤدي فرض رسوم على انبعاثات الملاحة الجوية والبحرية إلى تحصيل حوالي ربع ما تعهدت به البلدان المتقدمة من تعبئة 100 مليون دولار سنوياً لتمويل إجراءات مواجهة تغير المناخ بحلول عام 2020.
  • ثانياً، تعد أدوات المالية العامة الموجَهة بدقة نحو الهدف هي أكثر السبل فعالية على الإطلاق في الاستفادة من فرص تخفيض الضرر البيئي في كل قطاعات الاقتصاد. وتؤدي الضرائب البيئية أيضاً إلى تشجيع القطاع الخاص على تنمية التكنولوجيا النظيفة ونشرها ـ كالاستثمارات في مجالات كفاءة الطاقة والموارد المتجددة، وهو ما تؤكده الدراسات التطبيقية التي أجراها الصندوق.

طريقنا القادم

غير أننا لم نتجاوز بعد المرحلة المبدئية من حيث تحديد الأسعار على الوجه الصحيح.

فأكثر من 90% من انبعاث الغازات على مستوى العالم لا يخضع للتسعير حتى الآن، وقليل من المدن فقط هو الذي بدأ يفرض رسوماً على استخدام الطرق المختنقة مرورياً، ولا تُفرض على المزارعين في مختلف أنحاء العالم رسوم مقابل التكاليف الحدية على الموارد المائية (الآخذة في التناقص). والواقع أن كثيراً من البلدان مستمر في دعم الوقود، بدلاً من إخضاعه للضرائب، حتى وإن كان هذا الدعم لا يساعد إلا بأقل القليل على تخفيف أعباء أفقر شرائح المجتمع التي لا تمتلك سيارات ولا تتوافر لها خدمات الكهرباء.

غير أننا ونحن ندفع لإصلاح نظام التسعير، ينبغي أن نفكر بعمق في كيفية مساعدة الشرائح الفقيرة فى المجتمع، وذلك على سبيل المثال عن طريق تقوية شبكات الأمان الاجتماعي أو تركيز الدعم تركيزاً دقيقاً على المنتجات التي يستهلكها الفقراء.

وبإمكاننا، بل ويتوجب علينا، القيام بأفضل من ذلك. فكلنا يمكن أن يكون جزءاً من الحل* ـ البلدان الغنية والبلدان الفقيرة، خبراء الاقتصاد وخبراء البيئة وصناع السياسات الاجتماعية؛ القطاع العام والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمنظمات الدولية. فعلينا جميعا أن نتكاتف وأن نعمل يداً بيد.

ووصولاً إلى هذه الغاية، نشترك جميعاً في هدف واحد ـ هو تحويل الكرة الأرضية التي نتخذها موطناً لنا إلى مكان أفضل لهذا الجيل والأجيال القادمة.

* باللغة الانجليزية