جون ليبسكيبقلم: جون ليبسكي

عام 2011 هو عام حاسم في مسيرة تعافي الاقتصاد العالمي وجهود التعاون الدولي بشأن السياسات ـ وحاسم أيضا بالنسبة لدور الصندوق في معالجة هذين التحديين الرئيسيين:

فمع الانحسار الجاري لتداعيات أزمة 2008-2009، عقب الجهود غير المسبوقة التي بُذِلت في عام 2010 لتحديد الملامح العامة للعالم الجديد في مرحلة ما بعد الأزمة*، يأتي عام 2011 ليكون العام الذي تنفذ فيه خطط ما بعد الأزمة وتخضع للاختبار والتقييم. وإذا ارتؤي أنها ناجحة، فلن نبالغ حين نقول إن العالم سيشهد نموذجا جديدا للحوكمة الاقتصادية والمالية العالمية. أما إذا لم تنجح، فمن المرجح أن يتسبب الشعور بالفشل في تقويض الثقة وإضافة تحديات جديدة لقائمة التحديات الجسام التي يتعين التصدي لها.

2010 ـ عام الإنجازات

الواقع أن العام الماضي كان حافلا بالإنجازات الكبيرة. فقد حقق النمو الاقتصادي تعافيا واضحا على مستوى العالم، حيث يقدر معدله السنوي في العام الماضي بحوالي 5%، صعودا من متوسط 3,6% في العقد الماضي ـ وإن كان التوسع الاقتصادي لا يزال غير متساوٍ وغير كامل. وبدأت جهود إصلاح القطاع المالي تؤتي ثمارها المرجوة. فتم الاتفاق على إصلاحات كبيرة في المؤسسات المالية الدولية، ومنها صندوق النقد الدولي. وبدأت العملية التي يضطلع بها قادة مجموعة العشرين* للاقتصادات المتقدمة والأسواق الصاعدة تتخذ طابعا ثابتا وقابلا للاستمرار. لكنه من الملاحظ في نفس الوقت عدم الانتهاء من معالجة أي من التحديات الخمسة الكبرى* التي أوضحتها منذ عام ـ وهي ضمان التعافي الاقتصادي، وحماية الفقراء من تأثير الأزمة، وإصلاح القطاع المالي، وإعادة هيكلة المؤسسات المالية الدولية وإصلاحها، وإعادة تقييم الركائز النظرية التي تقوم عليها السياسات الاقتصادية والمالية السائدة. وقد ظهرت بالإضافة إلى ذلك تحديات جديدة سوف تتطلب اهتماما عاجلا.

ففي يناير الماضي، كانت الآفاق العالمية أقل مدعاة للتفاؤل، وهو ما يصدق بالمثل على مشهد اليوم. ومع ذلك، فإن النجاح في معالجة التحديات الرئيسية سوف يتطلب من الاقتصادات الكبرى بذل جهود كبيرة على مستوى السياسات ـ مع مراعاة التنسيق المتبادل. وتجدر الإشارة إلى أن الصندوق قد عُهِد إليه بدور كبير في مواجهة التحديات الرئيسية المذكورة. غير أن تلبية هذه الاحتياجات الجديدة سوف يتطلب من الصندوق تنفيذ ابتكارات مهمة، على غرار المطلوب من الاقتصادات الكبرى وصناع السياسات. ومع ذلك فإن آفاق المستقبل الواعدة التي تبشر بإحراز أهم الأهداف المتوخاة، وهي النمو العالمي القوي والمتوازن على أساس قابل للاستمرار، تمثل حافزا قويا لبذل ما يلزم من جهود في هذا الخصوص.

إذن ما هو المشهد الراهن ونحن في مطلع عام 2011؟

آفاق الاقتصاد العالمي

تعتبر آفاق الاقتصاد واعدة على وجه الإجمال في عام 2011. ولكن، كما قال زميلي أوليفييه بلانشار في مقابلة أُجريت معه مؤخرا، يُرجَّح أن يكون السائد هذا العام، على غرار عام 2010، هو نمط النمو السريع الذي تميزت به الاقتصادات الصاعدة، مقترنا بنمو ضمن حدود الاتجاه العام في الاقتصادات المتقدمة، بالرغم من هوامش الطاقة الكبيرة الفائضة لديها.

وبالرغم من أن نمو الطلب المحلي ازداد سرعة في معظم الاقتصادات الصاعدة، فلا تزال فوائضها التجارية الإجمالية كبيرة. وفي نفس الوقت، يخضع التعافي في الاقتصادات المتقدمة لقيود البطالة المرتفعة، والميزانيات العمومية التي ضَعفت في قطاع الأُسَر، وزيادات الدخل التي تباطأ معدلها، والقطاع المالي الذي لم يبرأ تماما حتى الآن من آثار الأزمة. والواقع أن كندا فقط من بين اقتصادات مجموعة السبعة هي التي استطاعت الوصول بالناتج في الربع الثالث من عام 2010 إلى مستوى الذروة الذي سجله قبل وقوع الأزمة. ونتيجة لذلك ـ ومع افتراض مواصلة السياسات الحالية ـ لا يُتوقع تحقيق تقدم ملموس في الحد من اختلالات الحسابات الجارية الكبيرة التي لا تزال تقوض الثقة في إمكانية استمرار التوسع.

ولا تزال هناك عدة احتمالات سلبية تخيم على آفاق المستقبل، أورد فيما يلي ثلاث منها:

  • تجدُّد الاضطرابات في أسواق الديون السيادية يمكن أن ينتقل إلى الاقتصاد العيني والمناطق المختلفة. ويُلاحَظ أن مشاعر المستثمرين متقلبة في أوروبا على وجه الخصوص.
  • الفشل في تخفيض البطالة المرتفعة ـ مصحوبا بمخاطر التطورات السلبية في أسواق المساكن في عدة اقتصادات متقدمة ـ يمكن أن يضعف ثقة المستهلكين، مما يؤثر على معدل إنفاق المستهلكين ويضعف آفاق النمو العالمي.
  • النمو بمعدل أعلى من الاتجاه العام، وتصاعد أسعار الأصول، وتسارع معدل التضخم في عدة اقتصادات صاعدة بدأ يثير المخاوف من احتمال دخول الاقتصاد في نوبة من النشاط المحموم، وكذلك من احتمال ظهور مشكلات في التعامل مع تنامي التدفقات الرأسمالية الداخلة، وتزايد قوة العملات.

وبعبارة أخرى، بالرغم من الارتداد الإيجابي الذي سجله النمو العالمي على وجه العموم، فسوف يحتاج الأمر إلى تحولات كبيرة لضمان التوصل إلى الأهداف المتوخاة، وهي النمو القوي والمتوازن على أساس قابل للاستمرار. وغني عن البيان أيضا أن تعزيز التعاون العالمي في مجال السياسات الاقتصادية والمالية يساهم بدور حيوي في هذا الصدد. وبفضل الجهود التي تمت مؤخرا لتوضيح دور الصندوق على وجه الدقة، سوف تولى أهمية أكبر لقدرة الصندوق على الوفاء بمسؤولياته الجديدة والموسعة.

توثيق التعاون

نشأت العملية التي يضطلع بها قادة مجموعة العشرين في أواخر عام 2008 من منطلق الإدراك لضرورة التحرك نحو تعاون عالمي أكثر فعالية بشأن السياسات الاقتصادية والمالية. وتمخض كل مؤتمر من مؤتمرات القمة الخمسة التي عقدها القادة* عن اتفاق لتوسيع وتعميق الآلية المستخدمة لتحقيق هذا التعاون. ولم تكن قمة سول الأخيرة استثناء من القاعدة. ففي أعقاب الأزمة مباشرة، ساهم التحرك المنسق على مستوى السياسات في الحد من الهبوط الاقتصادي وفي تهيئة الظروف المناسبة لتحقيق التعافي. وفي نفس الوقت، كان من الطبيعي أن تتشابه بشكل عام كل السياسات العلاجية الموصوفة للاقتصادات المختلفة.

لكن مرحلة التعافي الراهنة تزيد من التعقيدات التي تنطوي عليها العملية التعاونية، وإن كانت تؤدي في المقابل إلى إكسابها مزيدا من الأهمية أيضا. فقد خفتت مطالب التجانس بين السياسات في هذه المرحلة الثانية اللاحقة للأزمة، حيث أصبحت الحاجة المتصورة للعمل النشيط والمتزامن أقل حدة مما كانت عليه من قبل. وإضافة إلى ذلك، فمع اختلاف أداء الاقتصادات المتقدمة والصاعدة، أصبح تحقيق التجانس يتطلب وصفات مختلفة للسياسات.

وقد استشرفت القرارات التي صدرت عن قادة المجموعة في قمة سول الأخيرة أن هناك حاجة لتعزيز حوافز التعاون بشأن السياسات ـ فضلا على الحاجة إلى تعديل برامج السياسات كي تتلاءم مع الظروف المختلفة في اقتصادات المجموعة. وتمت المصادقة على عملية التقييم المتبادل* (أو اختصارا عملية "MAP") بوصفها مبادرة مستمرة تسترشد بمجموعة متفق عليها من "التوجيهات الإرشادية"، مع النظر إلى كل اقتصاد على حدة عند تقييم التقدم نحو الأهداف الأساسية المتمثلة في النمو العالمي القوي والمتوازن والقابل للاستمرار، واستعراض ما تحقق في قمة القادة المقبلة. ويتضمن إعلان القادة في سول* قائمة مفصلة ـ وإن كانت لا تلقى اهتماما كافيا على نطاق واسع ـ تضم تعديلات السياسة المقترحة لكل اقتصاد من اقتصادات مجموعة العشرين في إطار عملية التقييم المتبادل.

وبطبيعة الحال، توجد تحديات كبيرة أمام هذه العملية المبتكرة. فليست هناك سابقة تتطابق تماما مع هذه العملية الطموحة التي أنشأتها مجموعة العشرين للتقييم المتبادل. وكما أوضح الصندوق في وثائقه التحليلية المعنية بعملية التقييم المتبادل والتي نُشرت عقب انتهاء قمتي تورونتو و سول*، يتمثل الدافع الأساسي وراء عملية التقييم المتبادل في وجود إدراك مشترك ـ عززته الأزمة ـ لما يحمله المنهج التعاوني المنسق في صنع السياسات الاقتصادية والمالية من أمل واعد يبشر بتحقيق نتائج هائلة لكل الأطراف المعنية. وفي هذه الحالة، يبدو الحافز واضحا لبذل الجهود باستخدام منهج تعاوني منسق.

وتبعث هذه الرؤية على التفاؤل بإمكانية نجاح عملية التقييم المتبادل. ولكن أهم الأمور غير المؤكدة في هذا الخصوص هو ما إذا كان كل أعضاء المجموعة سيلتزمون بهذا المنهج. ورغم أن التقييم المتبادل هو عملية تقودها مجموعة العشرين، فقد طلب القادة دعما إلى الصندوق تقديم دعم كبير بشأنها. فعلى سبيل المثال، طلب قادة المجموعة إلى الصندوق "إجراء تقييم في إطار عملية التقييم المتبادل يتعلق بمدى التقدم المحرز نحو إرساء الاستمرارية الخارجية والاتساق بين سياسات المالية العامة والسياسات النقدية وسياسات القطاع المالي والسياسات الهيكلية وسياسات سعر الصرف وغيرها من السياسات". وبشكل أعم، يُلاحظ أن ما ظهر مؤخرا من تحديات جديدة وما تحقق من إصلاحات في الصندوق أدى إلى تعزيز دور الصندوق ومسؤولياته، مع زيادة الأهمية التي تعلق على إصدار الصندوق تحليلات تتميز بأعلى مستويات الجودة الفنية

نهضة الرقابة

ومن هذا المنطلق يُنتظر أن يكون عام 2011 عاما للإنجازات البارزة في رقابة الصندوق على الاقتصاد. وسوف يجري الصندوق هذا العام مراجعة الرقابة المقررة كل ثلاث سنوات*، مما يتيح للبلدان الأعضاء فرصة لتقييم التقدم الذي تحقق في هذا المجال، وكذلك تحديد الأولويات للثلاث سنوات القادمة. وفي هذا الصدد، بدأ الصندوق دمج تقييمات الاستقرار المالي بشكل أفضل في المراجعات القُطْرية الاعتيادية. وعلى وجه الخصوص، سوف يبدأ على الفور تطبيق برامج تقييم القطاع المالي* ـ التي يضطلع بها الصندوق بالاشتراك مع البنك الدولي ـ بصفة إلزامية على كافة البلدان الأعضاء ذات القطاعات المالية المؤثرة على النظام المالي*. وسيكون دعم الصندوق لعملية التقييم المتبادل التي أنشأتها مجموعة العشرين تكليفا حافلا بالتحديات ولكنه قد يعود بنفع غير مسبوق كما سيساعد في تعميق الحوار بشأن الرقابة مع أعضاء الصندوق.

ويعمل الصندوق بالفعل على إنشاء عدة أدوات تجريبية جديدة للتحليلات متعددة الأطراف، بما في ذلك تقارير التداعيات المعنية بتوسع تأثير السياسات المتبعة في "الاقتصادات ذات الأهمية النظامية" والتقارير القُطْرية المقارنة بشأن القضايا المشتركة. ومن المقرر إجراء أول تقييم للتداعيات* خلال العام القادم.

وعلى سبيل التحديد، سوف يعد الصندوق تقارير عن خمسة اقتصادات ذات أهمية نظامية ـ هي الصين ومنطقة اليورو واليابان والمملكة المتحدة والولايات المتحدة. وتتضمن هذه التقارير تقييما لتأثير السياسات المتبعة في هذه الاقتصادات الخمسة على بقية بلدان العالم، مع استكشاف الروابط الاقتصادية والمالية القوية التي ينتقل من خلالها هذا التأثير.

وفي نفس الوقت، تم مؤخرا تعزيز أدوات الصندوق المستخدمة في الوقاية من الأزمات، وذلك عن طريق إصلاحات في تسهيل خط الائتمان المرن* القائم لدى الصندوق وإنشاء خط الائتمان الوقائي* الجديد. ويجري مزيد من العمل حاليا لبحث إمكانية تحقيق مزيد من التقدم فيما يتعلق بقدرات الصندوق على الوقاية من الأزمات. وفي نفس الوقت، سوف يواصل الصندوق بنفس الدأب عمله المهم بشأن إصلاح القطاع المالي، بما في ذلك العمل الذي يتم بالتعاون مع مجلس الاستقرار المالي*.

وأختتم حديثي مؤكدا رؤيتي التي افتتحت بها: إن عام 2011 سيكون عاما حاسما في مسيرة تعافي الاقتصاد العالمي وجهود التعاون بشأن السياسات ودور الصندوق في معالجة هذين التحديين الرئيسيين. ورغم توافر مبررات قوية للتفاؤل الحذر، فإن هناك تحديات جسيمة قادمة. لقد بدأ العام الجديد وحان الوقت لبدء العمل.

* بالانجليزية