بقلم مسعود أحمد

تعمل ليبيا الآن - مثلها كمثل البلدان العربية الأخرى التى تمر بمرحلة تحول - على تهيئة الأوضاع للانطلاق نحو المستقبل. وقد بدأت هذه العملية مع قيام الثورة الليبية في فبراير 2011، لكنها لم تنته مع الإطاحة بالنظام الديكتاتورى الذي حكم البلاد لمدة 42 عاماً. وتواجه ليبيا على المدى القصير مهام جسيمة ومكلفة تتمثل في إعادة بناء اقتصادها وبنيتها التحتية ومؤسساتها، وتلبية مطالب السكان، وخاصة فيما يتعلق بتحسين إدارة الحكم.

وعلى عكس كثير من البلدان التي مرت بظروف مماثلة في الآونة الأخيرة، تمتلك ليبيا الموارد المالية اللازمة لإعادة البناء، والفرصة الكافية ليس فقط للتعافي وإنما أيضاً للتقدم. وتتيح الثروة النفطية خيارين أمام ليبيا: فإما أن تقع البلاد في الفخ الذي يقع فيه الكثير من البلدان الغنية بالموارد التي تعتمد اعتماداً كلياً على إيرادات الموارد الطبيعية القابلة للنفاذ دون تنويع الاقتصاد، أو تستخدم هذه الثروة لإقامة اقتصاد متنوع يؤدى إلى نمو اقتصادى يستفيد منه جميع شرائح المجتمع وإلى خلق قطاع خاص أكثر ديناميكية. وكما أوضحنا بالتفصيل في تقريرنا الذي يحمل عنوان ليبيا بعد الثورة: التحديات والفرص، تستطيع ليبيا تفادى "لعنة الموارد الطبيعية" (resource curse)عن طريق الإدارة الرشيدة لمواردها الوفيرة وإرساء مؤسسات قوية وتبنى سياسات سليمة.

 

التحديات الآنية

بعد الخروج من مرحلة عدم الاستقرار التى مرت بها ليبيا العام الماضى، هناك حاجة ملحة لاستعادة الأمن، والعودة إلى إنتاج النفط والغاز بالطاقة الكاملة، وإنعاش النظام المصرفي، وإعادة بناء البنية التحتية، والحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي.

والمهمة الأكثر إلحاحاً في الوقت الراهن هي تحسين البيئة الأمنية، لأن عدم اليقين بشأن الموقف الأمني سيمثل عائقاً أمام تعافي القطاع الخاص وعودة العمالة الوافدة التي تحتاجها ليبيا لتعويض نقص الموارد البشرية.

وتجدر الإشارة إلى تحسن الأوضاع بشكل واضح خلال الأشهر القليلة الماضية، حيث تعافى إنتاج النفط والغاز بسرعة أكبر مما كان متوقعاً، كما تم الإفراج عن الجانب الأكبر من الأرصدة المجمدة في الخارج بعد رفع معظم العقوبات المفروضة من الأمم المتحدة، وبالتالي لم يعد هناك نقص في المعروض من النقد الأجنبي، ومن ثم عاد تدفق الواردات إلى مستواه المعهود. بالإضافة لذلك، يجري العمل الآن على استعادة الأوضاع الطبيعية في النظام المصرفي. ولا شك أن هذا التعافي السريع سيتيح الفرصة لاتخاذ إجراءات في الوقت المناسب لتحقيق الأهداف طويلة المدى.

 

التحديات متوسطة الأجل

لا شك أن عملية التحول إلى "ليبيا جديدة" ستواجه تحديات كبيرة. وتتمثل هذه التحديات في معالجة الأسباب الجوهرية للثورة وبناء نظام ديمقراطي جديد فى ظل مخاطر إقليمية مرتفعة وحالة من عدم اليقين على المستوى العالمي. ويشترك الاقتصاد الليبي مع اقتصادات إقليمية أخرى في بعض الخصائص التي تسببت في حدوث الثورات فى بعض بلدان المنطقة، ولا سيما البطالة المرتفعة وخاصة بين الشباب.

فهناك إمكانات كبيرة تسمح بالتوسع في إنتاج النفط والغاز، لكن هذه الصناعة تتسم بكثافة استخدام رأس المال ومن ثم فهي لا تستطيع الإسهام إلا بقدر محدود للغاية في زيادة توظيف العمالة. وبالتالي، فإن ليبيا تحتاج إلى تنويع اقتصادها بعيداً عن الاعتماد على النفط بهدف خلق المزيد من فرص العمل وتحقيق النمو الذى يشمل جميع شرائح المجتمع. وسيكون من غير المفيد استمرار الاعتماد على النفط في اقتصاد تقوم فيه الحكومة بدور صاحب العمل الرئيسي، ويشكل فيه الأجانب معظم العاملين في القطاع الخاص، وتستقر فيه بطالة الشباب عند مستويات مرتفعة.

وينبغي تركيز الجهود فى الأجل المتوسط على بناء القدرات وتحديث البنية التحتية وتنمية القطاع الخاص وتحسين نظام التعليم وإقامة شبكة فعالة للأمان الاجتماعي، في ظل إطار للحوكمة يتسم بالشفافية والمساءلة.

ولاشك أن هناك حاجة حالياً للإنفاق على الدعم والأجور في القطاع العام من أجل تخفيف الضغوط الاجتماعية الآنية، لكن توظيف كل فرد من القوى العاملة في القطاع العام أمر باهظ التكلفة إلى حد لا يمكن الاستمرار في تحمله على المدى الطويل. أما إذا زادت كفاءة القطاع العام وتم إجراء الإصلاحات المؤسسية الأخرى، فسوف يتسنى الحد من الاعتماد على إيرادات النفط والمساهمة في تنويع النشاط الاقتصادي وتوفير فرص العمل عن طريق النمو الذي يقوده القطاع الخاص.

وبالمثل، هناك أيضاً حاجة لإصلاح نظام الدعم من أجل الحد من تسربه لغير مستحقيه وتوفير نظم حماية اجتماعية أفضل للأسر منخفضة الدخل.

 

المساعدة الفنية من الصندوق

نظراً لوفرة الموارد الطبيعية، فإن ليبيا لن تكون بحاجة إلى مساعدات مالية من الصندوق، لكنها ستحصل على دعم من الصندوق في صورة مساعدة فنية بهدف بناء القدرات، وذلك بالتعاون مع جهات شريكة أخرى ومع الاسترشاد بالأولويات التى تراها السلطات الليبية. ويقوم الصندوق حالياً بمساعدة الحكومة الليبية في إصلاح نظام الدعم الذى لا يستهدف مستحقيه، بهدف إقامة شبكة شاملة للأمان الاجتماعي. كما يواصل الصندوق مساعدة ليبيا على إنشاء نظام قوي وكفء وشفاف لإدارة المالية العامة، وذلك لضمان استخدام إيرادات النفط والغاز لأطول فترة ممكنة فى المستقبل ومن ثم توزيع الثروة على نحو أكثر إنصافاً للأجيال القادمة.