بقلم هوزيه فينيالز

— كان من الملائم أن أعرض آخر تقييماتنا للاستقرار المالي العالمي في ساو باولو التي تعد المركز المالي لواحد من الاقتصادات الصاعدة الرائدة. وعلى غرار كثير من البلدان النظيرة في أمريكا اللاتينية، تواصل البرازيل تعافيها القوي من الأزمة. لكن التحديات الجديدة أمام الاستقرار المالي بدأت تظهر في هذه المنطقة وغيرها من المناطق سريعة النمو.

 

وسأبدأ بعرض ثلاث رسائل أساسية:

  • الأولى أن المخاطر المالية زادت منذ إبريل الماضي
  • والثانية، أن ذلك يتطلب من صناع السياسات في الاقتصادات المتقدمة والصاعدة تكثيف الجهود للحفاظ على الاستقرار المالي وحماية التعافي الاقتصادي.
  • أما الثالثة، فهي أننا دخلنا مرحلة جديدة من مراحل الأزمة ـ مرحلة سياسية ـ حيث يتعين اتخاذ قرارات سياسية صعبة، لأن الفرصة المتاحة لاتخاذ إجراءات ملموسة على مستوى السياسات تشرف على الانتهاء. ولذا يصبح الوقت في هذه المرحلة عاملا حيويا.

واسمحوا لي أن أستعرض تفاصيل المخاطر الإضافية التي أصبحت تواجه الاستقرار المالي، والتي تجعل صناع السياسات والمستثمرين في حالة من الترقب القلِق.

أولا، هناك سلسلة من المفاجآت السلبية في البيانات الاقتصادية الأخيرة تدفع المستثمرين لإعادة تقييم مدى استمرارية التعافي الاقتصادي. فبينما لا يزال التعافي العالمي هو السيناريو الأرجح، ازدادت احتمالات تطور الأوضاع بشكل أقل إيجابية مما ورد في هذه التنبؤات. وسيكون أي ضعف يطرأ على آفاق الاقتصاد الحالية بمثابة تهديد ينذر بتعطيل التحسينات التي بدأت في الميزانيات العمومية للبنوك والأسر ـ وقد يؤدي إلى انتكاسها.

ثانيا، هناك قلق متزايد تجاه مدى توافر الإرادة السياسية لدعم جهود التصحيح في أوروبا. وقد أدى الافتقار إلى حل شامل لهذه المشكلة إلى زيادة ضغوط السوق المالية على بعض الحكومات الأوروبية، كما أعاد المخاوف بشأن احتمال العدوى من البلدان داخل أوروبا وخارجها.

وفي الولايات المتحدة، تتزايد مخاوف الأسواق المالية بسبب استمرار الجمود السياسي في اتخاذ قرار بشأن الحد الأقصى للديون ومسار المالية العامة على المدى الأطول. وربما تكون أهداف التصحيح المالي قد أصبحت أكثر صعوبة في اليابان نظرا لتأثير الزلزال وتسونامي مؤخرا.

وثالثا، نشعر بالقلق إزاء الآثار التي تترتب على استمرار أسعار الفائدة المنخفضة لفترة مطولة. فالسياسات النقدية التيسيرية لا تزال ضرورية في الاقتصادات المتقدمة، وهو ما يرجع في جانب منه على التقدم المحدود في تسوية المشكلات الهيكلية. لكن استمرار أسعار الفائدة المنخفضة لفترة مطولة قد يفضي بالمستثمرين إلى تقدير المخاطر بأقل من حجمها الحقيقي في سعيهم لتحقيق عائد مرتفع، وهو ما يمكن أن يساهم في تراكم الاختلالات المالية. وقد لاحظنا اتجاهين شائعين في هذا الخصوص:

  • تناقُص تكلفة الديون يشجع بعض الشركات والمستثمرين على إعادة اكتشاف ما لديهم من استعداد لتحمل الرفع المالي. وهناك أدلة على هذه العودة إلى الرفع المالي في سوق سندات الشركات عالية العائد والقروض التمويلية.
  • كان بحث المستثمرين عن العائد حافزا أيضا لدخول تدفقات رأسمالية قوية إلى بعض الأسواق الصاعدة الأساسية، وإن كانت هذه التدفقات قد تراجعت في الآونة الأخيرة. فعلى سبيل المثال، أدت قوة الطلب الخارجي إلى حدوث طفرة في إصدار سندات الشركات الدولية مؤخرا، ومن أبرزها الإصدارات من أمريكا اللاتينية، وهبوط العائد على سندات الشركات.

أولويات السياسة

نظرا لهذه المخاطر، ينبغي لصناع السياسات تكثيف الجهود لمعالجة التحديات المالية طويلة الأمد بشكل حاسم ونهائي.

ففي أوروبا، ينبغي فك الارتباط الوثيق بين البنوك والحكومات فيما يتصل بالانكشافات المالية التي يدعم بعضها البعض الآخر، والتي تسببت في إثارة القلق من احتمال العدوى.

وللحد من مخاطر العدوى، ينبغي أن يعتمد صناع السياسات منهجا يقوم على ركيزتين ـ (1) الدفع لإرساء خطة شاملة لمعالجة الخلل في النظام المالي، و (2) تخفيض المخاطر السيادية عن طريق عملية موثوقة لضبط أوضاع المالية العامة على المدى المتوسط.

1- النظام المالي: لم يتحقق تقدم كافٍ حتى الآن في دعم التمويل المصرفي وأوضاع رأس المال في بعض بلدان الاتحاد الأوروبي. وسوف تكون اختبارات قياس القدرة على تحمل الضغوط والتي تعتزم "الهيئة المصرفية الأوروبية" إجراؤها بمثابة فرصة كبيرة لزيادة الشفافية ومعالجة مكامن الضعف في البنوك التي تفتقر إلى رأس المال الكافي.

2- الحكومات: يتعين توافر الإرادة السياسية لمعالجة احتياجات التصحيح المالي على المدى المتوسط في عدة بلدان متقدمة لم تتخذ بعد إجراءات حاسمة في هذا المجال، ومنها الولايات المتحدة واليابان.

وباختصار، فيما يتصل بالنظم المالية والحكومات، تحتاج الاقتصادات المتقدمة إلى تخفيض منظم لنسب الرفع المالي، أي أن عليها الحد من الاقتراض.

وفي المقابل، تحتاج الاقتصادات الصاعدة إلى التركيز على عملية منظمة لاستعادة الرفع المالي.

  • وينبغي أن تقوم الاقتصادات الصاعدة بذلك عن طريق وقاية الاقتصاد من النشاط المحموم وتراكم الاختلالات المالية ـ مع قوة النمو الائتماني وتصاعد التضخم والزيادة المستمرة في التدفقات الرأسمالية الداخلة.
  • ويشهد الرفع المالي زيادة مطردة في قطاع الشركات، كما أصبحت الشركات الضعيفة قادرة على النفاذ إلى أسواق رأس المال الدولية. وقد يترتب على هذا زيادة تعرض الميزانيات العمومية في هذا القطاع للصدمات الخارجية.
  • ومع ضغوط الطلب المحلي القوية ـ وخاصة في بلدان آسيا وأمريكا اللاتينية الصاعدة ـ تظهر الحاجة لاتخاذ تدابير اقتصادية كلية لتجنب فورة النشاط الاقتصادي، وتزايد المخاطر المالية، وإضعاف مصداقية السياسات.
  • وهناك دور داعم في إدارة التدفقات الرأسمالية والآثار المترتبة عليها يمكن أن تؤديه أدوات السلامة الاحترازية الكلية، مثل زيادة مستويات الاحتياطي الإلزامي، وكذلك استخدام قيود رأس المال في بعض الحالات. غير أن هذه الأدوات لا تصلح بديلا للسياسات الاقتصادية الكلية الملائمة.

ولا يزال صناع السياسات يواجهون صدمات مستقبلية قد تكون كبيرة في النظام المالي، في وقت لم تصبح فيه صلابة هذا النظام أمرا مؤكدا بعد.

وهناك مساحة أقل للتصرف في مواجهة هذه الصدمات من خلال سياسات المالية العامة والسياسات النقدية التقليدية. وإضافة إلى ذلك، ففي النظم السياسية التي تزداد تشابكا قد يجد صناع السياسات صعوبة متزايدة في اتخاذ إجراءات ملموسة من خلال السياسات لمعالجة المخاطر السيادية والمالية.

إننا الآن في مرحلة جديدة من مراحل الأزمة ـ وهي المرحلة السياسية ـ حيث يتعين اتخاذ قرارات سياسية صعبة. والوقت في هذه المرحلة عامل حيوي.