بقلم كارلو كوتاريللي

حين يتعلق الأمر بتصحيح الإنفاق العام، يصبح تحقيق التوازن السليم عاملاً مهماً. وتصحيح أوضاع المالية العامة جارٍ في مختلف اقتصادات العالم، لكن المخاطر لا تزال كبيرة. ولخفض مستوى هذه المخاطر، من المهم تخفيض المديونية والعجز إلى مستويات أكثر اعتدالاً.

وهناك ما يدعو إلى تحقيق ذلك عاجلا وليس آجلا.

لكن السرعة المفرطة في تقليص الموازنة يمكن أن تعوق التعافي الاقتصادي ككل. وإذا تأخر التعافي، سوف ترتفع المديونية والعجز، ومن ثم البطالة أيضاً.

وما يحتاجه الأمر طبقا لتحليلنا، هو التصحيح المطرد والتدريجي في آن واحد. وعلى ذلك، وكما نقول تكراراً منذ فترة، ينبغي أن تكون وتيرة التصحيح ملائمة ـ ليست مفرطة في السرعة ولا في البطء، لكنها في حدود المطلوب بالنسبة للبلدان التي يسمح فيها التمويل المتوافر بإجراء التصحيح.

الصورة تتحسن

حدث تراجع في مستوى المخاطر مقارنة بما كان عليه منذ ستة أشهر. وأول سبب في ذلك هو التقدم الذي أُحرز في تنفيذ السياسات، وهو ما يجري الآن في أوروبا بوجه خاص.

غير أن مستوى المخاطر لا يزال شديد الارتفاع، وهو ما يؤكده استمرار تقلب السوق والارتفاع المتواصل في مستوى الدين العام. وفي الرسم البياني الوارد أدناه، والذى يوضح متوسط نسبة الدين العام إلى إجمالي الناتج المحلي في الاقتصادات المتقدمة على مدار المائة والثلاثين عاما الأخيرة، نجد أن هذه النسبة بلغت الآن مستوى شديد الارتفاع ـ لم تصل إليه إلا مرة واحدة في آخر 130 عاماً، وذلك إبان الحرب العالمية الثانية.

إذن لا تزال المخاطر مرتفعة في الاقتصادات المتقدمة. وكما يؤكد تقرير الراصد المالي، تبدو الآفاق أفضل في الاقتصادات الصاعدة، رغم كونها معرضة للتأثر بما قد يحدث فى الاقتصادات المتقدمة.

وبشكل عام، تسير عملية التصحيح المالي هذا العام بوتيرة نراها قريبة من الملائم في المتوسط إذا نظرنا بعين الاعتبار إلى ضرورة موازنة المخاطر المختلفة أمام البلد المعني. وفي بضعة بلدان، سيكون المجال متاحاً للحد من سرعة تخفيض العجز إذا أرادت السلطات بعض التأمين الإضافي من مخاطر التطورات السلبية غير المتوقعة على النمو، لكننا نعتقد أن وتيرة التصحيح ملائمة بوجه عام.

نظرة فاحصة على الأرقام

لعله من المفيد أن ننظر إلى الرصيد الهيكلي لاستيعاب ما هو جارٍ بالفعل في شأن العجز. فمن خلال هذا الرصيد، يمكن استبعاد الآثار الواقعة على الموازنة من جراء تباطؤ النمو أو زيادة سرعته، وكذلك العوامل المتكررة التي قد تجعل النتائج تبدو أسوأ أو أفضل لفترة مؤقتة لكنها لا تعاود الظهور في السنوات القادمة. ونفهم من خلال الرصيد الهيكلي كيف تحسن العجز أو ازداد سوءاً بشكل منفصل عن العوامل الدورية وغير المتكررة.

وفي عام 2011، وصل التغير في الرصيد الهيكلي، في كل بلد على حدة، إلى متوسط 0.75% - 1% من إجمالي الناتج المحلي. ونفس التصحيح تقريباً يحدث هذا العام، بواقع 0.75% - 1% من إجمالي الناتج المحلي في المتوسط.

ونشاهد أكبر تصحيح في البلدان التي تخضع لضغوط السوق. ولكن كل الاقتصادات المتقدمة تواصل تخفيض العجز الهيكلي، باستثناء اليابان التي لا تزال تعالج آثار الزلزال وموجة تسونامي. وجدير بالذكر أن الولايات المتحدة وألمانيا، الخاضعتين لضغوط السوق، تقومان بالتصحيح أيضا في 2011-2012 (وبقدر يكاد يتطابق في الحالتين).

إذن فالتصحيح جارٍ وسيستمر في العام القادم.

المشوار لا يزال طويلاً

ستحقق بعض البلدان تقدماً كبيراً خلال عامي 2012 و 2013، وسيظل أمام البعض الآخر عمل كثير يتعين إنجازه في السنوات التالية لتخفيض نسب الدين إلى مستويات ما قبل الأزمة. وحتى بالنسبة للبلدان التي أحرزت تقدما كبيراً بالفعل، سيظل هناك تحدي الحفاظ على هذا التقدم لعدة سنوات بينما تواصل نسب الدين تراجعها البطيء.

إن المطلوب في كل بلد هو خطة متوسطة الأجل لتصحيح أوضاع المالية العامة من أجل تخفيض الدين العام بمرور الوقت. وقد وضعت بعض البلدان هذه الخطط بالفعل، بينما لا يزال على بلدان أخرى، مثل الولايات المتحدة واليابان، أن توضح بشكل كامل خططها الرامية إلى خفض الدين العام على المدى المتوسط. وعليها القيام بذلك في أقرب وقت. ففي غياب هذه الخطط التي ستساعد على تثبيت التوقعات قد يتطلب الأمر تقشفاً مالياً أكبر مما قد يتطلبه في وجود خطة للتصحيح التدريجي.

فعلى سبيل المثال، وفي الولايات المتحدة أيضاً، سينخفض العجز في 2013 بنحو 3.5% من إجمالي الناتج المحلي في حالة عدم اتخاذ أي تدابير إضافية، وهو ما سيشكل أكبر تصحيح مالي يتم في عام واحد منذ عام 1947 حين تقلص العجز بدرجة كبيرة بسبب انتهاء الإنفاق العسكري مع نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد يكون لهذا الهبوط الكبير في العجز المالي تأثير كارثي على النمو في مناخ اقتصادي يكتنفه الكثير من عدم اليقين.

الضغوط تتراجع في الاقتصادات الصاعدة

شهدت الاقتصادات الصاعدة كثيراً من التصحيح في عام 2011. ويكاد هذا التصحيح أن ينتهي في عام 2012، لكننا نرى ذلك أمراً ملائماً بوجه عام، لأن حسابات المالية العامة في متوسط الاقتصادات الصاعدة ليست بنفس الضعف الذي آلت إليه في الاقتصادات المتقدمة.

لكن الاقتصادات الصاعدة ذات العجز المرتفع والمديونية الكبيرة سيكون عليها أيضاً مواصلة التصحيح بالتدريج.

ما هو انعكاس ذلك على السياسات الاقتصادية؟

أولاً، يجب أن يستمر التصحيح المالي بخطى ثابتة، لا هي مفرطة في السرعة ولا في البطء، إذا كان الحيز المالي متاحاً لهذا التصحيح.

  • يعني هذا أن النمو إذا تعثر مقارنة بتوقعاتنا الحالية، ينبغي أن تتيح البلدان حرية العمل لأدوات الضبط التلقائي ـ مثل تأمينات البطالة أو الائتمان الضريبي لأصحاب الدخل المنخفض. وإذا كانت هناك إيرادات ضائعة بسبب انخفاض النمو، ينبغي ألا يقابل ذلك بمزيد من التدابير التقشفية التي يمكن أن تزيد الأمور صعوبة.
  • وفي بيئة يسودها عدم اليقين، يمكن للبلدان ذات الحيز المالي الكافي أن تنظر في إبطاء وتيرة التصحيح في ماليتها العامة للحد من مخاطر التطورات السلبية غير المتوقعة على النمو.

ثانياً، وجود خطة واضحة وموثوقة للتصحيح المالي متوسط الأجل يعد من أهم متطلبات النمو القابل للاستمرار:

  • من الممكن أن تساعد الركائز المؤسسية للمالية العامة في استكمال هذه العملية. وتمثل المعاهدة المالية في أوروبا خطوة كبيرة في هذا الصدد.
  • وينبغي أن تتخذ أوروبا خطوات أخرى على المدى المتوسط من أجل تحقيق شكل أقوى من أشكال الفيدرالية المالية، وتحسين أدوات اقتسام المخاطر، والتقدم في معالجة قضية سندات اليورو الأوروبيةـ وقد نوقِشت هذه القضايا مرات كثيرة، إلا أن هذه المناقشات لم تنته إلى قرار بعد. وأخيراً، ينبغي أن يكون لموازنة الاتحاد الأوروبي دور أقوى أيضاً، بما في ذلك معالجة فترات الهبوط الدوري في بعض المناطق. إنها أمور يجب أن تتم على المدى المتوسط. لكن العنصر المهم هو أن هناك خطة وتوافقاً عاماً مشتركاً بشأن ما يمكن القيام به في هذه المجالات.
  • وينبغي أيضاً إدخال المزيد من الإصلاحات على الركائز المؤسسية للمالية العامة في أنحاء أخرى من العالم. فعلى سبيل المثال، نجد أن عملية الموازنة في الولايات المتحدة ينقصها الكثير. كذلك يمثل إصلاح الإنفاق على نظم التقاعد والرعاية الصحية عاملاً حاسماً لإرساء أوضاع مالية قابلة للاستمرار على المدى الطويل.

تحويل المستحيل إلى ممكن

قد يبدو الآن من شبه المستحيل تخفيض الدين العام إلى مستواه السابق على الأزمة. لكن هذه المهمة ستتيسر إلى حد كبير إذا حققت البلدان نمواً أسرع على المدى الطويل.

وبناء على حساباتنا، نجد أن حدوث زيادة في النمو الاقتصادي السنوي طويل الأجل بمقدار ربع نقطة مئوية فقط يمكن أن ينشئ حلقة إيجابية تؤدي بعد عشر سنوات إلى انخفاض نسبة الدين إلى إجمالي الناتج المحلي بمقدار 6 نقاط مئوية. ويرجع ذلك إلى أن ارتفاع النمو يسهل تحقيق فائض أولي ويخفض نسبة الدين العام إلى إجمالي الناتج المحلي بشكل مباشر. ويؤدي ذلك بدوره إلى تخفيض سعر الفائدة، مما يدعم النمو الاقتصادي.

وإذا تم تفعيل هذه الحلقة الإيجابية بين النمو وتخفيض الدين العام، وهو ما يعتبره الكثيرون مهمة شبه مستحيلة في الوقت الراهن، سيبدو تخفيض الدين العام إلى مستوى ما قبل الأزمة هدفا أسهل بكثير.