بقلم: هيو بريدينكامب

تشهد هذه الأيام كثيراً من التطورات السلبية التي تضطر حكومات البلدان منخفضة الدخل إلى التعامل معها. فالنمو البطيء في الاقتصادات المتقدمة يتسبب في إضعاف الطلب على الصادرات والحد من تدفق الاستثمارات والمعونات وتحويلات العاملين إليها. ويتأثر حجم التمويل المتاح للتجارة بالتغيرات التي تطرأ على الأوضاع الائتمانية في البلدان الأخرى. ومع تقلب أسعار السلع الأولية تنشأ مشكلات في البلدان المستوردة والمصدرة على السواء. وفي نفس الوقت، يستمر وقوع الكوارث المناخية وغيرها من الكوارث الطبيعية على المستويين المحلي والإقليمي.

ويمكن أن يكون تأثير هذه المشكلات مضراً للغاية بالنسبة للبلدان منخفضة الدخل. فحدوث طفرة في أسعار الغذاء يمكن أن يجهض نتاج سنوات من الجهود في مجال الحد من الفقر. وحدوث انهيار في سعر سلعة أساسية من سلع التصدير يمكن أن يتسبب في بطالة الكثيرين وتَراجُع الإيرادات الضريبية، في الوقت الذي تشتد فيه الحاجة إلى الإنفاق على الخدمات العامة. وبالنسبة للبلدان الأكثر فقراً، يمكن أن تؤثر التطورات في أنحاء أخرى من العالم تأثيراً سريعاً على أوضاع العمالة والتضخم والموازنة والديون وميزان المدفوعات.

التمويل المخصوص

ولتخفيف وطأة التكيف مع هذه الأحداث، استعانت معظم البلدان بالتمويل الخارجي من صندوق النقد الدولى والبنك الدولي وغيرهما من المؤسسات الدولية. وسيظل دور المؤسسات الدولية بالغ الأهمية في هذا الصدد، ومن ثم فقد أجرينا إصلاحات واستحدثنا مبتكرات تجعل التمويل المقدم من الصندوق أكثر تلبية لاحتياجات البلدان منخفضة الدخل. (كما أجرى البنك الدولي إصلاحات مهمة أيضاً).

ونظراً لطبيعة المهمة المنوطة بنا، فهي تستوجب أن يظل دور الصندوق التمويلي منصباً على التمويل "اللاحق" (أي الذي يتم ترتيبه بعد وقوع الحدث). إلا أن الإصلاحات التى أجريناها فى يناير 2010 تسمح لنا بتقديم تمويل أكثر ملاءمة لاحتياجات كل بلد وبسرعة أكبر.

وبوسع البلدان منخفضة الدخل التي نجحت في بناء هوامش وقائية على مستوى الاقتصاد الكلي أن تستعين بهذه الهوامش على سبيل "التأمين الذاتي" لتخفيف حدة الضربات المحتملة. وقد طُبق هذا المنهج تطبيقا فعالاً في عدد كبير من البلدان خلال عامي 2008 و 2009، حيث تمت مواجهة الركود العالمي بتيسير السياسات النقدية والمالية. وقد أمكن إتباع هذه السياسات المعاكسة لاتجاه الدورة الاقتصادية آنذاك لأن كثيراً من البلدان منخفضة الدخل كانت فد نجحت فى خفض معدلات التضخم وحققت تحسناً في أوضاع المالية العامة والمديونية وتمكنت من بناء مستويات مريحة من احتياطيات النقد الأجنبي لعدة سنوات سابقة ـ وذلك بفضل الإدارة الاقتصادية الكلية الحذرة والحصول على تخفيف لأعباء دينها الخارجي.

وسيظل التأمين الذاتي والتمويل الرسمي مطلبين ضروريين للبلدان منخفضة الدخل، لكن الاستراتيجيات المكملة يمكن أن تكون عاملاً مساعداً أيضاً. وقد بحثنا في دراسة صدرت مؤخراً (بالاشتراك مع خبراء البنك الدولي) الدور الذي يمكن أن تؤديه الأدوات المالية المخصصة للطوارئ في مساعدة حكومات البلدان منخفضة الدخل على التعامل مع بعض أنواع الصدمات الاقتصادية. والأدوات المالية المخصصة للطوارئ هي أدوات يتم ترتيبها مسبقاً وتبدأ العمل عند وقوع حدث معين (يُعرَّف بدقة). ويمكن أن تتخذ هذه الأدوات المالية شكل أدوات تأمينية، أو عقود للتحوط ضد مخاطر السوق، أو خطوط ائتمان، أو أدوات دين تتعدل شروط السداد فيها تبعاً لأحداث معينة.

ولأن الأدوات المالية المخصصة للطوارئ تعمل تلقائياً، فمن الممكن أن تُصرف الأموال المطلوبة بسرعة عند وقوع الحدث ـ مما يسهل التنبؤ بحالة المالية العامة، ويساعد الحكومة على تجنب تخفيضات الإنفاق المفاجئة أو غير ذلك من التدابير الصعبة التي قد تتخذ في مثل هذه الظروف.

ولا يزال استخدام الأدوات المالية المخصصة للطوارئ محدوداً في البلدان منخفضة الدخل ككل (وإن كان استخدام الهيئات العامة لأدوات التحوط ضد تقلبات أسعار السلع قد بدأ يزداد في الآونة الأخيرة). لكن المؤسسات المالية يمكن أن تقوم بدور تيسيري مفيد في زيادة تطوير هذه الأدوات واستخدامها.

 

إدارة المخاطر

وتتمثل أهم الأولويات في مساعدة البلدان منخفضة الدخل على بناء أطر قوية لقياس وإدارة المخاطر التي تواجهها، إلى جانب تقديم المشورة التشغيلية والعملية حول أفضل السبل لإدارة الأصول والخصوم (مثل إدارة الدين العام) بما يتناسب مع هذه المخاطر. ويقدم الصندوق والبنك الدولي بالفعل مساعدات متخصصة في هذه المجالات.

وهناك عدة حالات يساعد فيها الشركاء الدوليون بالفعل في تصميم وتيسير استخدام الأدوات المالية المخصصة للطوارئ في البلدان منخفضة الدخل. ففي إثيوبيا، هناك مؤشر يُعْرف باسم سبل المعيشة والتقييم المبكر والحماية (LEAP) ويرتبط بالتمويل الطارئ من الجهات المانحة لإمداد الأسر المُعسِرة بالسيولة النقدية اللازمة في حينها عند تعرض البلاد لموجة من الجفاف الشديد.

وبدعم من البنك الدولي وإدارة التنمية الدولية في المملكة المتحدة، قامت ملاوي بشراء عقود مشتقات مالية للوقاية من ظروف الجفاف الشديد. كذلك تعتمد ملاوي على عقود التحوط لتأمين محصول الذرة. وعن طريق التحديد الدقيق لشروط التسوية المادية في هذه العقود المخصصة، تتوفر الحماية ليس من تقلب أسعار الواردات فحسب بل أيضاً من بعض العوامل الأخرى مثل قيود النقل وأداء التجار المحليين ـ مما يعزز الأمن الغذائي في البلاد.

 

سبل زيادة المساعدة

وتستطيع المؤسسات المالية الدولية زيادة مساعداتها بعدة طرق، منها دعم تصميم وتنفيذ ترتيبات التضامن في توزيع المخاطر، والعمل كجهات وسيطة في معاملات التحوط ضد تقلبات السوق، والمساعدة في تصميم وتنسيق إصدار أدوات الدين المخصصة للطوارئ. (وتقدم فرنسا بالفعل قرضاً للتطوير يرتبط بفترة مهلة متغيرة ويسمح بالمرونة في تحديد شروط السداد في ظل ظروف معينة.)

وتأكيداً لما ورد آنفاً، نكرر أن هذه الجهود ينبغي أن تعتبر مكملة للتأمين الذاتي الذي تقوم به البلدان منخفضة الدخل، وكذلك لتمويل المؤسسات المالية الدولية الذي يغلب عليه الطابع التقليدي. لكن تيسير استخدام أدوات التمويل الطارئ سوف يثمر مع مرور الوقت كلما زاد الاستقرار الاقتصادي ـ ولا سيما إذا تم في سياق جهد أوسع لمساعدة البلدان منخفضة الدخل على إدارة المخاطر العديدة التي تتعرض لها.