تفادياً لظهور جيل ضائع

بقلم: نعمت شفيق

لم يكن للشباب يد على الاطلاق فى حدوث الأزمة المالية العالمية، وبالرغم من ذلك فإنه من الممكن أن يدفع هؤلاء الشباب ثمناً باهظاً للأخطاء التي أدت بنا إلى ما نحن فيه اليوم.

سيكون لزاماً على الشباب دفع الضرائب اللازمة لخدمة الديون التي تراكمت في السنوات الأخيرة. بالإضافة إلى ذلك، فإن الاقتصاد العالمي مهدد بعدم الاستقرار نتيجة مشكلة الديون السيادية فى منطقة اليورو، كما أن  البطالة ما زالت تتصاعد في عدة بلدان، ولا سيما في أوروبا. ويعد الشباب (في سن 15-24) أكثر الفئات العمرية تضرراً، حيث بلغت البطالة بينهم مستويات قياسية في عدد من البلدان.

وما لم توضع السياسات الصحيحة لمعالجة هذه المشكلات، فمن الوارد ألا يقتصر الأمر على عقد ضائع من حيث النمو الاقتصادى فحسب، بل سيتخطى ذلك إلى ظهور جيل ضائع أيضاً.

ولنتأمل هذه الأرقام. ففي أسبانيا واليونان، لا يستطيع حوالي نصف الشباب العثور على فرص عمل. وفي الشرق الأوسط، يمثل الشباب 40% أو أكثر من مجموع العاطلين عن العمل في الأردن ولبنان والمغرب وتونس، وحوالي 60% من المجموع في سوريا ومصر. حتى فى الولايات المتحدة ذات السجل المتميز تاريخياً من حيث توفير فرص العمل، يتعذر فيها الآن على أكثر من 18% من مجموع الباحثين عن عمل الحصول على وظيفة.

تركة من الخسائر

للبطالة بين الشباب عواقب طويلة الأجل على النمو الاقتصادي نظراً لما تسببه من خسارة رأس المال البشري أو تدهوره. كما أن لها أيضاً عواقب كثيرة أخرى، سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى المجتمع ككل.

ومن بين هذه العواقب:

  • زيادة التكاليف على الاقتصاد: تؤدي بطالة الشباب إلى زيادة تأمينات البطالة وغيرها من المدفوعات التى تؤديها الحكومة، إلى جانب الإيرادات الضائعة من ضرائب الدخل، والطاقة الإنتاجية المهدرة.
  • هجرة العقول: غالباً ما تؤدي البطالة إلى زيادة الهجرة، وهو ما يحدث الآن بوضوح في آيرلندا وآيسلندا كما يحدث منذ وقت طويل في كثير من بلدان الشرق الأوسط. وفي كثير من الاقتصادات التي أضيرت من الأزمة، تعتبر الهجرة ظاهرة معتادة كلما حدث تهاوى فى الاقتصاد.
  • ارتفاع معدلات الجريمة: أثبتت الأبحاث ارتباط البطالة بارتفاع معدلات الجريمة.
  • تراجع الدخل الممكن تحقيقه مدى الحياة: تُخَلِّف بطالة الشباب أثراً يطلق عليه اسم “ندبة الأجر”، وهو يشير إلى تراجع الدخل الذي يمكن تحقيقه حتى منتصف العمر. وكلما طالت فترة البطالة، زاد هذا الأثر في المقابل.
  • انخفاض العمر المتوقع: بشكل عام، ثبت ارتباط البطالة بانخفاض العمر المتوقع، وارتفاع نسب حدوث النوبات القلبية في وقت لاحق من العمر، وحتى بارتفاع معدلات الانتحار.

 

خارطة طريق لتوفير الوظائف

 

إن المساهمة الكبرى التى يمكن أن يقدمها الصندوق للحد من بطالة الشباب هي مساعدة بلدانه الأعضاء على تعزيز الاستقرار الاقتصادي الكلي واستعادة النمو الاقتصادي. فلن تتوافر فرص العمل اللازمة للمواطنين من جديد ما لم يتحقق تعافي فى الاقتصاد.

ولكي يعود الاقتصاد العالمي إلى وضع يستطيع فيه توفير الوظائف وليس تقليصها، ينبغي اتخاذ عدد من الخطوات.

ففي الاقتصادات المتقدمة كالولايات المتحدة وأوروبا، هناك مشكلة تتعلق بعدم كفاية الطلب الكلى. وينبغي عمل المزيد لتنشيط النمو وتوظيف العمالة.

وهناك معوقات ذات طبيعة هيكلية مزمنة تُضعِف الإقبال على تعيين الشباب في كثير من بلدان أوروبا أيضاً.

وفي سياق الحوار مع البلدان الأعضاء بشأن السياسات الاقتصادية، يوصي الصندوق باتخاذ تدابير للحد من تجزئة سوق العمل، وفتح الباب أمام المنافسة (وخاصة في قطاع الخدمات)، وتنفيذ إصلاحات ضريبية أكثر دعماً للنمو، وتكثيف الجهود في مجالات التعليم والبحوث والتطوير.

وتختلف القصة في الاقتصادات الصاعدة. فهي لا تزال محتفظة بنموها الاقتصادى القوي، حتى أن بعضها كان معرضاً ـ حتى وقت قريب على الأقل ـ للدخول في نوبة من النشاط الاقتصادي المحموم. ويمكن أن تساهم بعض هذه البلدان ـ لا سيما التي تحقق فوائض كبيرة فى موازين المدفوعات ـ في حل مشكلة البطالة بين الشباب عن طريق دعم الطلب المحلي وشراء المزيد من السلع المنتَجة في بلدان أخرى، ومنها البلدان المتقدمة.

أما البلدان منخفضة الدخل فقد تجاوزت الأزمة بنجاح كبير بعد عام 2008، لكنها استخدمت فى ذلك قدراً كبيراً من مواردها الحكومية للوصول إلى هذه النتيجة. ومن ثم فهي تحتاج الآن إلى إعادة بناء أرصدتها المالية الوقائية لكي تستطيع الحفاظ على توظيف العمالة وإعادة توجيه الإنفاق نحو المجالات ذات الأولوية، مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية، حتى ولو حدث تدهور فى البيئة الاقتصادية العالمية.

ويمثل الحصول على الائتمان عاملاً مهماً آخر في توفير فرص العمل. ولذا فإنه من المهم إعادة رسملة البنوك واستعادة الثقة بشكل أعم، حتى تتمكن المؤسسات المالية من العودة إلى ممارسة نشاط الإقراض والمساهمة في النمو.

وفي الاقتصادات النامية، يمارس الكثير من البنوك نشاط الإقراض بالفعل، لكن القروض لا تصل إلى قطاعات كبيرة من السكان، لا سيما الشباب والساعين إلى دخول عالم الأعمال.

 

دعوة إلى العمل

 

هناك أمور كثيرة معرضة للخطر في عام 2012 بالنسبة لملايين الشباب في جميع أنحاء العالم. وإذا لم ننجح في إعادة الاقتصاد العالمي إلى مسار التعافي المنشود، فسوف يتعثر مستقبلهم، ويُسرَق المزيد من أحلامهم. ولحل مشكلات البطالة بين الشباب، لا بد من استعادة النمو العالمي وانتهاج سياسات تدعم توظيف العمالة وتوفير الائتمان. ولن يتحقق أي من هذه الأهداف بدون التنسيق والتعاون على المستوى الدولي.

نرحب بتعليقاتكم

*