التقشف المالي: جرعة زائدة من دواء مفيد؟

بقلم: كارلو كوتاريللي

(بلغات أخرى English)

كان رأي الصندوق في فترة ما أنه ينبغي تخفيض نسب الدين العام المرتفعة لتصل إلى مستويات أكثر أماناً في كثير من الاقتصادات المتقدمة، عن طريق عملية تدريجية ومطردة. ويُلاحَظ أن هناك مخاطر ينطوي عليها كل من التفريط والإفراط في هذا الخصوص. فالتقشف المالي غير الكافي يمكن أن يتسبب في فقدان ثقة الأسواق ووقوع أزمة في المالية العامة، مما قد يتسبب بدوره في القضاء على النمو؛ لكن الإفراط في التقشف من شأنه إلحاق الضرر بالنمو بشكل مباشر.

وقد دعونا في بعض الأحيان خلال العامين الماضيين إلى تسريع وتيرة التقشف المالي حين وجدنا أن العملية تسير ببطء شديد.

أما في ظل البيئة الراهنة، فإنني أشعر بالقلق من احتمال أن تكون الوتيرة أسرع مما ينبغي في بعض البلدان.

المخاطر على التعافي الاقتصادي

يتضح من آخر تحديث لتقرير الراصد المالي أن التقشف المالي يسير بسرعة كبيرة في الاقتصادات المتقدمة ـ حيث يُتوقع هبوط العجز بقيمة متوسطة كلية قدرها نقطتين مئويتين من إجمالي الناتج المحلي في الفترة 2011-2012. بل إن الانخفاض أكبر في منطقة اليورو ـ حوالي 3 نقاط مئوية من إجمالي الناتج المحلي. ولا بأس بهذه الوتيرة في تنفيذ التقشف المطلوب في بيئة تتسم بمعدلات نمو معقولة. لكن تخفيض العجز بهذه السرعة فى ظل ضعف البيئة الاقتصادية الكلية في الوقت الراهن يمكن أن يشكل خطراً على التعافي الاقتصادي.

وقد يرى البعض أن التقشف يشبه تناول دواء مر، وأنه من الأفضل دائماً الانتهاء من هذه العملية بأقصى سرعة ممكنة. ومما لا شك فيه أن الأسواق تكافئ التقشف المالي الحاد بتخفيض أسعار الفائدة، وأن أي تكلفة يتحملها النمو ما هي إلا ثمناً لضمان الفوز بالمصداقية المالية أو الحفاظ عليها.

التقشف المالي وسلوك الأسواق

لكن سلوك الأسواق معقد بدرجة أكبر من ذلك بكثير، على الأقل في الأزمة الحالية. فلا شك أن الأسواق لا تنظر بشكل إيجابي إلى الديون الكبيرة وعجز المالية العامة المرتفع، لكنها لا تنظر بشكل إيجابي أيضاً إلى النمو المنخفض. ولنأخذ على سبيل المثال تخفيضات التصنيف الائتماني لعدة بلدان أوروبية في الآونة الأخيرة. هل كان حدوثها راجعاً لمشكلات في المالية العامة فقط؟ لا، لم يكن الأمر كذلك. لاحظوا الكلمات المستخدمة في تقييم وكالة ستاندرد آند بور: “إن الاعتماد على التقشف المالي كركيزة وحيدة لعملية الإصلاح ينطوي على مخاطر الهدم الذاتي، حيث يتراجع الطلب المحلي تمشياً مع ازدياد مخاوف المستهلكين بشأن أمنهم الوظيفي ودخلهم المتاح، مما يسفر عن تقلص الإيرادات الضريبية المحلية.”

وتؤكد بعض تحليلاتنا في الصندوق صحة هذه المقولة. فهي تبرهن على أن انخفاض نسب الدين والعجز يؤدي إلى انخفاض أسعار الفائدة على السندات الحكومية، لكن هكذا يؤدي أيضاً إلى تسارع معدلات النمو قصير الأجل. وعلى ذلك، فحين تعمد البلدان إلى تشديد سياسة المالية العامة ويتباطأ النمو، فإن بعض المكاسب المحققة من تحسن أساسيات المالية العامة تتلاشى بفعل انخفاض النمو*. وهناك بعض الدلائل أيضاً على وجود علاقة غير خطية بين النمو وفروق العائد على السندات السيادية؛ فالأرجح أن تزداد هذه الفروق عندما يكون النمو أقل والتقشف المالي أكبر (انظر الرسم البياني). فإذا انخفض النمو بدرجة كبيرة تحت تأثير التقشف المالي، فإنه من الممكن أن ترتفع أسعار الفائدة إذا انخفض العجز.

التقشف المالي: أهو سلاح ذو حدين؟
التقشف المالي يمكن أن يساهم في تقليص فروق العائد على السندات الحكومية حيثما كان التأثير على النمو محدوداً. أما إذا زاد إضرار التقشف المالي بالنمو، فهو يتسبب أيضاً في اتساع فروق العائد على السندات الحكومية.

التقشف المالي: أهو سلاح ذو حدين؟

ملحوظة: يوضح الرسم البياني العلاقة بين التقشف المالي والتغيرات في فروق العائد على مبادلات مخاطر الائتمان السيادي في 31 اقتصاداً متقدماً. ويعتمد التحليل على بلد ممثِّل تبلغ نسبة ديونه 100% من إجمالي الناتج المحلي، وعجزه الأولي 3.5% من إجمالي الناتج المحلي، ومعدل النمو السنوي لإجمالي ناتجه المحلي 1.5%. ويمثل كل خط العلاقة بين التقشف وفروق العائد استناداً إلى افتراض مختلف بشأن تأثير التقشف المالي على النمو (من نمو أدنى إلى نمو أعلى). وتؤدي زيادة تأثير التقشف على النمو إلى إضعاف تأثير انخفاض العجز والديون على فروق العائد على مبادلات مخاطر الائتمان ـ بل وحدوث تحول كامل في هذا التأثير إذا كان التقشف أكبر.

 

سياسة المالية العامة من منظور قُطْري

إذن ما هو التحرك الملائم لسياسة المالية العامة إذا تباطأ النمو بدرجة تفوق التوقعات؟

بالنسبة لبعض الاقتصادات المتقدمة، ليس هناك سوى خيار الالتزام بخطط تخفيض العجز هذا العام، نظراً لمحدودية فرص التمويل المتاحة. لكن التقشف المالى لا يمكن أن يكون هو الأداة الوحيدة لاستعادة ثقة الأسواق. فالإصلاحات الهيكلية تكتسب أهمية حاسمة أيضاً في دعم التنافسية والنمو، ولكن هذه الإصلاحات ستستغرق وقتاً حتى تؤتي ثمارها، حتى وإن بدأت على الفور. ومن ثم سيكون من الضروري دعم البلدان التي تطبق إجراءات تقشفية بوتيرة ملائمة، عن طريق توفير التمويل الكافي لها ـ من خلال “تسهيل الاستقرار المالي الأوروبي” و”آلية الاستقرار الأوروبية”، في حالة منطقة اليورو ـ بهدف تعزيز الثقة بينما تتعدل تصورات الأسواق. وفي نهاية المطاف، فإن الأسواق تستجيب لتحسن بعض الأساسيات الاقتصادية مثل ازدياد قوة النمو متوسط الأجل وانخفاض العجز المستقبلي، لكن ذلك يستغرق وقتاً في بعض الأحيان.

غير أن سياسة المالية العامة تحظى بحرية أكبر في كثير من الاقتصادات المتقدمة الأخرى. وينبغي أن تتجنب هذه البلدان زيادة التقشف المالي إذا ما تباطأ النمو، وأن تسمح مؤقتاً بارتفاع العجز المالي الذي يسببه تأثير الهبوط الاقتصادي على الإيرادات وعلى الإنفاق في أوجه مثل إعانات البطالة.

ومن بين هذه الفئة من البلدان التي تتوافر لها مرونة أكبر، هناك بلدان ـ بعضها فى منطقة اليورو ـ تؤدي فيها أسعار الفائدة شديدة الانخفاض أو غيرها من العوامل إلى إتاحة حيز مالي كافٍ يسمح بإعادة النظر في وتيرة تخفيض العجز هذا العام.

ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، من المتوقع في ظل السياسات الحالية أن يتقلص العجز بأكثر من تقطتين مئويتين من إجمالي الناتج المحلي في عام 2012، وهو ما يمثل أقصى درجات التقشف خلال عام واحد على مدار العقود الثلاثة الماضية. وهذا كثير للغاية. ومن الممكن أن يحصل الاقتصاد على دفعة داعمة إيجابية إذا تقرر تجديد العمل بالتخفيض الضريبي على مجموع الأجور ومد الفترة المحددة لتطبيق إعانات البطالة على المتعطلين لمدة طويلة ـ وهما إجراءان من المقرر انتهاء العمل بهما هذا العام. ويمكن أن تصبح هذه الإجراءات أسهل بكثير إذا ما اعتُمِدت خطط تقشفية موثوقة للمدى المتوسط، الأمر الذي ينقص بعض الاقتصادات الرئيسية حتى الآن.

الخلاصة

لا يزال الدين الحكومي مرتفعاً للغاية في كثير من الاقتصادات المتقدمة، ومن الضروري تطبيق التقشف المالي لتخفيض الديون على المدى المتوسط. وتخطط كل الاقتصادات المتقدمة تقريباً لتخفيض العجز المالي هذا العام. أما إذا تباطأ النمو بدرجة أكبر من المتوقع، فقد تميل بعض البلدان إلى التمسك بخططها الموضوعة للمدى القصير من خلال زيادة التقشف المالي، حتى وإن تسبب ذلك في ضرر أكبر على النمو. وأقول لهذه البلدان: ينبغي ألا تفعل ما لم تكن مضطراً.

* باللغة الإنجليزية

نرحب بتعليقاتكم

*