مواجهة تحدي العمالة في منطقة الخليج

بقلم مسعود أحمد

 (بلغات أخرى English)

 تعد زيادة فرص العمل من أهم القضايا التي تشغل صناع السياسات الاقتصادية في كل مكان. ولا تُستثنى من ذلك اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي الستة ـ وهي المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر والبحرين وعمان.  

 ويعتبر أداء هذه الاقتصادات – متميزاً وفقاً للعديد من المقاييس المختلفة. فاحتياطيات النفط والغاز الوفيرة تساهم فى تحقيق فوائض كبيرة في الموازنات العامة والحسابات الخارجية، فى الوقت الذى يسجل فيه النمو معدلات مرتفعة. كما أن هناك خطوات كبيرة قد تحققت فيما يتعلق بالمؤشرات الاجتماعية.

 لكن يظل قطاع النفط والغاز مهيمناً على النشاط الاقتصادي ولفترات طويلة قادمة ـ حيث تمتلك الكثير من البلدان المذكورة احتياطيات مؤكدة تغطي ما لا يقل عن 50-100 عام بمعدلات الإنتاج الحالية. غير أن فرص العمل التي يوفرها هذا القطاع بشكل مباشر تظل قليلة نسبياً ـ حيث يتيح فقط وظائف لأقل من 3% من القوى العاملة في المنطقة.  

 ولاشك أن هناك استراتيجيات قائمة لتنويع النشاط الاقتصادي، وأن القطاع غير النفطي قد حقق نمواً سريعاً إلى حد ما على مدار العقد الماضي. ولكن، هل يستطيع هذا القطاع توفير فرص عمل كافية لمواطني دول مجلس التعاون الخليجي؟ الملاحظ أن هناك تركيزاً كبيراً على كيفية توفير المزيد من فرص العمل للمواطنين في القطاع الخاص، حتى في البلدان التي تسجل البطالة فيها مستويات شديدة الانخفاض ـ مثل الإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر ـ بالرغم من تفاوت معدلات البطالة في البلدان المختلفة.   

 وقد بحثنا قضية البطالة في دول مجلس التعاون الخليجي في دراسة بعنوان دول مجلس التعاون الخليجي: تعظيم النتائج الاقتصادية في اقتصاد عالمي يسوده عدم اليقين. وأود في هذه المدونة أن أُطلعكم على بعض النتائج التي خلصنا إليها.

 توفير الوظائف هو فقط جزء من الحل

 وفرت دول مجلس التعاون الخليجي حوالي 7 مليون وظيفة جديدة على مدار العشر سنوات الماضية ـ وهو إنجاز كبير بالنسبة لمنطقة يبلغ مجموع سكانها حوالي 40 مليون نسمة ـ شغل المواطنون المحليون منها أقل من 2 مليون وظيفة، أي أقل من الثلث. وقد استأثر القطاع الخاص بمعظم الزيادة الكبيرة في توظيف العمالة الوافدة ـ وإن كانت هذه الزيادة قد حدثت في القطاع العام أيضاً في حالتى الكويت وقطر. وقد تركزت معظم الوظائف التي شغلها الوافدون في قطاع التشييد والبناء وكانت من النوع الذي يتطلب عمالة محدودة المهارات بأجور متواضعة. لكن نسبة كبيرة من هذه الوظائف ذهبت أيضاً إلى المهنيين ذوي المؤهلات العلمية العالية وفي مجالات تتطلب مهارات غير متوافرة بالقدر الكافي لدى المواطنين المحليين.  

 ونتيجة لذلك، فإن توفير الملايين من الوظائف الجديدة لم يكن كافياً حتى الآن لتخفيض البطالة بين مواطني دول المجلس. ففي المملكة العربية السعودية، على سبيل المثال، ظل معدل البطالة بين المواطنين فوق مستوى 10% طوال عدة سنوات ماضية، مع تركز البطالة بين الداخلين الجدد إلى سوق العمل ـ أي بين الشباب، وبصورة متزايدة بين خريجي الجامعات.

 ومن المتوقع أن يظل معدل خلق الوظائف مرتفعاً  بشكل عام ـ ما يقدر بنحو 6 مليون وظيفة على مدار الخمس سنوات القادمة. غير أن اتجاهات سوق العمل السابقة تشير إلى أن المواطنين سيشغلون أقل من ثلث هذه الوظائف. بالإضافة لذلك، هناك نمو سريع في حجم القوى العاملة، حيث يُتوقع دخول أكثر من 4.5 مليون مواطن إلى سوق العمل خلال هذه الفترة (مقارنة بنحو 5 مليون مواطن موظف في عام 2010). وبدون حدوث تغير في أنماط سوق العمل، يمكن أن يزداد عدد العاطلين عن العمل في دول المجلس بمقدار يتراوح ما بين مليونين وثلاثة ملايين مواطن.

 ومن غير المرجح أن يتمكن استمرار النمو الاقتصادي القوي ـ ولو حتى بمعدلات متزايدة ـ من حل المشكلة منفرداً. فطالما ظلت ديناميكية سوق العمل دون تغيير، يبقى الوصول إلى أهداف التوظيف مرهوناً بتحقيق معدلات نمو مرتفعة للغاية.

 فرص متزايدة للمواطنين 

 يتمثل التحدي الراهن في تشجيع توظيف المواطنين فى القطاع الخاص دون فرض تكاليف مفرطة على أرباب الأعمال بشكل قد يؤثر على القدرة التنافسية ومن ثم يتسبب في تخفيض النمو. فالمملكة العربية السعودية، على سبيل المثال، تنفذ بالفعل مبادرات جديدة تتيح زخماً إضافياً لأنشطة القطاع الخاص وتوظيف العمالة؛ من ضمنها توفير ضمانات جزئية لتيسير الحصول على الائتمان للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، برامج جديدة للتوفيق بين مهارات الباحثين عن عمل ومتطلبات أصحاب الأعمال، بما يتضمنه ذلك من زيادة برامج التوظيف وتعزيز نظم التدريب والتعليم. وهناك مبادرات مشابهة تقوم بتنفيذها بلدان أخرى أيضاً.

ولزيادة جاذبية العمل في القطاع الخاص، يمكن أن تعمل الحكومات على الحد من جاذبية العمل في القطاع العام ـ ربما عن طريق تخفيض الرواتب المرتفعة أو تقليص بعض المنافع المصاحبة والتي جعلت من القطاع العام أكبر جهة لتوظيف المواطنين في معظم دول مجلس التعاون الخليجي. ومن بين التحديات الأخرى مساعدة المواطنين على أن يصبحوا أكثر إنتاجية ومن ثم أكثر جاذبية لأصحاب الأعمال. وفيما يلي بعض الخيارات المتاحة لتحقيق هذا الهدف:

  • زيادة التوفيق بين نظام التعليم واحتياجات سوق العمل وتسليح الباحثين عن فرص العمل بالمهارات التي يتطلبها السوق ـ بما في ذلك التوسع في التدريب وخدمات التوظيف وغيرها من المبادرات القائمة بالفعل في عدة بلدان؛
  •  تقديم حوافز للمواطنين كي يُقبلوا على اكتساب المهارات اللازمة للتوظيف في القطاع الخاص؛  
  •  تقييم مدى إمكانية فرض ضريبة على العمالة الأجنبية (كالتوسع في خطط زيادة الرسوم على تصاريح العمل، وهو ما تنظر فيه بعض البلدان بالفعل) بحيث تقل التشوهات في سوق العمل المحلية بينما تتم معالجة أثر مطالبات المواطنين بأجور مرتفعة؛
  •  النظر في الإطار الزمني والنطاق الممكن لتقديم حوافز مالية وغير مالية للقطاع الخاص من أجل تشغيل المواطنين؛
  • توفير دخل تكميلي للمواطنين عن طريق نظام الرواتب التكميلية لمن ينتقلون منهم إلى القطاع الخاص، ومن ثم تيسير التوظيف المبدئي من جانب أصحاب الأعمال والحد من تحيز العاملين للقطاع العام عند البحث عن فرص عمل. 

نرحب بتعليقاتكم

*