الشرق الأوسط يستعد لفترة انتقال متعددة السنوات

بقلم أحمد مسعود

(بلغات أخرى English)

سافرت هذا الأسبوع متنقلا بين عدة بلدان في المنطقة، لكي أستمع وأتعلم في نفس الوقت. وأكتب الآن من دبي، حيث أعلنت صدور تقريرنا حول آفاق الاقتصاد الإقليمي. وقد أتيحت لي في وقت سابق من هذا الأسبوع فرصة المشاركة في الاجتماع الوزاري الذي عقده مجلس التعاون الخليجي في أبو ظبي، والاجتماع الخاص الذي عقده المنتدى الاقتصادي العالمي في العاصمة الأردنية، عمان، حول النمو الاقتصادي وإيجاد فرص العمل في العالمي العربي

وأهم النتائج التي خرجت بها من كل هذه الفعاليات هو أن هناك شعورا داخليا طاغيا بالتفاؤل تجاه المستقبل الواعد الذي يبشر به الربيع العربي، لكن هناك إدراكا متناميا أيضا بأن إدارة الفترة الانتقالية ستكون مهمة أصعب في المدى القصير مع استمرار الضغوط الاقتصادية وتصاعد التوقعات الاجتماعية.

ليس عاما سهلا

2011 لم يكن عاما سهلا لكثير من بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. فقد أدى تزامن الاضطرابات الداخلية مع أجواء عدم اليقين الخارجية إلى هبوط ملحوظ في النشاط الاقتصادي الذي يُتوقع أن يعاود الانتعاش وإن كان بالتدريج على مدار العام القادم.

ونحن في صندوق النقد الدولي نتوقع نموا في بلدان المنطقة المستوردة للنفط (أفغانستان وجيبوتي ومصر والأردن ولبنان والمغرب وباكستان وسوريا وتونس) بمعدل لا يتجاوز 1.9% في عام 2011، يليه ارتفاع في هذا المعدل إلى 3.1% في عام 2012. وهذه الأرقام أقل بكثير من المتوسطات التاريخية للمنطقة، كما أنها أقل بكثير أيضا من معدل النمو المطلوب لمنع أي ارتفاعات جديدة في معدل البطالة المرتفع بالفعل.

كذلك يبدأ عام 2012 بمساحة أضيق للتصرف المالي في كثير من البلدان، بعد أن سحبت من احتياطياتها الوقائية في عام 2011. وفي متوسط الحالات، يُلاحظ الاتساع المستمر في العجز المالي الحكومي بما يعادل 1.5% تقريبا من إجمالي الناتج المحلي في الفترة 2011-2012، وأن الاحتياطيات الخارجية سجلت هبوطا ملحوظا في عام 2011 ـ بما يعادل 40% تقريبا في مصر، وما بين 5-10% في الأردن وسوريا وتونس.

أهم التحديات

على ذلك يكون أهم التحديات في العام القادم هو ضمان التجانس الاجتماعي مع الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي. ومن أهم الأولويات لتحقيق هذا الغرض ضمان توافر التمويل الكافي. وتقدر احتياجات التمويل الخارجي في البلدان المستوردة للنفط بأكثر من 50 مليار دولار في عام 2012. ومن المرجح ألا تقدم أسواق رأس المال سوى نسبة بسيطة من هذه الأموال ـ وبتكلفة أعلى. ومن ثم فإن كثيرا من هذه البلدان سوف يدعو الشركاء الإقليميين والمجتمع الدولي الأوسع إلى المساهمة في تقديم الدعم المالي أيضا.

1 تعليق » عن: ”الشرق الأوسط يستعد لفترة انتقال متعددة السنوات“

  1. إن التحدي الأكبر الذي يواجه اقتصادات دول المنطقة وبخاصة تلك التي تواجه تحولات سياسية ناتجة عن “ثورات الربيع العربي” وكما ذكرتم من قبل يتمثل في كيفية إيجاد التمويل الملائم لزيادة الاستثمارات وخلق المزيد من فرص العمل.

    فهذه الدول كي تتمكن من زيادة معدلات النمو الاقتصادي بالشكل الذي يكفل تحسين مستويات المعيشة للمواطنين ويساعد في تلبية المتطلبات الاجتماعية العديدة التي تواجه هذه الدول يتطلب إيجاد فرص لتمويل عدد من المشروعات القادرة على خلق المزيد من فرص العمل وجذب الاستثمارات وهذا التمويل من الصعب أن يأتي في هذه المرحلة من القطاع الخاص أو الاستثمارات الأجنبية.

    وهنا تجدر التفرقة كما ذكرتم في مقالكم بين دول المنطقة المصدرة للنفط ودول المنطقة المستوردة للنفط. فالدول المصدرة للنفط ومع الارتفاعات الأخيرة في أسعار النفط شهدت تحسناً ملموساً في موازناتها وحققت فوائض خارجية مكنتها من التعامل مع الكثير من تحديات النمو الاقتصادي بل والأهم من ذلك تلبية العديد من المطالب الاجتماعية ومن ثم تتمتع بمستويات أعلى للاستقرار الاقتصادي وأن كان ذلك أولاً وأخيراًَ مرهوناً إلى درجة كبيرة بقدرة هذه الدول على الاستمرار في جهود تنويع مصادر الدخل بما يكفل تحصين هذه الدول من الهزات التي تتعرض لها الأسعار العالمية للنفط وبخاصة في حال تراجع أسعار النفط لمستويات أقل من 80 دولار للبرميل.

    أما الدول المستوردة للنفط ومنها الكثير من دول الربيع العربي فتعاني من مشكلات اقتصادية حادة ومطالب اجتماعية متنامية تفرض عليها تحديات أكبر. فالنمو الاقتصادي يتوقف بشكل رئيسي على قدرة هذه الدول على جذب المزيد من الاستثمارات وهو ما يتطلب أمرين في غاية الأهمية –يصعب تحقيقهما في الأجل القصير- وهما 1. تحقيق الاستقرار السياسي و2. خلق بيئات عمل جاذبة.

    ولذا فالدور الأهم يقع على عاتق موازنات هذه الدول والكثير منا كاقتصاديين يدرك الدور المعول على السياسة المالية في مساعدة العديد من الدول على الخروج من دائرة الكساد الاقتصادي حيث تلعب السياسة المالية دوراً مهماً في حفز النمو الاقتصادي وخلق المزيد من فرص العمل وبخاصة في حالة الدول التي تتبنى سياسات نقدية غير مستقلة نتيجة تبني نظماً غير مرنة لأسعار الصرف. وقد أثبتت الأزمات المالية الأخيرة الدور المهم الذي يمكنه أن تلعبه الحكومات في ضمان الاستقرار الاقتصادي والمالي. وفيما يلي بعض السياسات المقترحة في هذا السياق:

    - التوسع في المشروعات العامة –المدروسة- وبخاصة فيما يتعلق بمشروعات البنية الأساسية الكفيلة بتوفير المزيد من فرص العمل وتهيئة المناخ الملائم للاستثمار فهذه المشروعات لها عائد اقتصادي كبير على المديين القصير والطويل.

    - الاستفادة من اتجاه العديد من هذه الدول لإعادة هيكلة نظم الدعم في توفير موارد تخصص لمؤسسات ومبادرات قومية من شأنها توظيف الشباب وتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة ولكن ليس على غرار النهج المتبع في العديد من دول المنطقة ولكن على غرار تجارب ناجحة لتمويل الشباب والمشروعات الصغيرة مثلما حدث في ماليزيا والعديد من الدول الأخرى التي استطاعت الاستفادة من الموارد الحكومية ومن التعاون مع القطاع الخاص في إنشاء تجمعات وعناقيد صناعية يعمل بها عدد كبير من المشروعات الصغيرة والمتوسطة تستهدف زيادة الانتاج المحلي وتعزيز القدرات التصديرية.

    - زيادة الموازنات المخصصة لكل من التعليم والصحة وليس من المستغرب أن نجد أن أكبر بنود للموازنات في الدول التي سبقتنا في النمو الاقتصادي هي لبندي التعليم والصحة. والمقصود هنا هو زيادة الموارد المخصصة لرفع كفاءة مخرجات كل من العملية التعليمية والعملية الصحية وليس تمويل بنود النفقات التشغيلية والتي وإن كانت على درجة كبيرة من الأهمية إلا أن أهميتها تأتي في مرحلة تالية.

    - تحسين شبكات الضمان الاجتماعي ورفع مستويات كفاءتها في استهداف الفقراء والاستعانة بمؤسسات المجتمع المدني التي لها تجارب ناجحة في ضمان استهداف هذه الفئات.

    - رفع كفاءة النظم الضريبية بشكل يساهم في زيادة الإيرادات ويمنع التهرب الضريبي والفساد.

    وبالطبع فإن توفير الموارد التمويلية اللازمة لتنفيذ هذه السياسات لن يكون بالأمر الهين على موازنات هذه الدول وبخاصة على ضوء ارتفاع مستويات الدين الداخلي في بعض دول المنطقة لمستويات تفوق 60% من الناتج المحلي الإجمالي وارتفاع الدين الخارجي لمستويات تفوق 45% من الناتج المحلي الإجمالي في بعض الدول الأخرى. وهنا تأتي أهمية التمويل الإنمائي والتصحيحي من خلال تعزيز فرص التعاون المشترك مع العديد من المؤسسات الإقليمية والدولية المعنية بهذا الصدد لضمان وجود متنفس لهذه الدول كي تتمكن من عبور المرحلة الانتقالية التي أشرتم إليها.

نرحب بتعليقاتكم

*