• ابق على اتصال

  • مدونات مختلفة

  • موضوعات النقاش الحالية

  • الأرشيف

تسريع الخطى: لماذا تعتبر الإصلاحات الهيكلية ضرورة لإنعاش النمو العالمي

Lipton photo for tweet

بقلم: ديفيد ليبتون

(بلغات أخرى English)

بعد قرابة عشر سنوات من بدء الأزمة المالية العالمية، لا يزال الاقتصاد العالمي يحاول الوصول إلى السرعة اللازمة للإفلات من أَسْر النمو البطيء. وتشير آخر تنبؤات الصندوق إلى معدل نمو عالمي مخيب للآمال يبلغ 3.1% في 2016 و 3.4% في 2017. ولا تزال الآفاق مثقلة بعدم اليقين الاقتصادي والسياسي، بما في ذلك التأثير الذي قد يسفر عنه التصويت بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وقد اتخذ صناع السياسات إجراءات قوية لدعم النمو من خلال سياسات الاقتصاد الكلي، مثل دفعة التنشيط المالي والسياسة النقدية التيسيرية الملائمة. ولكن التعافي الدائم يظل بعيد المنال.

فما الذي يتطلبه تنشيط محرك النمو العالمي؟ اقتصادات العالم الكبرى تحتاج إلى مزيد من الإصلاح الهيكلي، وهو من الموضوعات الأساسية التي طُرحت في اجتماعات مجموعة العشرين التي عُقِدت في مدينة تشينغدو خلال نهاية الأسبوع الماضي، بل إنه كان موضع تركيز كبير من المجموعة طوال فترة رئاسة الصين.

كذلك سلط الصندوق الضوء في عدد إبريل 2016 من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي على الدور الرئيسي للإصلاحات الهيكلية في دعم النمو الاقتصادي، وبالتحديد أثر إصلاحات سوقي العمل والمنتجات على النمو في الاقتصادات المتقدمة. وتحوي دراسة جديدة أعدها خبراء الصندوق حصرا لتوصيات الإصلاح الهيكلي المحددة لبلدان مجموعة العشرين.

اختيار الإصلاحات الهيكلية الصحيحة

هناك مجالات عديدة يمكن المساعدة في تحسين إنتاجيتها من خلال الإصلاحات الهيكلية – أو الإجراءات التي تجعل الإطار المؤسسي والتنظيمي أكثر دعما للنمو الاقتصادي. ومن هذه المجالات تنظيم سوقي العمل والمنتجات، والسياسة التجارية، ونظام الضرائب، والقطاع المالي. وبالنظر إلى تعدد المجالات التي يمكن العمل على تحسينها، كيف يستطيع صناع السياسات ترتيب الأولويات في جهودهم من أجلها؟

تخلص أبحاث الصندوق إلى أن الإصلاحات الهيكلية تؤتي أفضل الثمار إذا كانت جيدة الاتساق مع الأوضاع الاقتصادية الكلية في البلد المعني. ويحدد إطارنا الإرشادي للإصلاحات الهيكلية ثلاثة اعتبارات أساسية في هذا الصدد:

  • أولا، مستوى التنمية الذي بلغه الاقتصاد يساعد على تحديد الإصلاحات التي يرجح أن تحقق أكبر مردود من حيث الإنتاجية. وتتمثل هذه الإصلاحات في الإصلاحات الداعمة للابتكار في حالة الاقتصادات المتقدمة. أما في الأسواق الصاعدة، فمن المرجح أن تكون الإصلاحات التي تحسن كفاءة عمل الأسواق هي الأكثر جدوى.
  • ثانيا، تشكل مرحلة الدورة الاقتصادية التي يمر بها الاقتصاد أهمية أيضا. فكلما ضعف الاقتصاد، زادت أهمية اختيار الإصلاحات الداعمة للنمو على المدى القصير وكذلك على المدى الطويل. ويعتبر الاستثمار في البنية التحتية مثالا جيدا في هذا السياق– فهو يدعم النمو الآني من خلال الاستثمار وخلق فرص العمل، ويدعم النمو غدا من خلال تحسين الطاقة الإنتاجية.

ويمكن أن تُحْدِث حالة الاقتصاد فرقا كبيرا أيضا بالنسبة لأثر الإصلاحات الهيكلية. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يؤدي تحرير سوق العمل في فترات اليسر الاقتصادي إلى زيادة استعداد أصحاب العمل لتعيين عمالة جديدة، مما يدعم النمو. أما إذا كانت الآفاق المتوقعة ضعيفة، فيمكن أن يؤدي التحرير إلى فقدان الوظائف على المدى القصير، نظرا لما يسببه من سهولة تسريح العمالة.

  • وهناك اعتبار مهم ثالث، وهو حيز الحركة أمام سياسات الاقتصاد الكلي. وكما ذكرت آنفا، بعض الإصلاحات الهيكلية تحقق نجاحا أكبر حين تكون الآفاق مشرقة. ومن ثم، قد يكون لدعم الطلب أهمية كبيرة في تعزيز أثر الإصلاحات الهيكلية. ويمكن أن يساعد دعم الطلب أيضا على تعويض التكاليف قصيرة الأجل التي قد تنشأ عن الإجراءات المتخذة على جانب العرض. فعلى سبيل المثال، قد يكون من المهم تقديم دعم إضافي لمن يفقدون وظائفهم نتيجة لتحرير سوق العمل.

وتتحقق الثمار بالعكس أيضا – فبعض الإصلاحات الهيكلية يمكن أن تساعد على توسيع حيز الحركة أمام سياسات الاقتصادي الكلي.

ذلك أن إصلاحات سوقي العمل والمنتجات التي تشجع المنافسة وتخفض الأسعار يمكن أن تخلق مجالا للتيسير النقدي، كما يمكن للإصلاحات الهيكلية أن تساعد على إتاحة المجال لانتهاج سياسة مالية استنسابية. وبالإضافة إلى ذلك، تحقق الإجراءات الداعمة للنمو على المدى المتوسط زيادة في الإيرادات الضريبية. وهذه الأمور مجتمعة – زيادة الناتج وزيادة الإيرادات – تؤدي فيما بعد إلى تخفيض نسبة الدين العام إلى إجمالي الناتج المحلي. وهكذا، تساعد هذه الأمور على زيادة اتساع الحيز المالي اليوم.

ما الذي يعنيه كل ذلك عملياً؟

نستخدم في صندوق النقد الدولي الإطار الموضح آنفا للاسترشاد به في مشورتنا بشأن السياسات.

ففي الاقتصادات المتقدمة، نركز على الإجراءات التي ترفع النمو قصير الأجل ومتوسط الأجل، وهي تتضمن التوصية بزيادة الإنفاق العام على الاستثمار في البنية التحتية في بلدان مثل استراليا وكندا وألمانيا، كما نوصي بإصلاحات تساعد على إتاحة المزيد من فرص العمل للنساء على أساس الدوام الكامل في بلدان مثل كندا وألمانيا واليابان وكوريا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة.

وحيثما كان حيز السياسات محدودا، كما في حالة إيطاليا، نوصي بتحرير سوق المنتجات على وجه الخصوص لزيادة الاستثمار والناتج وتوظيف العمالة دون تحميل الموازنة تكاليف على المدى القصير. كذلك تراعي مشورة الصندوق التفاعلات بين هذه الإصلاحات المختلفة. فعلى سبيل المثال، يمكن أن تؤدي إجراءات تبسيط الضرائب وتوسيع قاعدتها في الولايات المتحدة إلى الحد من عدم الكفاءة وتوليد إيرادات لتمويل إصلاحات أخرى عالية المردود (ولكنها مكلفة).

ونظرا لأن معظم الأسواق الصاعدة في وضع اقتصادي أضعف وتمتلك حيزا ماليا أضيق، نركز على الإصلاحات الهيكلية التي يمكن أن تحقق مردودا على المدى القصير أيضا، ومنها تحسين إدارة عمليات الاستثمار العام في الهند، وإصلاحات سوق المنتجات في الصين، وإصلاحات سوق العمل في جنوب إفريقيا. كذلك تعالج توصياتنا معوقات التجارة والاستثمار الأجنبي غير المباشر – كما في البرازيل والهند وإندونيسيا – بالإضافة إلى حوكمة المؤسسات العامة وغيرها من الإصلاحات المؤسسية. وحيثما كان الحيز المالي محدودا أو كان الضبط المالي ضروريا، نشجع الحكومات على تعديل العناصر التي تتألف منها سياسة المالية العامة حتى تصبح أكثر دعما للنمو.

أوجه التضافر بين السياسات

قبل انعقاد قمة هانغتشو في سبتمبر القادم، بدأت البلدان الأعضاء تتعهد بالتزامات جديدة في مجال الإصلاحات الهيكلية. ولضمان أقصى تأثير ممكن، ينبغي لصناع السياسات تنفيذها كجزء من حزمة سياسات شاملة تتكامل فيها سياسات العرض والطلب. وحتى يكون التأثير شاملا، يجب أن تكون هذه الإصلاحات مدعومة بسياسات تحمي كل من قد يتضرر من تكاليفها على المدى القصير. ولكي تكون هذه الإصلاحات فعالة، ينبغي ألا تعود بالنفع على البعض فقط، وإنما على الجميع.