• ابق على اتصال

  • مدونات مختلفة

  • موضوعات النقاش الحالية

  • الأرشيف

اليونان: نحو برنامج قابل للتطبيق

PT2 بقلم: بول تومسن

(بلغات أخرى English)

بعد النجاح في إنقاذ اليونان من حافة الهاوية في الصيف الماضي ثم تحقيق الاستقرار الاقتصادي، تناقش الآن حكومة ألكسيس تسيبراس مع شركائها الأوروبيين وصندوق النقد الدولي برنامجا شاملا متعدد السنوات يمكن أن يؤَمِّن التعافي الدائم ويصل بالدين إلى مستويات يمكن الاستمرار في تحملها. وفي سياق المناقشاـت، ظهرت بعض المفاهيم الخاطئة عن آراء الصندوق ودوره في هذه العملية، ومن ثم رأيت أنه قد يكون من المفيد توضيحها.

يقال إن الصندوق جعل مشاركته مرهونة بإصلاحات باهظة التكلفة من الناحية الاجتماعية، وخاصة بالنسبة لنظام التقاعد. وهذا غير صحيح. ففي نهاية المطاف، يجب أن تخرج معادلة البرنامج بنتائج صحيحة؛ فمزيج الإصلاحات زائد تخفيف أعباء الديون يجب أن يقدما لنا وللمجتمع الدولي تأكيدات معقولة بأن اليونان ستكون في النهاية قادرة على النهوض بنفسها مع نهاية برنامجها القادم، بعد عقد تقريبا من الاعتماد على مساعدات أوروبا والصندوق. ويستتبع هذا مفاضلة معكوسة بين طموح الإصلاحات وقوة تخفيف أعباء الديون – ويمكننا بالطبع مساندة برنامج يحقق إصلاحات أقل طموحا، ولكن ذلك لا بد أن ينطوي على مزيد من التخفيف لأعباء الديون.

ومع ذلك، فلا يوجد قدر من الإصلاحات في نظام التقاعد يصل بدين اليونان إلى مستويات يمكن الاستمرار في تحملها دون الحصول على تخفيف لأعباء الديون، ولا يوجد قدر من التخفيف لأعباء الديون سيجعل نظام معاشات التقاعد اليوناني قابلا للاستمرار دون إصلاحات في نظام التقاعد. كلاهما يجب أن يتحقق. ولا شك أن كلا من اليونان وشركائها الأوروبيين سيواجهان في الشهور القادمة قرارات صعبة من الناحية السياسية للتوصل إلى برنامج قابل للتنفيذ – برنامج يحقق المعادلة المطلوبة.

وهذه القرارات الصعبة لا يمكن تأجيلها لوقت لاحق من خلال افتراضات غير واقعية. فبينما يوجد مجال واسع لزيادة الإنتاجية من خلال الإصلاحات، أظهرت السنوات الست الأخيرة أن نطاق الإصلاحات المقبولة من المجتمع اليوناني وسرعة تنفيذها لا يؤديان إلى تحسن عاجل في الإنتاجية ونمو مرتفع مستمر. ولذلك، لا توجد مصداقية في افتراض أن اليونان يمكنها ببساطة تحقيق نمو يخرجها من مشكلة المديونية دون تخفيف لأعباء الديون – عن طريق الانتقال السريع من مستويات نمو الإنتاجية الأدنى إلى الأعلى في منطقة اليورو. وبالمثل، فإن النجاح المحدود للغاية في محاربة مشكلة التهرب الضريبي الشائعة في اليونان – حتى يدفع الأثرياء نصيبهم العادل – يعني أن إصلاحات نظام التقاعد لا يمكن تجنبها بمجرد افتراض زيادة التحصيل الضريبي في المستقبل.

لماذا التركيز على إصلاحات نظام التقاعد؟ رغم إصلاحات عامي 2010 و 2012 في هذا النظام، فقد ظل نظاما سخيا على نحو لا طاقة لليونان بتحمله. فعلى سبيل المثال، نجد أن معاشات التقاعد الاعتيادية بسعر اليورو الاسمي تكاد تتساوى مع مثيلاتها في ألمانيا، بالرغم من أن ألمانيا أغنى من اليونان مرتين – قياسا على متوسط الأجور. أضف إلى ذلك أن اليونانيين لا يزالون يتقاعدون في وقت أبكر من الألمان وأن ألمانيا أفضل بكثير في جمع اشتراكات الضمان الاجتماعي. والنتيجة هي أن الميزانية اليونانية تحتاج إلى تحويل قرابة 10% من إجمالي الناتج المحلي لتغطية الفجوة الشاسعة في نظام التقاعد، مقارنة بمتوسط أوروبي قدره 2.5% تقريبا. ولا شك أن ذلك لا يمكن الاستمرار في تحمله.

ولكن ألا تستطيع اليونان حماية المتقاعدين بإجراء استقطاعات أخرى أو زيادة المعدلات الضريبية؟ هناك مجال لاتخاذ تلك التدابير، ولكنها محدودة للغاية. فمعظم أوجه الإنفاق الأخرى خُفِّضَت إلى أقصى درجة ممكنة في محاولة لحماية معاشات التقاعد والمدفوعات الاجتماعية، بينما أدى عدم توسيع القاعدة الضريبية وتحسين الامتثال إلى فرط الاعتماد على المعدلات الضريبية المرتفعة. وحتى تصل اليونان إلى هدفها الطموح على المدى المتوسط، وهو الوصول بالفائض الأولي إلى 3.5% من إجمالي الناتج المحلي، ينبغي أن تتخذ تدابير بواقع 4-5% من إجمالي الناتج المحلي. ولا نرى أن بوسع اليونان تحقيق ذلك دون قدر كبير من الوفورات في معاشات التقاعد.

وبالطبع، ستكون إصلاحات نظام التقاعد مليئة بالتحديات الاجتماعية بالنسبة للمواطنين الذين تعرضوا لظروف شاقة استثنائية في السنوات الأخيرة. والواقع أن الضغوط الاجتماعية فرضت تحولات في المسار بالفعل – في ظل الحكومتين السابقة والحالية – وأصبحت اليونان للأسف أبعد بكثير عن أهدافها متوسطة الأجل مقارنة بما كانت عليه في منتصف 2014، قبل أن يؤدي الإرخاء الكبير لقيود المالية العامة إلى محو ما تبين أنه فائض أولي مؤقت وحسب. وفي هذا الصدد، فإن الحكومة محقة في إشارتها إلى أن معاشات التقاعد في اليونان لها وظيفة اجتماعية أوسع نطاقا. ولكن استخدام معاشات التقاعد على هذا النحو ليس حلا دائما. فالأمر يحتاج – كما قال الصندوق – إلى شبكة أمان اجتماعي حديثة قابلة للاستمرار على المدى المتوسط.

هل يمكن أن يؤدي فائض أولي أقل بكثير من 3.5% من إجمالي الناتج المحلي إلى تخفيف الحاجة الملحة للإصلاحات اللازمة في نظام التقاعد؟ ربما، ولكن ذلك سيستلزم مزيدا من التخفيف لأعباء الديون. ومن المفهوم أن تكون هذه مسألة خلافية بين شركاء اليونان الأوروبيين، وهو ما يرجع في جانب منه إلى أن العديد منهم عليهم تحقيق فوائض مرتفعة بالمثل للحفاظ على مستويات دين قابلة للاستمرار، كما يرجع في جانب آخر إلى أن بعض البلدان التي سيكون عليها المساهمة بالفعل في تخفيف أعباء الديون اليونانية هي نفسها أفقر من اليونان وتدفع معاشات تقاعدية أقل سخاء لمواطنيها. ولما كانت منطقة اليورو لا تزال بعيدة عن تحقيق اتحاد سياسي، فمن الضروري التوصل إلى حل وسط يعكس هذه القيود السياسية. والصندوق على استعداد للعمل مع اليونان في ظل مزيج الإصلاحات وتخفيف أعباء الديون الذي تتفق عليه اليونان مع شركائها الأوروبيين. ولكن، مرة أخرى، ينبغي أن تحقق المعادلة النتيجة المطلوبة.

ولا يرغب الصندوق في أن تطبق اليونان عملية ضبط مالي بالغة المشقة في اقتصاد يعاني ركودا شديدا بالفعل. بل إننا نحن الذين دعونا مرارا وتكرارا إلى مسار تصحيحي مالي أكثر دعما للتعافي على المدى القصير وأكثر واقعية على المدى المتوسط. ولم نر بعد خطة ذات مصداقية تحدد كيف ستصل اليونان إلى الهدف شديد الطموح الذي وضعته للفائض الأولي على المدى المتوسط والذي يعتبر أساسيا لخطط الحكومة من أجل استعادة مستويات الدين التي يمكن الاستمرار في تحملها. وهذا التركيز على المصداقية أمر جوهري لتحقيق ثقة المستثمرين اللازمة لإنعاش الاقتصاد اليوناني. فأي خطة تقوم على افتراضات مبالِغة في الطموح سرعان ما ستؤدي إلى عودة المخاوف بشأن خروج اليونان من منطقة اليورو وخنق المناخ الاستثماري.

ويهدف الصندوق في الأساس من تعاونه مع اليونان إلى المساعدة في عودة البلاد إلى مسار للنمو القابل للاستمرار يحقق النفع للشعب اليوناني. وسيساند الصندوق السلطات اليونانية وشركائها الأوروبيين في وضع برنامج للإصلاحات وتخفيف أعباء الديون يحقق المعادلة المطلوبة. إن الخيارات صعبة، ولكن اتخاذ قرار بشأنها أمر مهم حتى لا تضيع الجهود التي بذلتها اليونان في السنوات الست الأخيرة.