• ابق على اتصال

  • مدونات مختلفة

  • موضوعات النقاش الحالية

  • الأرشيف

الفساد: عبء مستتر على كاهل النمو

بقلم فيتور غاسبار و شون هيغن

(بلغات أخرى English

في السنوات الأخيرة، أصبح قلق المواطنين من دعاوى الفساد في القطاع العام أكثر وضوحا وأوسع انتشارا. فمن ساو باولو إلى جوهانسبرغ، نزل المواطنون إلى الشوارع احتجاجا على استغلال النفوذ. وفي بلدان مثل شيلي وغواتيمالا والهند والعراق وماليزيا وأوكرانيا، ترتفع أصواتهم برسالة واضحة إلى قادتهم: عالجوا الفساد!

وتحظى هذه القضية باهتمام صناع السياسات أيضا. فطالما كانت مناقشة الكلمة “ذات الفاء” قضية حساسة في المنظمات الحكومية الدولية مثل صندوق النقد الدولي. ولكن الصندوق استضاف في اجتماعاته السنوية التي عُقدت مؤخرا في العاصمة البيروفية ليما مناقشة تتسم بطرحها الصريح والحيوي لهذا الموضوع، حيث قدمت جلسة الخبراء حوارا شيقا حول تعاريف الفساد وعواقبه المباشرة وغير المباشرة واستراتيجيات علاجه، بما في ذلك الدور الذي يمكن أن يؤديه الأفراد والمؤسسات على غرار الصندوق. ونقدم في هذه التدوينة فكرة عما دار في جلسة النقاش.

ما هو الفساد؟

قد يبدو تعريف الفساد سهلا. فمعظم الناس يدرك أن بإمكانه التعرف على الفساد حين يراه، كأن يشاهد مسؤولا عموميا يتقاضى رشوة في مقابل كسب مالي أو سياسي. غير أن الخبراء بدءوا يتوسعون في مفهوم الفساد. فبدلا من كونه مجرد معاملة بين طرفين، مثلما ذكر أحد الخبراء في جلسة النقاش، يمكن أن يتجسد الفساد في شكل “خصخصة للسياسة العامة”، حيث تتواطأ النخبة صاحبة النفود في مجال الأعمال والسياسة للسيطرة على المؤسسات العامة، والاستحواذ على عملية صنع السياسات، واحتكار العقود والمشتريات الحكومية. وعرَّف خبير آخر الفساد بمفهوم أوسع من ذلك، حيث قال إنه “الافتقار إلى الحياد في الحكم” عندما تُستخدم الأموال العامة والسلطة الحكومية بطرق تؤثر سلبا على الرخاء الإنساني.

تكاليف الفساد

التكاليف الاقتصادية المباشرة واضحة لمعظم الناس. والطلب على الرشوة من مقدمي الخدمات يؤثر على تحقيق النتائج الاجتماعية. فرشوة مأمور الضرائب تخفض الإيرادات العامة وتقلل الخدمات العامة التي تقدمها الحكومة؛ والاختلاس يؤثر على بناء المدرسة لأنه يسلب الأموال المخصصة لها. ولكن التكاليف غير المباشرة من المرجح أن تكون بعيد الأثر على الاقتصاد. وكما يرد في دراسة بعنوان الحوكمة، والفساد، والأداء الاقتصادي حرر محتواها جورج العبد وسانجيف غوبتا، يترك الفساد أثرا سلبيا على النمو الاقتصادي من خلال أمور مثل الاستثمار المفرط في البحث عن الريع، والاستثمار القاصر في الأنشطة الإنتاجية، والإبقاء على السياسات غير ذات الكفاءة. وهناك تكاليف اقتصادية باهظة يتسبب فيها الفساد – الذي يصيب البلدان في كل مراحل التنمية. ففي دراسة صدرت عام 2005، تقدر التكلفة العالمية للرشوة وحدها بقيمة تصل إلى 1.5 تريليون دولار أمريكي (بواقع 2% من إجمالي الناتج المحلي العالمي الحالي). وتشير دراسات أخرى إلى وجود ارتباط وثيق بين انخفاض مستويات الفساد ومظاهر التحسن طويلة الأجل في نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي على مؤشرات التنمية البشرية. وخلاصة القول إن الفساد عبء على النمو والاستثمار.

وبالإضافة إلى ذلك، أكد بعض الخبراء في جلسة النقاش أن التكاليف لا تقتصر على الجانب الاقتصادي. فالفساد يساهم في فقدان ثقة الجماهير في الحكومة، وزيادة عدم المساواة في التأثير السياسي، وتدهور القيم العامة، وتراجع رخاء المواطنين أو جودة حياتهم. وتشكل هذه التكاليف غير الاقتصادية قصورا في أداء القطاع العام يلحق الضرر بالاقتصاد على المدى الطويل.

ضرورة اعتماد منهج واسع النطاق ومتعدد الأبعاد

نظرا لشيوع الفساد ووضوح عواقبه في الوقت الراهن، اتفق الخبراء في جلسة النقاش على أن معالجة هذه المشكلة تتطلب منهجا واسع النطاق ومتعدد الأبعاد. ومثل هذا المنهج الشامل يتطلب وجود قيادة مؤهلة كما يقتضي تغيير الحوافز وبناء القيم، وكلها عوامل يدعم كل منها الآخر.

  • أولا، يجب أن يكون القادة مستعدين لمحاسبة أصحاب المصالح ذوي النفوذ – الأسماك الكبيرة وليست الصغيرة، النمور وليس الذباب. وعليهم تقديم القدوة بأن يكون سلوكهم فوق مستوى الشبهات. ويعتبر لي كوان يو رئيس وزراء سنغافورة الأسبق نموذجا للقائد الذي نجح في محاربة الفساد بتقديم القدوة وتوفير الإرادة السياسية.
  • ثانيا، الحوافز القوية. فالقيادة يجب أن يكملها نظام قوي يقوم على الترهيب والترغيب – الدعم الإيجابي والمساءلة. وينبغي أن يتوافر إطار واضح ومفعَّل لمحاربة الفساد. وفي نفس الوقت، ينبغي أن تضمن الحكومات حصول المسؤولين العموميين على أجور تكفل الحد الأدنى للمعيشة. وسيساعد في هذا الصدد أيضا الانفتاح الاقتصادي عن طريق إلغاء القيود والتحرر، لأن الاقتصادات التي تفرط في التنظيم تخلق حوافز قوية للحفاظ على ممارسات الفساد. وتعتبر بولندا نموذجا جيدا لتدابير التحرير السريعة والفعالة. وتساهم شفافية عمليات الحكومة ومعاملاتها بدور مهم أيضا كأحد العوامل المثبطة للفساد.
  • ثالثا، بناء قيم النزاهة. فالبلدان بحاجة إلى تشجيع ثقافة تُعلي قيم الحكم النظيف. ويتطلب بناء هذه الثقافة توعية المواطنين. ويمكن أن يساعد التدريب الرسمي في هذا الخصوص، ولكن تعلم القيم يجب أن يتم في نهاية المطاف عن طريق النظام التعليمي وضغط الأقران، وخبرات وممارسات العمل اليومي في المؤسسات المختلفة.

كيف يمكن للصندوق أن يساعد

نظرا لانعكاسات الفساد على سلامة المالية العامة واستقرار الأسواق المالية – وهي قضايا تهم الصندوق بشكل مباشر – أكد الخبراء المشاركون في النقاش على اهتمام الصندوق الواضح بمساعدة البلدان الأعضاء على التصدي للفساد.

ويساعد الصندوق البلدان على ردع الفساد من خلال تحسين تصميم نظم إدارة المالية العامة وتعزيز شفافيتها (راجع على سبيل المثال ميثاق شفافية المالية العامة) ودعم المناخ الاقتصادي والتنظيمي المستقر والواضح الذي يضيق نطاق المعاملة الجزافية والتفضيلية. وقد كان الصندوق أكثر نشاطا في مواقف الأزمات التي تصبح معالجة الفساد فيها أمرا ضروريا لاستقرار الاقتصاد الكلي. وفي بعض الحالات، كان الصندوق يصر على إصلاح الأطر التشريعية لمكافحة الفساد ووظائف فرض القانون. وتعد كينيا وإندونيسيا وأوكرانيا أمثلة ملائمة في هذا الخصوص.

وفي معظم الحالات، تكون بداية الفساد قبل أن يصبح مؤثرا على الاقتصاد الكلي بوقت طويل. فمتى ينبغي أن تبدأ مشاركة الصندوق في معالجته؟ ونظرا لتأثير الفساد على المدى الطويل، هل ينبغي أن تكون المناقشات بشأنه جزءا من مشاورات الصندوق السنوية مع البلدان الأعضاء؟ هنا أقر النائب الأول لمدير عام الصندوق بأن إجابة هذا السؤال ليست سهلة. فرغم زيادة تَقَبُّل البلدان الأعضاء لمناقشة الفساد، فلا يزال يعتبر موضوعا حساسا وسيتطلب الأمر مزيدا من البحث والمناقشة لتحديد دور الصندوق في معالجته. وعلى أي حال، أكد السيد ليبتون أن على الصندوق أن يساعد البلدان التي تبدي إرادة سياسية حقيقية لمعالجة الفساد على إجراء التغييرات الجريئة والشاملة الضرورية في سياساتها الاقتصادية وأطرها التنظيمية للحد بشكل حاسم من تكاليف هذا العبء المستتر.

نرحب بتعليقاتكم