القطة فوق الشجرة وملاحظات أخرى: إعادة النظر في سياسة الاقتصاد الكلي

تدوينة تستضيفها مدونة الصندوق بقلم: جورج أكرلوف
جامعة كاليفورنيا، بيركلي

باحث أقدم مقيم لدى صندوق النقد الدولي، ومشارك في استضافة المؤتمر الثاني عن إعادة النظر في سياسة الاقتصاد الكلي: الخطوات الأولى والدروس المبكرة

(بلغات أخرى English)
تعلمت كثيراً من هذا المؤتمر، وأشعر ببالغ الامتنان لكل المتحدثين فيه. أما عن مدى إلمامي بالمشهد الكامل، فلست متأكداً مما إذا كانت رؤيتي للمشهد ستفيد أحداً، لكنني أُشَبِّه الأمر بقطة تسلقت شجرة ضخمة ونحن ننظر إليها في فزع وقد بلغت أعلى الشجرة. والقطة بالطبع هي هذه الأزمة الكبيرة.

وقد كانت تعليقات كل من حضروا المؤتمر منصبة على ما ينبغي القيام به حيال تلك القطة الحمقاء وكيف لنا إنزالها إلى الأرض وماذا نفعل لتحقيق ذلك. والأمر الذي أراه رائعاً في هذا المؤتمر هو أن كل متحدث لديه رؤية خاصة لهذه القطة، وما من واحد يتطابق في الرأي مع الآخرين، ولكن آراؤهم تتلاقى في بعض الأحيان. هذه هي رؤيتي لما حققناه.

وأعتقد أن الحوار الذي أجريناه كان مفيداً، لأن رؤية كل شخص للقطة تنبع من زاويته الخاصة، وكلها رؤى سليمة. أما رؤيتي فتتلخص في أن هذه القطة المسكينة تقف أعلى الشجرة وتوشك على السقوط، ونحن لا ندري ماذا نفعل.

وعلى ذلك، سأطرح ما لدي من خواطر عن الأزمة، وعن مدى نجاح جهودنا في التعامل مع القطة، وهي خواطر تأتي من زاوية تختلف قليلاً عن الطرح الشائع الذي عرضه الآخرون، كل من منظوره المتميز.

وسأركز في هذا السياق على الولايات المتحدة بعد الأزمة، لكن التحليل يمس الصعيد الدولي أيضاً. وهناك دراسة ممتازة أصدرها أوسكار هوردا وموريس شولاريك وآلان تيلور قسموا فيها الكساد الذي أصاب 14 بلداً متقدماً في الفترة 1870-2008 إلى كساد مالي وكساد طبيعي. ونظر الباحثون في مدى تباين هذه البلدان من حيث تعافي إجمالي الناتج المحلي، مستندين في ذلك إلى نسبة الائتمان القائم من إجمالي الناتج المحلي في فترة الانتعاش السابقة على الكساد. وقد تأكَّدَت صحة تقديراتهم بشكل واضح. ففترات الكساد المالي لم تكن فقط أعمق وأكثر بطأً في التحول إلى التعافي إذا ما قورنت بفترات الكساد العادية، بل إنها كانت تزداد بطأً كلما ارتفعت نسبة الائتمان إلى إجمالي الناتج المحلي.

هذا هو التاريخ

فكيف تنعكس النتائج التي خلص إليها الباحثون على الأزمة الجارية؟ من الطريف أن هذا الأمر يعتمد على كيفية قياس الائتمان القائم. فعند استخدام القروض المصرفية إلى القطاع الخاص مقياساً للائتمان، نجد أن تعافي الولايات المتحدة يتفوق على متوسط حالات التعافي من الكساد المالي بما يعادل 1% تقريباً من إجمالي الناتج المحلي. كذلك إذا كان مقياس الائتمان يتضمن الائتمان المقدم لبنوك الظل، نجد أننا أفضل حالاً من متوسط حالات التعافي من الكساد المالي بنسبة 4% تقريباً. وهذا ما توضحه الرسوم البيانية الواردة في الدراسة المشار إليها آنفاً.

ولكن..

نظراً لأن المشتقات المالية بدأ استخدامها منذ وقت غير بعيد، فلا مجال لمعرفة الطريقة الممكنة لقياس “الائتمان”. فإذا استُخدمَت هذه المشتقات كأداة للوقاية من المخاطر، يمكن أن نتوقع منها تخفيف أثر الانهيار.
ففي عقود مبادلة مخاطر الائتمان، على سبيل المثال، يمكن أن يكون العقد سبباً في تخفيف حدة الضرر إذا ما أفلس المشتري، وليس البائع. ومن ناحية أخرى، يمكن أن نتوقع تفاقم الضرر إذا كنا نعتقد أن المشتقات المالية تزيد الإقبال على المخاطرة. وهناك تفسير متعارف عليه للانهيار الذي أصاب الولايات المتحدة في الفترة 2007-2008، وهو أن المشتقات المالية زادت من الإقبال على المخاطرة بطريقة مختلفة. وبعبارة أخرى نقول إن المشتقات المالية سمحت بتصاعد تقييم الرهون العقارية على نحو تعاقبي مستمر واستناداً إلى أسس مبهمة، ثم تحولت إلى حِزَم من المشتقات المالية المصنفة في المرتبة A وما فوقها. وفي تلك الأجواء، لم يكن للمشتقات متدنية الجودة تأثير على التصنيف. ولذلك لم يكن أمام المقرض الأصلي حافز لاشتراط مبالغ تُدفع مقدماً أو للتأكد من مصداقية المقترض. وبالفعل لم يحدث هذا في معظم الحالات. وعند إنشاء المشتقات المالية وتحديد مراتبها الائتمانية، كانت بيوت الاستثمار وهيئات التصنيف الائتماني تنسف سمعتها بوصفها أمناء على الاستثمار. ويشير الدور الإضافي الذي تقوم به المشتقات المالية إلى أن استخدام مقياس للائتمان يعتمد على القروض القائمة، ويشمل حتى بنوك الظل، يقود إلى مقياس معياري متحفظ لما يجب أن يكون عليه حالنا اليوم.

وتتفق هذه الرؤية مع التصورات الشائعة في خريف 2008. ففي ذلك الوقت، كان الركود الكبير معياراً لما يمكن أن يحدث في حالة عدم تدخل الحكومة. ومن هذا المنظور، فإن سياسة الاقتصاد الكلي لم تكن جيدة فحسب، بلك كانت ممتازة بالفعل. ويرى آلان بلايندر نفس هذا الرأي في كتابه الرائع “بعد أن توقفت الموسيقى” (After the Music Stopped).

وكانت التدابير التي اشتملت عليها كل البرامج تقريباً شبيهة بما حددته الوصفة الموصى بها، وتتضمن:

  • “قانون تنشيط الاقتصاد” لعام 2008
  • خطة الإنقاذ المالي للمجموعة الأمريكية الدولية (AIG)
  • إنقاذ شركة واشنطن ميوتشوال للخدمات المالية (WaMu) وبنك فاكوفيا (Wachovia) وبنك “كانتري وايد” (CountryWide) عن طريق الشراء بمساعدة الحكومة الفيدرالية
  • “برنامج إنقاذ الأصول المتعثرة” (TARP)
  • اختبارات تحمل الضغوط التي أجرتها الخزانة الأمريكية وبنك الاحتياطي الفيدرالي
  • تخفيض أسعار الفائدة لتقترب من الصفر
  • “القانون الأمريكي للتعافي وإعادة الاستثمار” لعام 2009
  • خطة الإنقاذ المالي لصناعة السيارات

التعاون الدولي بالروح التي سادت اجتماع مجموعة العشرين الذي عُقد في بيتسبرغ حيث قام الصندوق بدور قيادي

ولا يوجَّه إلى هذه السياسات سوى انتقاد رئيسي واحد. فقد كان ينبغي أن نوضح للجمهور أن علينا قياس النجاح ليس في ضوء المستوى الحالي لمعدل البطالة، وإنما بمعيار يأخذ في الاعتبار مدى التعرض للمخاطر المالية أثناء فترة الانتعاش السابقة. ونحن الاقتصاديون لم نحسن توضيح مدى فعالية سياساتنا الاقتصادية الكلية. وهناك سبب، بالطبع، لعدم اهتمام الجمهور بسماع ما نقول. فلدى الناس أشياء أخرى يقومون بها غير أن يصبحوا خبراء في الاقتصاد الكلي أو مؤرخين لتطوراته.

لكن شيئاً من التمييز يكفي لإدراك السبب وراء عدم نجاح تلك السياسات. فلو أن بنك ليمان براذرز كان مديناً بدولار واحد ويحتاج إلى دولار آخر فقط حتى يصبح بنكاً رابحاً وينأى بنفسه عن التقاضي أمام محاكم الإفلاس، لكان إنفاق دولارين اثنين في الوقت المناسب تماماً أثناء الأزمة كفيلاً بإنقاذنا من براثن “ركود كبير”. فهذان الدولاران كانا كل ما يمكن أن نحتاجه في هذه الحالة.
ولا شك أن نفقات الإنقاذ المالي تجاوزت الدولارين؛ وربما تزيد حتى تصل إلى بضع مليارات من الدولارات. لكنها لم تنجح بالفعل في إيقاف انهيار مالي كان في سبيله إلى الحدوث. ومقارنة بإجمالي الناتج المحلي الذي كان يمكن خسارته بما يعادل عشرات تريليونات الدولارات إذا ما تكرر “الركود الكبير”، يصبح حجم الوفورات التي حققها برنامج إنقاذ الأصول المتعثرة بواقع 1000 إلى 1. ومعنى هذا الحجم البالغ 1000 إلى 1 أنه قد يكون من الإنصاف اعتباره، بوصف مجازي، الإصبع الذي سد ثقب السفينة.

ورغم أن النفع الذي تحقق من دفعة التنشيط المالي أثناء إدارتي بوش وأوباما كان أقل مما أنفق عليها، فإن فعالية هذا الإنفاق أمر شبه مؤكد. وتشير التقديرات الحالية إلى أن مضاعِفات الإنفاق الحكومي تبلغ حوالي 2، وهو رقم معقول بديهياً أيضاً. وتبلغ تقديرات مضاعِف الميزانية المتوازنة التي تقيس فخ السيولة 1 تقريباً، سواء في النظرية أو التقدير؛ بينما يشير القياس إلى مضاعف ضريبي قوي قدره 1 تقريباً، وستكون مضاعِفات الإنفاق الحكومي هي مجموع الاثنين. وهكذا، فمن شبه المؤكد أن نفقات الدفعة التنشيطية قد حققت ثماراً كبيرة.

وخلاصة القول أننا نحن الاقتصاديين كان أداؤنا شديد السوء في التنبؤ بالأزمة. لكن السياسات الاقتصادية التي أعقبت الأزمة كانت أقرب إلى ما يمكن أن يصفه طبيب الاقتصاد الكفء الحكيم. وقد جاءت هذه السياسات بشكل مباشر من إدارتي بوش وأوباما والمسؤولين في إدارتيهما، كما حظيت بتأييد الكونغرس.

والدرس الذي يمكن استخلاصه للمستقبل هو أن علم الاقتصاد الجديد والحس السليم حققا نجاحاً كبيراً: وقد مررنا بمحن ونجاحات، وعلينا أن نتذكر ذلك عند وضع السياسات للفترة المقبلة.

نرحب بتعليقاتكم

*