زيادة الانفتاح والتنوع الاقتصادي لصالح كل الجزائريين

بقلم كريستين لاغارد

قمت بزيارة مدينة الجزائر الأسبوع الماضي لأول مرة بصفتي مديراً عاماً لصندوق النقد الدولي. وكانت زيارة جيدة، حيث أكدنا الشراكة الخاصة التي تربط بين الجزائر والصندوق، كما أتيحت لي الفرصة لأتعرف بمزيد من العمق على طموحات الجزائر والتحديات التي تواجهها في سبيل الوصول إلى مستقبل أفضل.

شراكة حقيقية

انطلاقاً من علاقة الشراكة بين الجزائر وصندوق النقد الدولى، فإننا نستمع إلى بعضنا البعض على كافة المستويات. ففي صبيحة وصولي إلى العاصمة الجزائرية، عقد فريق الصندوق ندوة مع ممثلي الحكومة وقطاع الأعمال لمناقشة النتائج التي خلص إليها آخر تقرير سنوى للصندوق عن الاقتصاد الجزائرى، والمعرف باسم تقرير مشاورات المادة الرابعة.

وقد واصلت الحوار مع كبار المسؤولين والأطراف المعنية الأخرى، ومنهم فخامة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، ورئيس الوزراء عبد المالك سلال، ووزير المالية كريم جودى، وكذلك محافظ البنك المركزى، والخبراء من المجتمع الأكاديمي، ورجال الأعمال، وممثلي المجتمع المدني.

وقد استمتعت للغاية بتناول الإفطار مع كوكبة من المواهب النسائية الكبيرة تضمنت سيدات رائدات فى مجالات السياسة، والأعمال، والإخراج السينمائى، وكذلك ناشطات في المنظمات غير الحكومية. وقد تحدثن جميعاً بحماس كبير عن حياتهن والتزامهن وآمالهن لوطنهن.

وتتسم شراكتنا مع الجزائر بالطابع التبادلي من عدة اتجاهات. ففي التسعينات، خلال الأوقات الاقتصادية الصعبة، اقترضت الجزائر من الصندوق. أما اليوم فهي من البلدان الدائنة. وقد توجهت بالشكر إلى السلطات لتعهد الجزائر بتقديم مبلغ قدره 5 مليارات دولار أمريكي لدعم الاحتياطيات الوقائية العالمية لدى الصندوق – وهو استثمار سنستخدمه بحرص إذا ما دعت الحاجة لذلك، ونقوم بسداده مع ما يترتب عليه من فوائد فى حالة استخدام الصندوق هذا المبلغ فعلياً.

وقد أصبحت الجزائر في وضع يؤهلها لدعم الجهود العالمية لاحتواء الأزمة، وهو ما يرجع إلى حد ما للإدارة الجيدة للعائدات الاستثنائية من النفط والغاز. وقد أدى ذلك إلى زيادة احتياطيات النقد الأجنبي وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.

غير أنه لا ينبغي الاستهانة بهدف الاستقرار الاقتصادى المستدام، والنمو الذي يقتسم ثماره الجميع. وقد اتفق جميع من تحدثت معهم على أن زيادة الانفتاح والتنوع الاقتصادي هو أمر مطلوب من أجل زيادة حجم الكعكة الاقتصادية، وضمان حصول كل الجزائريين على نصيب عادل منها.

إذن ما هي الأولويات اللازمة لتحقيق نمو أشمل؟

ضمان الاستقرار الاقتصادي

إن تحقيق النمو المطرد وخفض عجز المالية العامة والحساب الخارجي هما حجر الأساس لتحقيق الرخاء في المستقبل. وقد كان أداء الاقتصاد الجزائري جيداً في هذين المجالين على مدار العقد الماضي، رغم ظروف عدم اليقين التي كانت سائدة في معظم الأحيان على المستوى العالمي.

غير أن معدل التضخم ظل يواصل الارتفاع، حيث بلغ 9% تقريباً في العام الماضي ـ وهو أعلى مستوياته المسجلة في الخمسة عشر عاماً الماضية. وكان السبب في ذلك هو الزيادات الحادة في الأجور التي تجاوزت مستويات الزيادة في الإنتاجية، بالإضافة إلى السياسات النقدية التوسعية نسبياً. وتهدد هذه الضغوط بإضعاف النمو وإلحاق الضرر بالطبقات الفقيرة. فليس من قبيل المصادفة أن يقال عن التضخم إنه أسوأ “ضريبة” على الفقراء.

ولحسن الحظ، تم بالفعل اتخاذ خطوات في الاتجاه الصحيح، فموازنة العام الجاري تعمل على احتواء ضغوط الطلب وتأثيرها على الأسعار من خلال السيطرة على ارتفاع النفقات الجارية وأجور القطاع العام، كما أن قرار العام الماضي برفع أسعار الفائدة وامتصاص السيولة من البنوك سيكون عاملاً مساعداً. ومع ذلك فقد يكون من الضروري الحد من التوسع النقدي.

بناء قطاع خاص نشط

استفادت الجزائر كثيراً من قطاع النفط والغاز. لكن درجة اعتمادها على هذا القطاع في الواقع تكاد تكون منقطعة النظير، فقطاع النفط والغاز يمثل حوالي 40% من مجموع إجمالي الناتج المحلي في الجزائر و 98% من صادراتها ونحو ثُلثي إيرادات موازنتها العامة. لكن هذا القطاع لا يوفر فرص عمل إلا لنسبة 2% تقريباً من القوى العاملة.

ولا يمكن لهذا الوضع أن يكون أساساً دائماً لتوفير فرص العمل أو رفع مستويات المعيشة للسكان بشكل عام. ومن ثم فإن القضية الأساسية هي إيجاد أفضل السبل لاستخدام ما لدى الجزائر من موارد طبيعية وفيرة في إطلاق شرارة النمو الدائم والشامل الذي يوفر فرص عمل جيدة لكل الجزائريين.

والحل من وجهة نظري هو في وجود قطاع خاص نشط يعمل من خلال التعاون الوثيق مع الحكومة. وقد حدثني كثير ممن التقيت بهم في الجزائر من رجال وسيدات الأعمال عن إمكانات الجزائر الهائلة في مجالات الأعمال الزراعية والصناعة والخدمات كالسياحة والتجارة. وقد حان الوقت للانفتاح على العالم لمد جسور مع الأسواق العالمية والسماح بالدخول لمجالات الاستثمار والتجارة والخبرة الفنية. وفي أثناء مناقشاتنا، حددنا بعض الخطوات التي يمكن اتخاذها لتحسين بيئة الأعمال، بدءاً من الحد من البيروقراطية إلى تغيير قواعد الملكية الأجنبية. ورغم أن إحداث تغيير جوهري في بيئة الأعمال سيستغرق وقتاً طويلاً، فمن الممكن استهلال خطوة البداية على الفور.

إصلاح سوق العمل

يتوقف تحقيق الاستقرار في آخر المطاف على توفير فرص العمل، وخاصة للداخلين الجدد إلى سوق العمل. وقد قطعت الجزائر شوطاً طويلاً بالفعل في هذا المجال، فمنذ عشر سنوات كانت بطالة الشباب تتجاوز 50% وقد انخفضت منذ ذلك الحين إلى 20% – وهو مستوى لا يزال مرتفعاً إلى حد غير مقبول، حيث أن أعداداً أكبر بكثير من البالغين صغار السن ستنضم قريباً إلى طابور الباحثين عن عمل. ومن ثم فإن إصلاح سوق العمل هو مطلب ضروري للاستمرار في خلق فرص العمل.

وقد يظن البعض أن إصلاح سوق العمل يعني تخفيض الأجور لأنه رؤية صندوق النقد الدولي. لكنني أقول إن العالم تغير، وكذلك تغير صندوق النقد الدولي. ولكن القضية الأكبر في الجزائر هي اعتماد عدد كبير من السكان على الحكومة باعتبارها هي صاحب العمل المُفَضَّل. إن أنماط التفكير يجب أن تتغير. وينبغي أن يتطلع الجيل القادم من الجزائريين أيضاً إلى الاشتغال بالطب أو المحاماة أو الهندسة، وإقامة مشروعاتهم الخاصة. ويمكن أن تساعدهم السياسات الحكومية في هذا الخصوص.

ومن الخطوات الممكنة في هذا السياق، على سبيل المثال، تعديل القوانين واللوائح المنظِّمة للعمل التي تحول دون توظيف العمالة فى القطاع الخاص. ومن شأن اعتماد سياسات أكثر فعالية في سوق العمل – كتدريب الشباب الخريجين أو برامج التسكين الوظيفي – أن يساعد أيضاً، لا سيما في التوفيق بصورة أفضل بين مهارات العاملين واحتياجات سوق العمل.

حماية محدودى الدخل

على غرار ما يحدث في العديد من البلدان نجد أن الحكومة في الجزائر تدعم أسعار سلع وخدمات معينة، مما يجعلها أرخص مما ينبغي. غير أن هذا الدعم مُكَلِّف للغاية ولا يحقق النتيجة المرجوة في دعم المحتاجين بالفعل.

فبالنسبة للنفط والغاز فقط، قد يصل الدعم الضمني الذي تقدمه الحكومة إلى 12% من إجمالي الناتج المحلي. لكن المستفيدين الرئيسيين من الدعم هم من الطبقات الميسورة التى تستهلك الطاقة بدرجة أكبر، لأنهم يمتلكون سيارات كثيفة الاستخدام للطاقة على سبيل المثال. وفي نفس الوقت، يستحوذ الدعم على موارد ثمينة كان يمكن توجيهها إلى بنود أخرى من أولويات الإنفاق الحكومي، بما في ذلك الصحة والتعليم والبنية التحتية.

ومما لا شك فيه أن هذه المشكلة لا يمكن معالجتها بين ليلة وضحاها. وينبغي، كخطوة أولى، أن يكون الدعم صريحاً وموجهاً بشكل أفضل إلى من يحتاجونه بالفعل.

العمل معاً

إن تحويل الجزائر إلى بلد أكثر رخاء واحتواء للجميع سيستغرق وقتاً. وفي بعض الأحيان، قد لا يكون الطريق نحو هذا الهدف سهلاً. ولكن الجزائر ليست وحدها في هذا الأمر. فبعض القضايا التي تطرقت إليها – مثل الإدماج، والوظائف، وزيادة ازدهار القطاع الخاص، وإصلاح الدعم لتقديم مساعدة أفضل للمستحقين بالفعل – هي قضايا ملحة بنفس القدر أيضاً بالنسبة لبلدان أخرى في المنطقة.

ويجب علينا جميعاً أن نقوم بدورنا كي نعالج هذه التحديات معاً. وشراكتنا مع الجزائر، التي تستند إلى مثل هذا الحوار البناء الذي أجريته هناك في الأسبوع الماضي، تمثل أساساً سليماً لتحقيق هذا الهدف.

نرحب بتعليقاتكم

*