الوقت ليس في صالحنا: نحتاج إلى قرارات حاسمة لتعزيز الاستقرار المالي

هوزيه فينيالزبقلم: هوزيه فينيالز

 انتعشت الأسواق المالية خلال الشهور الأخيرة بفضل الإجراءات التي تم اتخاذها مؤخراً على مستوى السياسات في أوروبا والولايات المتحدة والأسواق الصاعدة وأيضاً في اليابان حيث عُقدت الاجتماعات السنوية المشتركة بين صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

 غير أن آخر تقييماتنا تشير إلى استمرار ضعف الثقة وتزايد المخاطر مقارنة بما ورد في التقرير السابق الصادر عن الصندوق في شهر إبريل. ولذا ينبغي لصانعي السياسات بذل مزيد من الجهود لتحقيق الاستقرار الدائم فى الأسواق المالية.     

لا تزال منطقة اليورو هي مكمن الخطر الرئيسي، فقد أدت الانقسام  المالي والاقتصادي إلى اتساع الفجوة بين البلدان المركزية والبلدان “الهامشية” في المنطقة. إذ أدى اهتزاز الثقة وعدم اليقين بشأن السياسات إلى تراجع التدفقات الرأسمالية الخاصة عبر الحدود من البلدان الهامشية ـ وهي ظاهرة استثنائية للغاية في الاتحادات النقدية.

وقد أدى ذلك إلى ارتفاع تكلفة التمويل التي تتكبدها الحكومات والبنوك والشركات والأسر المعيشية أيضاً، وهو ما يهدد بدوره بدخول المنطقة فى حلقة مفرغة من الهبوط الاقتصادى.

والسؤال هو: هل يمكن إيقاف عملية الانقسام هذه؟ نعم، أعتقد أنه أمر يمكن تحقيقه.

فكما أوضح خبراء الصندوق في تقرير الاستقرار المالي العالمي، ساعدت الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي الأوروبي في القضاء على أسوأ المخاوف التي تؤرق المستثمرين. وسوف يتعين الآن على صانعي السياسات على المستويين الوطني ومنطقة اليورو ككل البناء على هذه الإجراءات.

لكن المخاطر لا تزال كبيرة. فإذا استمرت الضغوط الحالية على سبيل المثال، فإن إجمالي أصول البنوك الكبرى في أوروبا قد يتقلص بمقدار 2.8 تريليون دولار أمريكي، مما قد يؤدي إلى انكماش عرض الائتمان في البلدان الهامشية بنسبة 9% في نهاية 2013.

أما إذا تحقق السيناريو الأسوأ، فى حالة تبنى سياسات ضعيفة، فقد تتقلص أصول بنوك الاتحاد الأوروبي بمقدار 4.5 تريليون دولار أمريكي، مما قد يؤدي إلى انخفاض عرض الائتمان في البلدان الهامشية بنسبة تصل إلى 18%. وفي المقابل، فإن التعجيل باستكمال السياسات اللازمة قد يجنبنا هذا التدهور الاقتصادي.

إذن ما المطلوب؟    

1- بنوك أكثر أماناً: أحرز صانعو السياسات تقدماً في هذا الصدد، بما في ذلك عمليات زيادة رأس المال التي أجرتها الهيئة المصرفية الأوروبية، ومع ذلك لا تزال هناك حاجة لإعادة هيكلة البنوك الضعيفة أو تصفيتها.   

2- كيانات سيادية أكثر أماناً: من خلال تنفيذ تدابير التقشف المالي في الوقت المناسب، واقتصادات أكثر أماناً من خلال إجراء الإصلاحات الهيكلية.

3- جدران واقية قوية: ينبغي أن تضع آلية الاستقرار الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي شروطاً ذات مصداقية لبرنامج شراء السندات كي تشعر الأسواق المالية أن هذه الشروط حقيقية وليست “افتراضية”.

4- اتحاد أقوى: تمثل الآلية الرقابية الموحدة خطوة مهمة يتعين على صانعي السياسات تنفيذها دون تأخير. ويجب إعداد خارطة طريق واضحة لإقامة اتحاد مصرفي متكامل لتوجيه التوقعات السوقية والمساعدة في كسر حلقة التأثيرات السلبية المتبادلة بين الميزانيات العمومية للبنوك والكيانات السيادية.

ومن الدروس المهمة التي يمكن للولايات المتحدة واليابان استخلاصها من أزمة منطقة اليورو أن التأخر في تعديل السياسات لحين ظهور توترات ملحوظة فى الأسواق المالية يؤدي إلى اضطرابات مالية ونتائج اقتصادية أكثر سلبية. ورغم أن اختلالات المالية العامة في الولايات المتحدة واليابان يمكن تصحيحها في الأجل المتوسط، فمن الضروري وضع خطة على الفور للإجراءات اللازمة على مستوى السياسات.

ولا يمكن أن ندع الأوضاع السوقية الحالية تنشئ شعوراً زائفاً بالأمان. فمع هروب التدفقات النقدية إلى الولايات المتحدة واليابان بوصفهما ملاذاً آمناً واعتماد السياسات النقدية التيسيرية انخفضت أسعار الفائدة إلى أقل مستوياتها على الإطلاق، وتمت السيطرة على ارتفاع علاوات المخاطر في أسواق السندات الحكومية وسندات الشركات.       

فضلاً عن ذلك، فقد يؤدي مأزق سياسي محتمل في الولايات المتحدة إلى تكرر التوترات المرتبطة بالحد الأقصى للدين التي أثيرت في صيف 2011، كما قد يدفع الولايات المتحدة باتجاه المنحدر المالي. وينبغي لصانعي السياسات ورجال السياسة تجنب هذين الخطرين ووضع حد لحالة عدم اليقين التي تغلف هذه السياسات.

ومن المخاطر المهمة التي تهدد الاستقرار في اليابان ارتفاع مستوى الدين السيادي وتزايد تركز حيازات السندات الحكومية في الجهاز المصرفي. وتشير توقعاتنا إلى أن حيازات البنوك من السندات الحكومية قد تزداد لتصل إلى حوالي ثلث إجمالي الأصول المصرفية في غضون خمس سنوات. وقد يؤدي ذلك إلى زيادة الارتباط بين البنوك والحكومة وإلى احتمال زعزعة الاستقرار المالي في حالة ارتفاع أسعار الفائدة.

وللتخفيف من حدة هذه الآثار، ينبغي توخي اليقظة من خلال تدابير السلامة الاحترازية الكلية والمضي في تعزيز الميزانيات العمومية للبنوك ونماذج العمل المصرفي، مع اتخاذ تدابير التقشف المالي التي أصبحت الحاجة إليها ملحة.

هل الأسواق الصاعدة آمنة؟ بوجه عام، تمكنت الأسواق الصاعدة من تجاوز المخاطر العالمية بمهارة، ولكن عليها توخي الحذر.

وهناك عدة بلدان في أوروبا الوسطى والشرقية أكثر عرضة للمخاطر عن غيرها لأنها تتعرض مباشرة للضغوط الناجمة عن تخفيض البنوك الأوروبية لقروضها التمويلية، مع معاناة بعض كيانات القطاع الخاص من ضعف ميزانياتها العمومية.

وبالنسبة للأسواق الصاعدة في آسيا وأمريكا اللاتينية، فهي أقل تأثراً بالصدمات القادمة من أوروبا، ولكنها ليست محصنة من التداعيات الخارجية السلبية. وعقب فترة من النمو الائتماني في المنطقتين، وصلت بعض الاقتصادات الرئيسية هناك إلى المراحل الأخيرة في دورة الائتمان. وعادة ما تصاحب هذه المراحل طفرات في أسعار الأصول وإشارات أولية إلى تردي جودة القروض.

وينبغي أن تتصدى الاقتصادات الصاعدة للتباطؤ العالمي من خلال حصافة استخدام الحيز المتاح لها على مستوى السياسات، ومعالجة مواطن الضعف على المستوى المحلي.

ورغم الإنجازات العديدة التي حققتها البنوك وصانعو السياسات والجهات التنظيمية، فلا تزال معدلات الثقة منخفضة.

وهذا هو الوقت المناسب الذي يتعين فيه على الحكومات استكمال الخطوات التي بدأتها لتعزيز الإجراءات التي اتخذتها البنوك المركزية بالفعل.

وهكذا فإننا نواجه اليوم اختيارين، إما اتخاذ القرارات الضرورية وإن كانت شاقة على الصعيد السياسي وعلى مستوى السياسات الاقتصادية، أو تأجيلها – مرة أخرى – على أمل زائف بأن الوقت في صالحنا. لكنه ليس كذلك!

نرحب بتعليقاتكم

*