الاقتصاد العالمي: بعض الأنباء غير السارة … وبصيص من الأمل

بقلم: أوليفييه بلانشار

يواصل الاقتصاد العالمي مسيرة التعافي وان كان قد أصبح أكثر ضعفاً. فقد انخفضت معدلات النمو الاقتصادى في الاقتصادات المتقدمة لدرجة لا تسمح لها بإحداث تغيير ملحوظ في معدلات البطالة. وانخفضت معدلات النمو أيضاً في كبرى الاقتصادات الصاعدة، بعد أن كانت مرتفعة في فترة سابقة.

اسمحوا لي فى البداية أن أسوق لكم بعض الأرقام من آخر توقعاتنا في عدد أكتوبر من تقرير آفاق الاقتصاد ا­­­لعالمي.

بالمقارنة مع تنبؤات الصندوق في شهر إبريل الماضي، تم تخفيض تنبؤاتنا للنمو في عام 2013 من 1.8% إلى 1.5% بالنسبة للاقتصادات المتقدمة، ومن 5.8% إلى 5.6% بالنسبة للبلدان الصاعدة والنامية.

وجاءت تخفيضات التنبؤات على نطاق واسع. غير أنها كانت أكثر انخفاضاً في مجموعتين من البلدان – أي أعضاء منطقة اليورو، حيث نتوقع أن تصل معدلات النمو إلى ما يقارب الصفر في عام 2013، وثلاثة من اقتصادات الأسواق الصاعدة الكبيرة، وهي الصينوالهندوالبرازيل.

قصة باتت مألوفة

تبدو العوامل المؤثرة على النمو مألوفة فى معظمها. واسمحوا لي أن أبدأ بالاقتصادات المتقدمة.

تتمثل القوة الأساسية الرافعة للنمو في السياسة النقدية التيسيرية. فالبنوك المركزية لا يقتصر دورها على الإبقاء على أسعار الفائدة الأساسية المنخفضة للغاية فحسب، بل إنها تطبق من حين إلى آخر برامج تهدف إلى تخفيض أسعار الفائدة في أسواق معينة، أو مساعدة فئات معينة من المقترضين، أو دعم عمليات الوساطة المالية عموماً.

لكن هناك قوتين تدفعان النمو للهبوط – وهما التقشف المالي، والنظام المالي الذي لا يزال ضعيفاً.

وفي معظم البلدان، تمضي إجراءات التقشف المالي وفق المسار المحدد لها. ورغم أن هذا التقشف المالي مطلوب، فإنه بلا شك يضع قيداً على الطلب الكلى، كما أن هناك أدلة متزايدة على أن مضاعِفات المالية العامة كبيرة في الظروف الحالية – أكبر مما تكون عليه في الظروف العادية.

ولا يزال النظام المالي مفتقراً لكفاءة الأداء. ولا تزال البنوك تعاني من الضعف في العديد من البلدان، وفي أوروبا أكثر من الولايات المتحدة، كما أن أوضاعها تزداد سوءاً بسبب انخفاض معدلات النمو. ونتيجة لذلك، يعاني العديد من المقترضين من الضيق الائتماني.

غير أن هناك قوة أخرى مؤثرة تتجاوز هذه القوى الميكانيكية — دعونا نطلق عليها الشعور العام بعدم اليقين بشأن المستقبل. فالمخاوف بشأن قدرة صناع السياسات في أوروبا على السيطرة على أزمة منطقة اليورو، والمخاوف بشأن إخفاق صناع السياسات في الولايات المتحدة حتى الآن في الاتفاق على خطة مالية، والمخاوف بشأن قدرة صناع السياسات في اليابان على تحقيق تخفيض أكبر لعجز الموازنة تبدو جميعاً من العوامل الحيوية في هذا الخصوص، رغم أنها عوامل يصعب تحديدها بشكل قاطع.


وأنتقل الآن إلى اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية.

أحد الموضوعات الثابتة في تنبؤات صندوق النقد الدولي هو درجة ترابط الاقتصاد العالمي، سواء من خلال التجارة أو تدفقات رؤوس الأموال. ولا استثناء من ذلك في هذه المرة.

ولا يزال انخفاض معدلات النمو في الاقتصادات المتقدمة يؤثر على الاقتصادات الصاعدة والنامية من خلال الصادرات. فعلى غرار الوضع في عام 2009، نجد أن قنوات التجارة تتسم بالقوة على نحو مثير للدهشة، حيث يسهم انخفاض الصادرات، مثلاً، في معظم الانخفاض المشاهد في معدلات النمو في الصين، ومن خلال سلاسل العرض، يسهم في جانب كبير من انخفاض النمو في آسيا.

وتسهم موجات تزامن الأسواق مع حركة المخاطر، التي يحفزها التقدم تارة والتراجع تارة أخرى في تنفيذ إجراءات السياسات، في تقلب التدفقات الرأسمالية إلى آسيا وإلى أمريكا اللاتينية.

وإضافة إلى ذلك، هناك بعض المتاعب المحلية، فهناك أوجه عدم اليقين المحيطة بالسياسات في الهند والتي تؤثر في الطلب المحلي، وهناك السياسات المتشددة في البرازيل التي جاءتفي أعقاب فترة رواج سابقة.

ونحن لا نرى هذه التطورات باعتبارها مؤشرات على حدوث هبوط اقتصادي عنيف في أي من هذه البلدان. وبلا شك نرى أن هناك تدابير إيجابية على مستوى السياسات يجري اتخاذها في هذه البلدان الثلاثة. لكنها تشير إلى انخفاض النمو لفترة، إلى مستويات لم نشهدها في الماضي القريب.

ما الذي ينبغي عمله؟

إن الاستراتيجية العامة واضحة. مواصلة السياسة النقدية التيسيرية، وهي قوة دافعة هائلة للنمو، والحد من الآثار السلبية للكوابح التي تعيق التقدم. ومواصلة تنفيذ التقشف المالي بشكل ثابت؛ ولا تزال مشورتنا في هذا الشأن كما هى لم تتغير: لا ينبغي أن تكون وتيرة التصحيح مفرطة في السرعة ولا في البطء. ومواصلة إصلاح النظام المالي. وتقليل أوجه عدم اليقين. وبعبارة أخرى، تحقيق الضبط اللازم لأوضاع المالية العامة، مع الحفاظ على النمو.

غير أن القضية الأساسية على المدى القصير لا تزال متمثلة في حالة منطقة اليورو، وهذا هو ما سأركز عليه.

ومن الواضح أن هناك تغيراً كبيراً طرأ على الاتجاهات السائدة في منطقة اليورو على مدار الشهور القليلة الماضية، وأن هناك إدراك لضرورة وضع هيكل طموح.

وقد أصبحت الدروس المستخلصة من تجارب السنوات الماضية واضحة للعيان: فبلدان منطقة اليورو يمكن أن تتعرض لصدمات قوية. ومن شأن البنوك الضعيفة أن تتسبب في تضخيم الآثار السلبية لهذه الصدمات إلى حد كبير. ويبدو أن الكيانات السيادية في حد ذاتها قد تكون معرضة للخطر، كما أن التشابكات بين الكيانات السيادية والبنوك قد تتسبب في تدهور الأوضاع بشكل أكير.

ومن ثم لا بد أن يستهدف أي هيكل جديد تخفيف حدة الصدمات في المقام الأول؛ ووضع نظام للتحويلات يخفف من آثار الصدمات. ولا بد أن يتمثل الهدف من هذا الهيكل في توجيه عمليات الرقابة على البنوك وتسوية أوضاعها وإعادة رسملتها لكي تصبح على مستوى منطقة اليورو ككل.

ومن المفيد أن نرى هذه القضايا خاضعة للدراسة الجادة، كما أنه من المفيد أن نتابع إنشاء بعض هذه الآليات بتأن. غير أنه يتعين اتخاذ المزيد من التدابير الفورية، على المدى القصير.

ولا بد أن تمضي إسبانيا وإيطاليا قدماً في تنفيذ خطط التصحيح التي تعيد بناء القدرة التنافسية وأرصدة المالية العامة وتحافظ على النمو. ولبلوغ هذا الهدف، لا بد أن تتوفر لهما القدرة على إعادة رسملة بنوكهما دون زيادة ديونهما السيادية. ولا بد أن تتاح لهما فرصة الاقتراض بأسعار فائدة معقولة. وها هي معظم أجزاء الصورة تتجمع في مكانها الصحيح، وإذا ما أمكن تركيب جميع أجزاء الصورة بسرعة، يمكن عندئذ أن يحدونا أمل معقول بأن تكون المرحلة الأسوأ قد مضت.

وإذا ما كانت أجواء عدم اليقين حقا تمثل جانباً من أسباب التباطؤ الاقتصادي الراهن، وإذا ما كان اعتماد هذه التدابير وتنفيذها يبدد أجواء عدم اليقين، فإن النتائج قد تكون أفضل مما أوردته تنبؤاتنا، ليس فقط في أوروبا، وإنما في بقية أنحاء العالم أيضاً. وهناك احتمال أقوى في الوقت الراهن لتحقق سيناريو تجاوز التوقعات.

نرحب بتعليقاتكم

*