ازدياد المخاطر على الاستقرار المالي والحاجة إلى تحرك جريء

هوزيه فينيالزبقلم هوزيه فينيالز

(بلغات أخرى English)

هناك ثلاث رسائل أساسية يحملها آخر تحديث أصدرناه لمستجدات “تقرير الاستقرار المالي العالمي”.

أولا، زادت المخاطر التي تواجه الاستقرار المالي بسبب تصاعد ضغوط التمويل والأسواق وضعف آفاق النمو المتوقعة.

ثانيا، تمثل التدابير المتفق عليها مؤخرا في قمة القادة الأوروبيين خطوات واسعة نحو معالجة الأزمة الراهنة، ولكن الحاجة قائمة لتحقيق المزيد. ويجب إعطاء أولوية لتنفيذ هذه التدابير في الوقت المناسب وإحراز مزيد من التقدم نحو إقامة اتحاد مصرفي واتحاد مالي.

ثالثا، إن الوقت يوشك على النفاد. وهذه اللحظة هي المناسبة لممارسة قيادة سياسية قوية، لأن هناك قرارات صعبة سيتعين اتخاذها لاستعادة الثقة وضمان الاستقرار المالي الدائم في كل من الاقتصادات المتقدمة والصاعدة. إنه وقت العمل.

والسؤال الآن هو لماذا زادت المخاطر التي تهدد الاستقرار المالي؟

أولا، سجل عائد السندات الحكومية ارتفاعا حادا في جنوب أوروبا، بينما تدهورت أوضاع التمويل في كثير من البنوك الأوروبية. فقد تراجعت في الشهور الأخيرة الآثار الإيجابية التي حققتها العمليات الاستثنائية التي أجراها البنك المركزي الأوروبي لإعادة التمويل طويلة الأجل، وسط تجدد عدم اليقين بشأن السياسات وتزايد المخاوف المتعلقة بصحة البنوك، مما تسبب في هروب قدر كبير من رؤوس الأموال إلى الأصول المأمونة.

ثانيا، أدى التشتت المالي إلى تفاقم حلقة الآثار المرتدة السلبية بين البنوك والكيانات الحكومية الضعيفة، وهو يهدد بإضعاف الاتحاد النقدي. فقد استمر تآكل قاعدة الاستثمارات الأجنبية في السندات الحكومية في بلدان مثل إيطاليا وإسبانيا بسبب خروج التدفقات الرأسمالية الخاصة. وزاد اعتماد الحكومات على البنوك المحلية لتمويل دينها العام. وفي نفس الوقت، تزايد لجوء هذه البنوك إلى البنك المركزي الأوروبي لتلبية احتياجاتها من السيولة نظرا لاستمرار عدم قدرتها على النفاذ إلى أسواق التمويل بالجملة.

ثالثا، انتقلت تداعيات ضغوط التمويل السيادي والمصرفي إلى قطاع الشركات في بلدان منطقة اليورو الهامشية. فشهدت هذه الشركات ارتفاعا في تكاليف التمويل بالجملة وانخفاضا في الإقراض المصرفي، كما أنها تواجه اقتراب موعد استحقاق قدر كبير من السندات في الأجل القريب، وهو ما يرجح أن يؤدي إلى تفاقم ضائقة التمويل التي تشهدها حاليا.

وأخيرا، تتسم احتمالات النمو في الاقتصادات المتقدمة والأسواق الصاعدة الأخرى بأنها أضعف بعض الشيء، الأمر الذي جعلها أكثر عرضة إلى حد ما للآثار الانتشارية الآتية من منطقة اليورو، كما يوهن قدرتها على معالجة مواطن ضعف المالية العامة والقطاع المالي النابعة من الداخل. ويواجه الاستقرار المالي العالمي مخاطر معينة كامنة بسبب أجواء عدم اليقين التي تغلف آفاق المالية العامة في الولايات المتحدة.

أولويات السياسة

على خلفية هذه المخاطر، يتعين الآن بذل مزيد من الجهود لمنع زيادة تدهور الأوضاع المالية والحيلولة دون تأثيرها المعاكس على النمو.

وفي منطقة اليورو، كانت التدابير التي اتفق عليها القادة الأوروبيون في قمتهم الأخيرة بمثابة خطوات واسعة نحو معالجة الأزمة الراهنة. وبينما يمثل تنفيذه هذه التدابير في الوقت المقرر مطلباً أساسياً، فمن الضروري بذل مزيد من الجهود أيضاً للخروج بشكل نهائي من حلقة الآثار المرتدة السلبية التي تدور فيها البنوك الضعيفة والكيانات السيادية الضعيفة. وينبغي على وجه الخصوص اتخاذ تدابير لمساعدة منطقة اليورو على تحقيق الاستقرار والتكامل والنمو.

وتحقيق الاستقرار يتطلب إجراءات جريئة وفورية على صعيد السياسات. فعلى صانعي السياسات القيام بما يلي:

  • تقوية الميزانيات العمومية، حسب الحاجة، من خلال عمليات إعادة الرسملة وإعادة الهيكلة في البنوك التي تملك مقومات الاستمرار. وقد ينطوي ذلك في بعض الحالات على ضخ رؤوس أموال مساهِمة بشكل مباشر من صندوق الإنقاذ الأوروبي، أي “آلية الاستقرار الأوروبية” (European Stability Mechanism – ESM).
  • تقوية الميزانيات العمومية للكيانات السيادية بتطبيق استراتيجيات جيدة التوقيت للتقشف المالي، وسن إصلاحات هيكلية شاملة.
  • مواصلة تطبيق سياسات داعمة على الجانب النقدي وفيما يتعلق بالسيولة.
  • ينبغي النظر أيضاً في اتخاذ إجراءات على مستوى منطقة اليورو للتوصل إلى أوضاع تمويلية مستقرة في أسواق الدين السيادي، مثل إعادة تفعيل “برنامج أسواق الأوراق المالية” الذي وضعه البنك المركزي الأوروبي.

أما زيادة التكامل فتتطلب التقدم نحو إقامة اتحاد مصرفي متكامل وتعميق التكامل المالي القائم. ويمثل الإطار الرقابي الموحد المزمع أول لبنة لإقامة اتحاد مصرفي في المستقبل. وسيتعين إضافة المزيد من اللبنات، بما في ذلك إنشاء نظام لضمان تأمين الودائع واستحداث آلية لتسوية أوضاع البنوك تمتلك موارد وقائية مشتركة على مستوى أوروبا.

ويمر اقتصاد الولايات المتحدة أيضا بنقطة تحول مهمة على صعيد المالية العامة. فمن المتوقع أن تصل الولايات المتحدة مع مطلع العام القادم إلى الحد الأقصى المحدد حالياً لمستوى المديونية. ويشير توافق الآراء في الأسواق المالية على أن هذا الحد الأقصى سيتقرر رفعه في الوقت المناسب لتفادي التوقف عن السداد. غير أن صدور رد فعل معاكس كبير من الأسواق يظل احتمالاً واردا، لا سيما إذا وصلت العملية السياسية إلى طريق مسدود في هذا الخصوص. ويتعين وضع خطة موثوقة للتقشف المالي على المدى المتوسط، لتجنب تخفيض التصنيف الائتماني من جديد وللحفاظ على سلعة عامة عالمية مهمة ـ هي استقرار سوق سندات الخزانة الأمريكية.

وتواجه الاقتصادات الصاعدة تحديا مزدوجا: التعامل مع تأثير مشكلات الاقتصادات المتقدمة، وكذلك مواجهة مواطن الضعف المتزايدة النابعة من الداخل.

  • فقد تأثرت الأسواق الصاعدة تأثرا واضحا بتباطؤ النمو العالمي وانتقال تداعيات أزمة منطقة اليورو، مثلما يتبين من رد فعل أسواق الأسهم والتدفقات الرأسمالية.
  • وتشمل مواطن الضعف الداخلية سرعة نمو الأصول المصرفية والائتمان المقدم من البنوك في السنوات الأخيرة، وهو ما قد يسفر في نهاية المطاف عن زيادة كبيرة في القروض المتعثرة. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يسفر تباطؤ النمو المحلي عن تآكل ربحية البنوك ويعرض الاستقرار المالي للخطر في بلدان مثل البرازيل والصين والهند.
  • وبالنظر إلى هذه التحديات، ينبغي أن تولي الاقتصادات الصاعدة اهتماماً خاصاً لصحة نظمها المالية المحلية. وفي نفس الوقت، ينبغي أن تحافظ على مساحة الحركة التي تسمح للسياسات بمواجهة الصدمات المحلية والخارجية الكبيرة المحتملة، وأن تعمل على توسيع هذه المساحة قدر الإمكان.     

ويتعين اتخاذ إجراءات سياسية جريئة لمعاجلة مشكلات الميزانية العمومية لدى البنوك والكيانات السيادية. فقد وفرت السياسة النقدية وقتاً ثميناً وقدمت السيولة اللازمة للنظم المالية، لكن القادة السياسيين ينبغي أن يسارعوا الآن بتحقيق تقدم في هذا المجال. فلا يمكن، على سبيل المثال، تهدئة المخاوف المتعلقة بملاءة البنوك والحكومات من خلال تدابير للسيولة فقط.

لقد حان الوقت لاتخاذ إجراءات جريئة وملموسة في الاقتصادات المتقدمة لمعالجة خلل الميزانيات العمومية وتنفيذ الإصلاحات المؤسسية على أساس مستمر. وسيتطلب الأمر اتخاذ قرارات صعبة لاستعادة الثقة وضمان الاستقرار المالي الدائم في كل من الاقتصادات المتقدمة والصاعدة.

نرحب بتعليقاتكم

*